الإمبريالية تطورها و صراعها الاستعمارى (الحلقة التاسعة)

عمرو إمام عمر
mass599@msn.com

2020 / 6 / 6

مدخل
إن نمط توزيع القوى السياسية بسيطرتها على الموارد الاقتصادية و السياسة الدولية أختلف كثيرا عن القرن التاسع عشر أو العشرين ، فاليوم انحصرت القوة فى كتلة واحدة هى الولايات المتحدة تتلاعب بكافة الكتل الأخرى ، المنقسمة إلى كتلتين الأولى تمثلها أوروبا حليف الكتلة الأولى ، و الثانية روسية/ صينية ”البريكس“ ، لنتساءل ما الفارق بين البريكس أو الولايات المتحدة و أوروبا أنه صراع رأسمالى / رأسمالى ، لا خلاف أيديولوجى بينهم و لكن الكتلة الأقدم بميراثها الاستعمارى الإمبريالى تملك الكثير من مفاتيح اللعبة ، و الكتلة الأوروبية حليفة بمرتبة التابع للولايات المتحدة و لكنه تابع متململ فى أحيان يحاول التملص من التبعية بأوقات و المواجهة الندية فى أخرى لكنه فى النهاية يعود و يرضخ شاكراً ؛ يمثل ”البريكس“ الرأسمالية الجديدة الصاعدة بسمات مختلفة فهى اقرب إلى رأسمالية الدولة منها إلى بورجوازية دول الشركات يحمل القليل من الميراث الاشتراكى يحاول أن يضع حدا للسيطرة الأمريكية ليؤسس لنفسه مكانا فى المنظومة الاقتصادية و السياسية الدولية الجديدة ، نجاحاته محدودة و إن أربكت القوى الأخرى فى أوقات خاصة بمواجهتهم الشرسة فى سوريا …

السؤال الأهم أين موقعنا من كل هذا ، و هنا لا أتحدث عن الأنظمة الحاكمة و لكن عن التنظيمات الثورية و الأحزاب السياسية التقدمية و التحررية ، ما هى رؤيتكم للتناقضات الظاهرة ؟ ؛ كنا فى خمسينات و ستينات القرن الماضى بين كتلتين نستفيد من تناقضاتهما و إن كنا أميل للكتلة الاشتراكية بمساندتها لقوى التحرر الوطنى و وقوفها ضد الإمبريالية الاستعمارية ، كان الصراع فى نواته أيديولوجى واضح المعالم ، اليوم الغموض يغلف كل شئ ، الظاهر منه عكس الباطن ، و الباطن أعرض و أعمق و الصراع ليس حول التحرر و العدالة بل حول المصالح و السيطرة ، أعتقد إننا فى وضع أكثر حرجا مما كان سابقا ، يلزم منا الكثير و الكثير من الجهد لنعرف الإجابة على أهم سؤال ”ما هى استراتيجيتنا … ؟“

القومية فى أوروبا قبل الثورة الفرنسية
ظهرت بوادر الحركات القومية فى أوروبا من منتصف القرن السادس عشر فى عدة بلدان ، ففى أوروبا الشمالية بدأت تظهر الفكرة القومية حينما انتشرت ميثولوجيا الأبطال و الآلهة الاسكندنافيين ، و فى النرويج عندما نشر المؤرخ جيراهارد شوننج Gerhard Schoning تاريخ الشعب النرويجى عام1772 التى ظهرت على أثرها أناشيد قومية نرويجية تدعوا الشعب إلى التحرر من سيطرة الدانمارك ، و قبلها بعام ظهرت فى فنلندا أناشيد من نفس الطراز تدعوا للتحرر من سيطرة السويد عليهم ، و فى بولندا التى قسمت ما بين روسيا ، و النمسا حيث تشبث الشعب البولندى بقوميته ، و فى الولايات المتحدة كان صامويل آدمز Samuel Adms يعد برنامجا لاستقلال الولايات المتحدة عن أنجلترا عام 1772 ، تلك النماذج تؤكد إن الفكرة القومية كان لها أصولها التاريخية و لم تكن فقط أفراز لعوامل أقتصادية و أجتماعية و فكر فلسفى نظرى فقط ، بمعنى آخر أنها كانت موجودة بالفعل لكن الشعور كان غائبا فكانت مهمة الفكر الفلسفى هو إيقاظ هذا الشعور القومى ، و لم تكن المنافع الاقتصادية و الاختلافات الاجتماعية تحتل مكانا متميزا فى الحركات التحررية بل سيطرة العاطفة على الحركات القومية فى بداية ظهروها ، شكلت الظروف التاريخية دورا هاما فى تطوير الفكر القومى التى نمت و تطورت نتيجة لذلك ، فالدول العربية برغم إنها انمحت شخصيتها فى ظل الاحتلال التركى العثمانى إلا أنها احتفظت بمقوماتها القومية فكانت ولادتها تحمل بعض الاضطراب إلا إن الشعوب وجدت فيها إحياء لشخصيتها لتصبح نقطة ارتكاز لحركات التحرر فى المنطقة لتدمج بين شخصيتها الوطنية للشعوب و المقومات التاريخية و الاجتماعية و السياسية لفكرة الوحدة القومية …

