وباء العنصرية في الولايات المتحدة

خليل اندراوس
aljabha.org@gmail.com

2020 / 7 / 11


مارس المهاجرون البيض في الولايات المتحدة سياسات النهب والسلب وتدمير الغابات الكثيفة بحثا عن مناجم الذهب والفضة، ومارسوا سياسات طرد الهنود الحمر للاستيلاء على اراضيهم ووضعهم بين خيارين: إما الابادة واما النفي والانسحاب الى المعازل، وبعد ذلك كانت العلاقة بين البيض أنفسهم، خاضعة لأحكام الغاب، لنهب الثروات المسروقة من الهنود، ارضا كانت ام ذهبا

لم يكن مفاجئا ان يهدد الرئيس اليميني المتطرف ممثل المحافظون الجدد واليمين الصهيوني في البيت الابيض المحتجين في العديد من المدن الامريكية بالرد عليهم بالحديد والنار، ولم يكن حادثا استثنائيا ان يقتل جورج فلويد بشكل بربري متوحش على يد الشرطة الامريكية، فالشرطة الامريكية تقتل سنويا المئات من الامريكيين غالبيتهم من السود، فالعنف الرسمي العنصري في الولايات المتحدة هو امر ليس بالجديد. فالعنصرية موجودة في المجتمع الامريكي – في الولايات المتحدة منذ الحقبة الاستعمارية، فقد اعطي الامريكيون البيض امتيازات وحقوق انحصرت بهم فقط دونا عن كل الاعراق الاخرى، منح الامريكيون الاوروبيون (خاصة البروتستانت الانجلو سكسونيون البيض الاغنياء) امتيازات خاصة حصرية في مسائل التعليم والهجرة وحقوق التصويت والمواطنة وحيازة الاراضي والاجراءات الجنائية طوال التاريخ الامريكي. ومع ذلك كثيرا ما عانى المهاجرون من غير البروتستانت الذين هاجروا من اوروبا، خاصة الايرلنديين والبولنديين والايطاليين، من حالة اقصاء الاجانب وغيرها من اشكال التمييز في المجتمع الامريكي.

كل سكان الولايات المتحدة مهاجرون من الخارج، عدا سكانها الاصليين من الهنود الحمر الذين كانت ثقافتهم تنظيم علاقتهم الاجتماعية، ولكن راح 80% منهم في الابادة الكبرى، كما تم اقصاء البقية الباقية منهم وتهميشها. ومع كل اختلاف ثقافات وديانات المهاجرون للولايات المتحدة من اوروبا كانت الرابطة الوحيدة التي ربطتهم جميعا هي الشراكة التجارية، واصبحت الولايات المتحدة هي منظومة الانتاج التي يقودها المنطق التكنولوجي والتجاري والتنافس والتي يشارك فيها كل فرد منتجا او مستهلكا، في غاية وحيدة هي تنمية مستوى المعيشة كميا. وفي هكذا مجتمع اتسع المجال امام تفشي الخرافات وانتشار الطوائف والهروب الى المخدرات او الشاشة الصغيرة، بينما غطى كل ذلك صبغة تدعى الدينية وهي "البيوريتانية" الرسمية او التجهيرية الرسمية التي تتعايش مع كل انواع انعدام المساواة وخاصة ضد اصحاب البشرة الحمراء والسوداء وكل المذابح والجرائم داخل الولايات المتحدة او خارجها، بل وتمدها بالتبرير العنصري والغطاء الديني.



الامريكيون السود يشكلون اكبر الاقليات العرقية في الولايات المتحدة ويشكلون اكبر مجموعة عرقية في المرتبة الثانية بعد البيض ذوي الاصول الاوروبية في الولايات المتحدة، سجل وصول اول الافارقة الى امريكا الشمالية البريطانية في عام 1619 حيث استقروا في جيمس تاون بولاية فرجينيا وخلال كل تاريخ الولايات المتحدة قامت مؤسساتها الرسمية الرئيسية بممارسة العنصرية والعرقية وخاصة في فترة ممارسة العبودية ضد المواطنين السود، وقامت الولايات المتحدة باحتجاز من تبقى من الهنود الحمر بعد الابادة الجماعية التي قامت بها امريكا ووضعتهم في مناطق مغلقة ومدارس داخلية خاصة بهم أي بالهنود الحمر، واقامت ايضا معسكرات اعتقال لهم. ولا تزال العنصرية في الولايات المتحدة تنعكس في عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية وموجودة في التوظيف والاسكان والتعليم والاقراض والحكومة.

