هل تقبل ليبيا التقسيم؟

فتحي سالم أبوزخار
ifawfathi11@gmail.com

2020 / 8 / 21

كثيراً ما يتردد بين شرفاء ليبيا بأن ليبيا لا تقبل القسمة إلا على نفسها، أي أن ليبيا واحدة موحدة ولن تقبل القسمة إلا على واحد صحيح لتظل كما هي ولتكبر وتنمو بالتنمية المكانية والاقتصادية والاجتماعية وقيم الشفافية والتبادل السلمي على السلطة.. ليبيا اليوم أمام مفترق طرق أما الاستمرارية بوحدتها الترابية أو الرضوخ لرغبات عملاء التقسيم وأعداء الديمقراطية.. العالم من حقه أن يرى مصالحه وبعض دول العالم، وخاصة إسرائيل، ترى بأن مصلحتها في تقسيم ليبيا وعودة الاستبداد.. هناك دول أخرى ترى مصلحتها بشكل جزئي، لذلك ترغب في التقسيم، كما هي اليونان وفرنسا وربما إيطاليا. كذلك مؤيدي التقسيم رئيس مصر (وليس نظام مصر) وباقي دول خدم الاستبداد كالأمارات والسعودية ومعهم الأردن.

ليبيا ومفترق الطرق:
المدنية الديمقراطية أم الاستبداد والدكتاتورية:
وُضِع أحرار ليبيا، أنصار فبراير والدولة المدنية الديمقراطية، أمام اختبار قاسي في 4 أبريل 2019 فأما الرضوخ للمخططات الجهنمية برعاية البعثة الأممية، وتهاون المجلس الرئاسي الذي قد يصل لدرجة الخدلان، أو قُبُول أمر واقع دبر له من سنوات وبدعم العديد من دول العالم كفرنسا وروسيا واليونان، ورعايا الاستبداد الأردن والأمارات والسعودية ومصر والأمارات و تمويل للمرتزقة من السودان وتشاد وسوريا ودول أخرى إضافة إلى تردد أمريكا وإيطاليا .. في المقابل وأمام كل هذه التحديات وجد أنصار فبراير، ومع اختلاف مذاهبهم ومصالحهم، أنفسهم أمام الاستلام أو الحرب وكان أختيارهم موفق بتناسي خلافاتهم والتصدي بكل قوة لصد هذا الهجوم العالمي بأسلحة تقليدية بسيطة. وبعد هذا الصد الذي بالعمليات الحسابية كان انتصاراً مؤكداً للدكتاتورية ودخول الداعشي حفتر الفاسد والمُفسد والفاسق الفاجر لطرابلس بدون أدنى شك فيه!!! نعم بعزيمة الأبطال، وتأييد من الله عز وجل غير المرئي، كان النصر للأحرار ووقف زحف الأنذال وبقائهم على تخوم أسوار عروس البحر طرابلس.

ماذا بعد أن أذعن العالم لصمود الأبطال؟
"ولو دفع الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات" سُخرت بقدرة القادر وبعد صمود الأبطال في صد العدوان العالمي، لحوالي تسعة أشهر، ومنعهم من دخول طرابلس عدة عوامل رئيسية للتحول إلى الهجوم وطرد المرتزقة والغزاة المدخلية السلفية التكفيريين ومعهم المجرمين إلى سرت والجفره وهذه العوامل تتلخص في الأتي:
• ألتفتت الإدارة الأمريكية لمصالحها واستفاقة من وهم قبول الدكتاتورية في ليبيا بعد أن استدركت مؤسساتها الدفاعية تسلل الدب الروسي ورغبته في التوسع والتمدد في ليبيا.
• رأت تركيا فرصة في تحقيق رغبتها في المعاهدة البحرية التي تسعى لها من سنوات طويلة، فعملت على تجديد المحاولة وربطها باتفاقية أمنية دفاعية.
• استياء قبرص اليونانية ودولة اليونان من تفكير تركيا في التمدد بحوض شرق البحر المتوسط والتنقيب عن الغاز، وتدمر اسرائيل من هكذا تواجد مما زاد من إصرار تركيا وتوثيق علاقتها مع المجلس الرئاسي.
• خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتضارب مصالح الدول الثلاثة الرئيسة في الاتحاد الأوروبي ومحاولاتها الفاشلة في الحل وهي فرنسا، إيطاليا ، وألمانيا.