مقدمات الثورة الفرنسية
خلال القرن الخامس عشر استكملت فرنسا وحدتها القومية حول العاصمة باريس ، لتشكل أكبر دول القارة الأوروبية من حيث المساحة والموارد البشرية ، بالمقارنة مع بريطانيا ، فمساحة فرنسا تماثلها بالضعف تقريبا ، و مواردها الطبيعة هى الأغنى برياً و بحرياً ؛ القارئ للتاريخ الفرنسى و الأوروبى يعرف إنها كانت مهد الثورات البرجوازية (الليبرالية) التى أشعلت القارة بمبادئها الثلاثة ”الحرية ، الأخاء و المساواة“ ، و فى مفارقة غريبة استخدمت نفس تلك الشعارات فى تكوينها لإمبراطورية استعمارية لصوصية ، لتشكل مهزلة عبثية غرقت فيها سطور التاريخ فى بحر من المجازر الدموية ...

خلال فترة صعود الشعور القومى سعت فرنسا لتدعيم حدودها خلال القرن الخامس عشر و دخلت فى صراع مرير مع القوى المجاورة لها على الحدود الشرقية ، فى نفس الوقت كان عليها تدعيم حدودها الجنوبية لإيقاف الأطماع الأسبانية لذا تأخر الخروج الفرنسى البحرى إلى العالم الخارجى إلا مع مطلع القرن السابع عشر ، فالتركيز كان على القوة الحربية البرية لحماية الدولة من أى أطماع للدول المجاورة و فى نفس الوقت محاولة أنتهاز الفرص للتوسع شرقاً بالخصوص للوصول إلى الحدود الطبيعية ، تلك النقطة هى عقدة الفرنسيين حتى اليوم …

شهدت فرنسا خلال القرن السادس عشر مجموعة من الصراعات و التناقضات بداية من الصراع بين الطبقة الإقطاعية و طبقة الفلاحين الذين شكلوا 75% من أجمالى السكان حيث قدروا فى تلك الفترة بحوالى 26 مليون لذا كانت قضية الزراعة من أكثر القضايا تعقيدا ، فقد تفردت فرنسا عن باقى دول أوروبا بوجود أمتيازات أقطاعية و مزارعين من القن بالإضافة إلى شريحة من الفلاحين يعتبرون ملاكا لأراضيهم تنتج أرضهم ما يكفى لإعالة اسرهم فى المقابل كان الأغلبية من الفلاحين يملكون مساحات صغيرة لا تكفيهم ما تنتجه من مزروعات فكانوا يضطرون للعمل أجراء ، و كان شريحة أخرى من هؤلاء يستأجرون مساحات من الاراضى بجانب أرضهم ، لذا كانت هناك أربعة شرائح فى الطبقة الفلاحية ، مزارعين معدمين مضطرون إلى بيع قوة عملهم ، ملاك صغار تكفيهم غلة الأرض ، و ملاك مستأجرين ، و ملاك مضطرين إلى تأجير قوة علمهم ، و كان على الفلاحين أن يؤدوا كثيرا من الواجبات ذات الأصل الإقطاعى و التى مثلت أساس العلاقة بينهم و بين السادة الإقطاعيين التى كانت تعتبر من مخلفات العصر القروسطى و فقدت الكثير من معانيها الاجتماعية و باتت مجرد أعباء مثيرة للسخط فى أوساط الفلاحين ، كذلك معاناتهم فى أحتكار النبلاء الإقطاعيين للمطاحن و عصارات النبيذ و المخابز ، كذلك حقوق الصيد الممنوحة للنبلاء و التى بسببها أتلفت الكثير من أراضى الفلاحين ، بالإضافة إلى المكوس و الضرائب و الخدمات العسكرية و الملكية …

كانت الامتيازات الإقطاعية تمثل للنبلاء مورد دخل أضافى ، و وسيلة للهيمنة على الفلاحين و أنتزاع أملاكهم التى أغرقت فى الديون المتراكمة نتيجة للإيجارات المرتفعة ، كما كانت القوانين و الأعراف التى تعدد حقوق النبلاء يتم تجديدها باستمرار ، كذلك عدم المساواة فى الحقوق و الواجبات فالنبيل كان معفى من الضرائب العقارية و من السخرة الملكية و ضريبة الرؤوس و الدخل ، مما أسفر عن سخط الفلاحين على النبلاء و النظام نفسه و شهدت المناطق الفلاحية أعمال عنف عديدة من جانب الفلاحين ، لذا كان جانبا كبيرا من الريف الفرنسى مهيأ للثورة ، و كان العدو الحقيقى للطبقة الفلاحية هم النبلاء و البورجوازيين …