لقد مارس المهاجرون البيض في الولايات المتحدة سياسات النهب والسلب وتدمير الغابات الكثيفة بحثا عن مناجم الذهب والفضة، ومارسوا سياسات طرد الهنود الحمر للاستيلاء على اراضيهم ووضعهم بين خيارين: إما الابادة واما النفي والانسحاب الى المعازل، وبعد ذلك كانت العلاقة بين البيض انفسهم، خاضعة لأحكام الغاب، لنهب الثروات المسروقة من الهنود، ارضا كانت ام ذهبا، ومارس المجتمع الامريكي في بداياته ابشع صور العبودية ضد السود.



وهكذا تقلص معنى الحياة لدى الانسان العنصري الابيض، ولدى المؤسسات الرسمية في الولايات المتحدة بان معنى الحياة هو التوسع الكمي للملكية والارض وكنوزها وكان "الوست" او "اقصى الغرب البعيد" يعني – باستثناءات قليلة – تقديس هذه الملحمة العنصرية، وقانون الاقوى في حرب الجميع ضد الجميع. ولم تلعب التطهيرية المسيحية او البيوريتانية أي دور سوى دور المبرر لتلك الافعال والعلاقات الاجتماعية العنصرية المتوحشة بل اصبحت المحرك لها. وهذا ما يفعله كهنة الحرب المحافظون الجدد واليمين الصهيوني العالمي الآن على مستوى عالمي، وفي الشرق الاوسط خاصة.

ان من يتابع الجذور المؤسسة لأسطورة الولايات المتحدة وسياستها الخارجية يصل الى نتيجة بان هذه السياسة العنصرية الشوفينية ضد السود في الولايات المتحدة بل ضد كل الاعراق الاخرى في الولايات المتحدة لم تتغير على مدى قرون، وهي الداعمة بدون تحفظ وبوقاحة لسياسات اسرائيل العدوانية بشكل مثابر وأكبر مثل على ذلك "صفقة القرن" لا بل "سرقة القرن".



واليوم ترى الامم المتحدة وشبكة حقوق الانسان الامريكية ان "التمييز في الولايات المتحدة يتخلل جميع جوانب الحياة ويمتد الى جميع الاعراق غير البيضاء". وهناك الكثيرون من المحللين ينظرون الى انتخاب دونالد ترامب في عام 2016 كرئيس للولايات المتحدة على انه رد فعل عنصري ضد انتخاب باراك اوباما.

المجتمع الامريكي يعاني اليوم من مستويات عالية من العنصرية والتمييز، وإحدى هذه الظواهر الجديدة في المجتمع الامريكي هي صعود حركة اليمين البديل - الت رايت – وهي عبارة عن تحالف قومي ابيض يسعى الى طرد الاقليات الجنسية والعرقية من الولايات المتحدة. وهذه المفاهيم العنصرية هي التي دفعت ترامب لبناء الجدار العازل بين الولايات المتحدة والمكسيك، هذا ما تفعله اسرائيل من خلال بناء الجدار العازل في فلسطين، ان العنف العنصري الابيض هو تهديد ارهابي رئيسي داخل الولايات المتحدة.

وهنا لا بد ان نذكر المناضل ضد العنصرية الشهيد مارتن لوثر كينغ الذي ولد في 14 يناير عام 1929، وتم اغتياله في 4 ابريل عام 1968، والذي كان زعيما امريكيا من اصول افريقية وناشطا سياسيا انسانيا، من المطالبين بإنهاء التمييز العنصري ضد السود في الولايات المتحدة. في عام 1964 حصل على جائزة نوبل للسلام وكان اصغر من يحوز عليها.

اعتبر مارتن لوثر كينغ من اهم الشخصيات التي ناضلت في سبيل الحرية وحقوق الانسان، اسس لوثر زعامة المسيحية الجنوبية، وهي حركة هدفت الى الحصول على الحقوق المدنية للأفارقة الامريكيين في المساواة، وراح ضحية قضيته. في عام 1959 قام بزيارة للهند وعبر عن اعتقاده الكامل بأيديولوجية السلام عند نهرو وغاندي، وكان شديد الانتقاد لسياسة التمييز العنصري في جنوب افريقيا، ومن اروع خطبه "لدي حلم" التي قال فيها: "لدي حلم بان يوم من الايام اطفالي الاربعة سيعيشون في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم ولكن بما تنطوي عليه اخلاقهم".



وفي تلك الفترة اخذ اليمينيون يركزون على كينغ، وعلى رأسهم مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (الاستخبارات) إدغار هوفر، وحتى لحظة موت كينغ ظل هوفر يلاحقه ويتنصت على مكالماته الهاتفية ويحاول تجنيد عملاء لاختراق حلقته الداخلية. شكل هوفر وحدة خاصة لمتابعة كينغ ورجاله وكان يدعي بان كينغ زير نساء وعميل للشيوعيين.

رسالة مارتن لوثر كينغ لم تتحقق ووجود رئيس يميني عنصري كترامب أكبر دليل، فطريق النضال طويل، ولكن لا بد ان تشرق شمس الحرية والعدالة والمساواة.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World