بتوفر الظروف أعلاه ورغبة أحرار فبراير في دحر الداعشي حفتر وطرد مرتزقته وبعد توقيع الاتفاقية البحرية والأمنية الدفاعية مع تركيا تحررت جميع مدن الساحل الغربي وقاعدة الوطية وترهونه لتتحرر بذلك المنطقة الغربية "تربوليتانيا" من الغزاة المرتزقة.. نعم بصمود الأبطال ودعم تركيا بالأسلحة النوعية هُزم الداعشي حفتر ومرتزقة وجروا وراءهم ذيول الخزي والهزيمة.

التقسيم أم الوحدة؟
بعد خسارة العالم الداعم للاستبداد والدكتاتورية أذعنوا جميعاً لرغبة أحرار ليبيا في أن يطرد الداعشي حفتر من طرابلس والمنطقة الغربية وتبديد حلمه في السيطرة على العاصمة وعودة ليبيا للدكتاتورية من جديد لتحكم بالحديد والنار وبشكل أشرس مما كانت عليه في حكم القذافي وتضمن اسرائيل استقرارها وأمنها كما تتوهم! والكاتب يستغرب لماذا هذا الحرص وإصرار إسرائيل على أن أمنها يكمن في صناعة الاستبداد وتقسيم الدول المحيطة بها إلى دويلات قزمية؟ ويستغرب الكاتب هذا فضمان إسرائيل أمنها لا يكون إلا بإحقاق حقوق اإنسان ودعم الديمقراطية في الفضاء المحيط بها وهي التي تدعي الديمقراطية وينصح الكاتب بالأتي:
• مراجعة تمسك إسرائيل بتأسيس دولتها على قواعد دينية فالدين للناس والأرض للجميع. أي أن الله يكفل لنا حرية اختيار الأديان بدون إكراه " لا إكراه في الدين" سورة البقرة آية 156 ، وتظل الأرض وعمارتها واستصلاحها للجميع " هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه" سورة الملك آية 15 ، "وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم" سورة الأنعام آية (165)
• الالتزام بشروط معاهد أسلو في 13 سبتمبر 1993 بحقهم في القدس، ورد اللاجئين ووقف الاستيطان والاعتداء على أراضي الفلسطينيين.
• لا يمكن الاستمرار في خلق علائق مع مستبدين ودكتاتوريين ومعاونتهم على ظلم شعوبهم فذلك سيخلق كراهية الناس ضد دولة اسرائيل وستفتح جبهة عريضة وواسعة ضد شعوب المنطقة المحيطة بها. والمراهنة على دكتاتور كما فعلت مع الداعشي حفتر أو من قبله سيف أبن الدكتاتور القذافي، لعبة بالتأكيد خاسرة.

