الجودة وضمانها في الجامعات الليبية الحكومية كما تراءت لي في ظل جائحة كورونا

حسين سالم مرجين
mrginhussein@yahoo.com

2020 / 7 / 23

عُقد خلال الفترة من 19-20 يوليو 2020م، الملتقى الوطني الثالث لمديري مكاتب ضمان الجودة وتقييم الأداء بالجامعات والأكاديميات الليبية الحكومية، الذي نظّمته الجمعية الليبية للجودة والتميّز في التعليم بالتعاون مع جامعة سبها، وشارك في هذا الملتقى هذا العام جُلّ الجامعات الليبية الحكومية سواء من المنطقة الشرقية، أو الغربية، أو الجنوبية، وبهذا تجاوز هذا الملتقى حالات الانقسام والتجزؤ التي تشهدها ليبيا منذ سنة 2014م .
وسعى هذا الملتقى إلى البحث عن مسارات الجودة وضمانها في ظل تداعيات فيروس كورونا، حيث ركّز على الأهداف التالية:
1 - التعرّف على أهم العراقيل والتحدّيات التي تُواجه مكاتب ضمان الجودة وتقييم الأداء في الجامعات والأكاديميات الليبية الحكومية في ظل تداعيات فيروس كورونا .
2 - التعرّف على أهم الممارسات الحسنة التي قامت بها الجامعات والأكاديميات الليبية الحكومية لمواجهة تداعيات الفيروس.
3 - تبادل المعلومات والخبرات في مجال الجودة وضمانها على مستـوى الجامعات والأكاديميات الليبية الحكومية.
4 - تحديد أهم المسارات المقترحة للتحسين والتطوير.
فمع وصول تداعيات فيروس كورونا إلى الجامعات الليبية تعطّلت عجلة التعليم، ووُضعت الأصفاد على أبواب الجامعات وأحكمت أقفالها، فلم تعد تلك الجامعات كما كانت قبلها، وأطلّت تداعيات الفيروس على جميع الجامعات دون النظر إلى التقسيمات السياسية أو الحروب القائمة، لتسير في طريق واحد وهو إيقاف برامجها وأنشطتها العلمية والأكاديمية، وأضحت لا تدرك كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟ ستكون العودة، واستئناف الدراسة مجدداً.
وفي ظل هذه الظروف والوقائع عُقد الملتقى الوطني الثالث لمديري مكاتب ضمان الجودة وتقييم الأداء بالجامعات الليبية بالتعاون والتنسيق بين الجمعية الليبية للجودة والتميّز في التعليم وجامعة سبها، عبر برنامج الاتصال المرئي ((zoom، وخلال أكثر من عشر ساعات وعلى مدار اليومين، عرضت الجامعات الليبية الحكومية وقائعها في ظل جائحة كورونا، إضاقةً إلى تحديد أهم ممارساتها في مواجهة تداعيات الجائحة، وكذلك قامت بتحديد أهم المسارات المستقبلية للتحسين والتطوير في برامجها وأنشطتها وطرق أدائها.
إن ما تمّ عرضه في هذا الملتقى المتميز هو في حقيقة الأمر عبارة عن ممارسات ومواقف وسلوكيات فعلية تمّ تسجيلها وتوثيقها، وهنا أودّ التأكيد بأنه من أراد الكتابة عن الجودة وضمانها في الجامعات الليبية عليه أن يعيش معاناة ومكابدة مديري مكاتب ضمان الجودة وتقييم الأداء عند قيامهم بمهامهم.
وعمومًا سأكتفي وفي عُجالة برصد أهم مشاهداتي وملاحظاتي، دون الدخول في تفاصيلها، وهي:
♦ أن أبرز ما يُلاحظ في واقع الجامعات الليبية الحكومية هو استمرار ارتباط الجودة وضمانها بشخص رئيس الجامعة، إضافةً إلى شخص من يقود مكتب ضمان الجودة بالجامعة، بالتالي من المهم أن تتوفر في كلتا الشخصيتين القناعة بأهمية الجودة وضمانها.
♦ لقد كانت تداعيات الجائحة والوقائع الناجمة عنها أعجز من أن تُعيق أعمال وممارسات بعض مديري مكاتب ضمان الجودة وتقييم الأداء بالجامعات الليبية، أو أن تجعلهم يعيشون في رعب أو هلع أو ذعر أو انتظار المجهول، فالمركب الذي يقوده ربّان خائف لن يصل إلى وجهته.
♦ لاحظتُ وجود شعور ووعي بالمسؤولية تجاه تداعيات الجائحة لدى بعض مديري مكاتب ضمان الجودة، وأعتقد بأن ذلك الشعور والوعي هو الذي دفعهم نحو المثابرة والبحث عن الطرق والممارسات والمعالجات من أجل مقاومة وتحدّي تلك التداعيات، وهذا يعني أن حجم ونوعية برامج وأنشطة وممارسات الجودة وضمانها مرتبطة إلى حدٍ كبير بالشعور والوعي بالمسؤولية، وليس من المبالغة القول هنا أنه أصبح لدينا نماذج وممارسات تستحق كل التقدير، وتستوجب التعميم بالرغم من قتامة بعض الوقائع والمشاهد.
♦ بعد أن فرّقت جائحة كورونا أطراف العملية التعليمية في الجامعات الليبية، الطلاب، وأعضاء هيئة التدريس، والموظفين؛ إلا أن الجودة وضمانها في بعض الجامعات استطاعت توحيد تلك الأطراف مرةً أخرى في إطارات ومسارات جديدة.