لن ينجح التقسيم!
بعد خسارة جزء من "المجتمع الدولي" مع دعم اسرائيل في أن يدخل الداعشي حفتر العاصمة طرابلس ويحكم ليبيا بقي البديل هو التقسيم بالنسبة لإسرائيل ومجموعة من الدول الداعمة لتجزئة ليبيا ومعهم دول الاستبداد العربي: "الإمارات، السعودية، الأردن، رئيس مصر". اليوم ليبيا تقف أمام مفترق طريق فأما التقسيم أو الدولة الموحدة! وكما وقفت ليبيا في 4 أبريل 2019 أمام خيارين : الدكتاتورية أم الدولة المدنية والديمقراطية .. وأنتصر ليبيا وأحرارها ضد مشروع الدكتاتورية العالمي وستنتصر اليوم بإذن الله وعزيمة الأحرار على دعاة التقسيم والفوضى وذلك للأسباب التالية:
• خبرة المدن الليبية بالتواصل الدولي أكد لهم بأن محاولات الانفراد بهم لم تكن لصالح ليبيا ووحدتها وأنما هو لخدمة دول بعينها، وخاصة فرنسا واسرائيل، وأغلبها تدفع تجاه التقسيم. هذا الوعي لذا الكثير من الطبقة المثقفة والمسيسة سيقف حجرة عثرة ضد مخططات التقسيم.
• صحيح أن تهاون المجلس الرئاسي مكن للداعشي حفتر من الوصول لتخوم طرابلس وضعف إدارته اليوم سحب بساط السلطة السياسية لليبيا من تحت قدميه لتخضع للصراع والتفاهمات الدولية ولكن تظل للشعب الكلمة الأخيرة وخاصة وهو يرفض التقسيم. فبالتأكيد الشعب لا يشرفه أن يعيش في دويلة قزمية بعد أن كان في دولة مساحتها تناظر مساحة عدة دول أوروبية، وثروتها تضاهي ثروات عدة دول أفريقية! وهذا مسجل في ذاكرة أحرار ليبيا وأنصار المدنية الديمقراطية.
• مع الدعاية المظللة للداعشي حفتر ومن ورائها دول عديدة لزرع الفتنة والكراهية بين أهلنا في الشرق وباقي مدن ليبيا إلا أن التجربة أثبتت بأن كل ما أدعاه باطل والكثير من الحقائق المؤلمة من الإعدامات في بنغازي والمقابر الجماعية بترهونه وغياب للأمن بالمنطقة الشرقية فند كل إدعاءاته الكاذبة وزيف أبواقه الدعائية المظللة.
• بالعلاقات الاجتماعية المنسوجة بين جميع مدن ومناطق ليبيا وقبائلها سيظل نسيج وحدة ليبيا من الصعب خرقه وتمزيقه ولو حصل ذلك فسيكون لوقت قصير جداً وسيتم خياطته وترقيعه بسرعة.
• ليس من السهولة بمكان توافق الدول الراغبة في التقسيم فمصالحها متضاربة فإسرائيل ترى أمنها في التقسيم والأمارات خوفها من الانتعاش الاقتصادي في ليبيا ومصر ترى العكس ولكن رئيسها ليرضي جارته إسرائيل والسعودية الخوف الجزع من قيام دولة ديمقراطية قوية، وفرنسا التي تريد أن تحرس مصالحها فيما تبقى لها من دول أفريقية تحد ليبيا، وروسيا التي تريد مساومة أمريكا!
• بوحدة ليبيا ترى دول أوروبية وخاصة ألمانيا استقرار وضمان أمنها وإبعاد لشبح الحرب الذي سيلقي بظلاله على شواطئي أوروبا من هجرة غير شرعية وإرهاب وسلاح ومخدرات. وبوحدتها ستكون السيطرة أفضل على ألفين كيلومتر على البحر الأبيض المتوسط الجسر الرابط بين أفريقيا وأوروبا.
• بوحدة ليبيا يمكن تعويض النقص في الخبرات والموارد البشرية أو المادية ببعض المناطق ولكن بتقسيمها ستخسر المنطقة الشرقية الكثير وسيضيع الجنوب، الذي سيزداد فقراً ولن يتحمل فصله عن طرابلس، بسبب الأطماع الاستعمارية الفرنسية!
• أي تقسيم لليبيا له تداعيات سلبية على دول المغرب الكبير ولن تقف مكتوف الأيدي وترى اسقاط رقعة الدومينو ليبيا لتتساقط هي من بعدها!!!
• ليبيا موحدة سيسهل التفاهم بين روسيا وأمريكا عبر تركيا ولكن بعد التقسيم سيتعقد المشهد في شمال أفريقيا وسيلحق الخراب بأوروبا قبل منطقة الشرق الأوسط.
• تتحقق الاتفاقية البحرية بتبعية الامتداد البحري من تركيا الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي من ليبيا وهذا يعني ضرورة تبعية المنطقة الشرقية لطرابلس وستدعم بقوة تركيا وحدة ليبيا وسترفض بقوة تقسيمها.
كلمة أخيرة:
مع قناعتنا بأن النصر على الداعشي حفتر أعطى الفرصة لظهور الفروق الفكرية والسياسية بين أنصار فبراير والدولة المدنية الديمقراطية كما هو الحال بالنسبة لمن يتصدرون المشهد الحكومي في ليبيا إلا أن تهديد التقسيم، وبالرغم من تحول قيادة مصير ليبيا السياسي للخارج، سيكثف من تلاحم جهود أنصار فبراير، من جميع مدن ومناطق ليبيا، وسيقفون وبكل ما عندهم من قوة ضد التقسيم. فالتقسيم لن يرضى به إلا الجهلة وأصحاب المصلحة الآنية وعبيد أعداء ليبيا.. عاشت ليبيا واحدة حرة .. تدر ليبيا ديدجت تادرفت



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World