♦ قتامة المشهد وبشاعة الجائحة كشفت الجانب الحسن المضيء للجامعات، وهو تهافت مديرو مكاتب ضمان الجودة وتقييم الأداء على معرفة وتعلّم ورصد الدروس المستفادة واستخلاص العبر، واستمرار التواصل لتنمية المعرفة، وتطوير المهارات من أجل وضع خارطة طريق لتنفيذها على أرض الواقع.
♦ أن ترك الجامعات الليبية دون قيامها بعمليات التقييم والتقويم سيؤدي لا محالة مع مرور الوقت إلى كونها لا تلبي احتياجات المجتمع الآنية والمستقبلية.
♦ أن الجودة وضمانها كما تراءت لي في ممارسات وبرامج وأنشطة بعض مديري مكاتب ضمان الجودة وتقييم الأداء بالجامعات الليبية هي الروح المعنوية التي تسود في فضاء الجامعة، وجعلت كل العاملين بالجامعة يعملون ضمن فريقٍ واحدٍ، دون انتظار أيّ مردود مادي كالعلاوات أو الساعات الإضافية.
♦ أن بناء المعايير الصّادرة عن مراكز ضمان الجودة في ليبيا أو مؤشراتها قد يُعدّ شيء خارج إرادة الجامعات، ولكن تطبيقها هو شيء اختياري بيد إدارة تلك الجامعات.
♦ أن تأصيل الجودة وضمانها في الجامعات؛ وخاصةً في ظل الأزمات يحتاج إلى وجود شخصيات تعرف وتُقدر وتُمارس التضحيات، وهي تضحيات قد تكون قاسية ومؤلمة، حيث أن المؤلم فيها هو عدم إدراك المسؤولين – بشكلٍ خاص رؤساء الجامعات - حجم تلك التضحيات، فالأفكار العظيمة تستدعي بالضرورة التضحية سواء من حيث الوقت أو المال أو الجهد؛ ولكنّ القليل يعي ويرغب بالتضحية، بالرغم من كون الأفكار العظيمة كما يعلمنا التاريخ إذا آمن بها الكثير من أفراد المجتمع تتحول إلى قوة دفع بالاتجاه الذي ينشده القائمون عليها.
♦ أن الشخص المناسب المُناط به مسؤولية إدارة الجودة بالجامعة لا يستطيع أحد تجاهله، لأن ممارساته وسلوكياته ومواقفه ستنعكس في جُلّ أعمال وأنشطة الجامعة.
♦ أن نجاح برامج الجودة وضمانها في الجامعات الليبية يحتاج إلى جرعات من التفاؤل والتحفيز، وإلى الثقة بالنفس، والتي تعني ببساطة تجاوز التحدّيات والإكراهات، وعدم تهويل الأمور والمواقف، وعدم الاستخفاف بقدرات وإمكانات مديري مكاتب ضمان الجودة في الجامعات، وكذلك خلق ثقافة التعزيز والتحفيز، وجعل العقبات والإكراهات درجات في سلّم التميّز والإبداع والمنافسة.
♦ رغم عتمة الأوضاع والظروف يبزغ ضوء الممارسات الحسنة في إطار المسؤولية المجتمعية للجامعات كما أبرزها مديرو مكاتب ضمان الجودة، والتي تمثلت في العديد من المبادرات المجتمعية والحملات التوعوية من أجل رفع مستوى الوعي في المجتمع وتثقيفه لمكافحة تداعيات جائحة كورونا.
♦ أن عقد الندوات وورش العمل في محاولة للحدّ من تفشي الوباء، ودراسة الآثار المترتبة عليه يعدّ أمراً محموداً في ظل الظروف التي نعيشها، ويعتبر من الخطوات الجبّارة التي ساهمت بها بعض الجامعات كخطوة في سبيل تفعيل البحث العلمي.
♦ الحاجة لوجود إرادة العزم، من قبل رؤساء الجامعات، والمُلاحظ في هذا السياق أنه بدون تلك الإرادة لن تستطيع مكاتب ضمان الجودة فعل أي شيء في الجامعات.
ونختـــــم هذه المقالة بأن لجميع مديري مكاتب ضمان الجودة وتقييم الأداء بالجامعات الليبية الحكومية مهمة واحدة ألا وهي التصدي والتغلّب على تداعيات جائحة كورونا في العملية التعليمية، والتحدّي الماثل يتركز في كيفية الحدّ من الآثار السلبية لهذه الجائحة على عملية التعليم والتعلّم ما أمكن، والاستفادة من هذه التجربة للعودة إلى مسار تحسين التعليم بوتيرة أسرع، ويجب على مديري مكاتب ضمان الجودة وتقييم الأداء، أن لا يفكروا في كيفية التصدي لهذه الأزمة فحسب، بل عليهم التفكير في إنهائها والخروج منها وجامعاتنا بأحسن حال لتستأنف دورها في المجتمع وقد تحصنت بأمصال التجدد ولقاحات التعافي والبدء بحيوية من جديد وبشعور متجدد بالمسؤولية من جانب جميع أطراف العملية التعليمية ، وإدراك واضح لمدى إلحاح الحاجة إلى خلق تعليم قادر على تحقيق أهدافه وبلوغ غاياته حتى في أصعب المواقف والظروف .
وبذلك فإننا نأمل ألّا يتوقف مديرو مكاتب ضمان الجودة وتقييم الأداء عن السعي الحثيث في خطوات الجودة وضمانها حتى وإن كانت بطيئة ومليئة بالإكراهات والتحدّيات، وأكاد أجزم أن الطريق لم يعد صعبًا لديهم، فالسعةُ بعد الضيق، والأملُ بعد الألم، والفرجُ بعد الكرب، ولاشيء مستحيل؛ فلقد تعلمت في هذا الملتقى أنه من حمل الجودة وضمانها في قلبه وتفكيره لا يعينه ظلام العالمين.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World