كذلك شهد الريف الفرنسى تناقضا آخر بين الفلاحين و الكنيسة التى شكلت هيئة شبه مستقلة تتدخل فى الحياة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية ، و مع إن الكهنة لم يكن يتجاوز عددهم مائة ألف إلا أنهم ملكوا تقريبا عشر الأراضى الزراعية ، بالإضافة إلى ضريبة العشور التى كان يتم فرضها من قبلهم على الأراضى الزراعية ، كما استطاعت الكنيسة أن تمارس ضغوطا سياسية على الملوك و النظام السياسى للدولة ، هذا فضلا على هيمنتها على المنظومة التعليمية ، بالإضافة إلى الإعلام فمنبر الكنيسة كان الوسيلة الوحيدة للتواصل مع جمهور كبير غالبيته من الأميين …

كان الأساقفة أغلبهم من النبلاء ، و رئاسة المجامع الكهنوتية حكرا على الطبقة الإقطاعية فقط ، و استطاعت الطبقة البورجوازية أن تخترق المنظومة الكنسية و لكن فى المجامع الصغيرة فقط ، و استفادوا من بعض الامتيازات إلا أن الغنائم الكبيرة كانت فى أيدى كهنة الأديرة و الكاتدرائيات الكبيرة ، و أخيرا كان هناك القساوسة الوكلاء Vicures هؤلاء كانوا يعيشون فى فقر مدفع و اضطر الكثير منهم للقيام بأعمال أضافية لزيادة دخله مما شكل تناقضا آخر داخل الكنيسة الفرنسية ذاتها ، و قبل أندلاع الثورة شهدت فرنسا عام 1780 ما عرف باسم تمرد ”الخوارنة“ اللذين كانوا يمثلون الطبقة الدنيا من الكهنة و طالبوا بالمزيد من النفوذ داخل المنظومة الكنسية و هاجموا تسلط الكهنة الأرستقراطيين ، مما أدى إلى إعلان الملك بتحريم تشكيل أى اتحادات تمثل القساوسة الوكلاء …

لم يكن التناقض فقط بين الفلاحين و النبلاء أو داخل الكنيسة ، و لكن شهدت فرنسا صراعا آخر بين النبلاء الإقطاعيين من ناحية و بين الملك ، فخلال العصور الوسطى تدهورت السلطة المركزية نتيجة للحروب المستمرة ، و ظهرت طبقة من النبلاء الفرسان من اتباع للملك حصلت على أمتيازات واسعة و استطاعت أن تجمع فى ايديها سلطة القضاء و جمع الضرائب و قيادة الجيوش ، و سارع الكثير من صغار الملاك فى التنازل عن أملاكهم لها حتى يعيشوا فى حمايتها ، لذا كان يدب فى أوقات كثر صراع الملك و أمراء الإقطاع خاصة إذا تولى الحكم ملك قوى يرغب فى تقوية سلطة التاج ، إلا أن هذا الصراع أصطدم مع الأوضاع و العلاقات الاقتصادية فلم يكن من الممكن تحطيم سلطة أمراء الإقطاع إلا بإحداث تغيرات فى العلاقات الاقتصادية ، و هو ما حدث على اثر ظهور الطبقة البورجوازية التى قامت على أساس التجارة و الصناعة بدلا من الزراعة و ملكية الأرض ، فقد تحالفت تلك الطبقة الجديدة مع الملوك ضد النبلاء اللذين أخذت نفوذهم فى التدهور خاصة بعد الحروب الصليبية …

كان كثيرين من طبقة النبلاء يعانون من مصاعب مالية فحياة الترف التى كانوا يعيشون فيها تتطلب المزيد من الأموال ، فراحت تلك الطبقة تستدين من البورجوازيين أصحاب التجارة و المال ، و أتجه بعضهم إلى التزاوج من وريثات هؤلاء التجار لإنقاذ أنفسهم من الديون المتراكمة ، بدأ جزء من هؤلاء النبلاء ينحاز للأفكار الفلسفية الجديدة التى بدأت تنتشر و كان صالون ”مدام ديبينيه“ له شهرة كبيرة فقد ضم عدد من كبار المفكرين و المثقفين الفرنسيين ، و كان من الواضح إن انحياز تلك المجموعة من النبلاء للأفكار الجديدة لم يكن إلا نتيجة لتقاربهم من البورجوازية الكبيرة و مشاركتهم بعض لمصالح الاقتصادية ...

كذلك رفع أمراء الإقطاع شعار الديمقراطية فى مواجهة الحكم الأوتوقراطى إلا أن تلك الديمقراطية كانت تعنى طبقة النبلاء فقط ، و فى عهد لويس الرابع عشر حدثت انفراجه سياسية بتشكيل أجهزة إدارية للدولة إلا إن الإرادة الملكية ظلت هى المسيطرة على كافة النواحى السياسية و الاقتصادية و الدينية ، استطاع نبلاء البلاط الملكى السيطرة على المناصب الوزارية حتى أصبح جميع الوزراء من النبلاء إلا وزيرا واحدا هو المصرفى نيكير الذى كان ينتمى للطبقة البورجوازية الجديدة ، حتى القضاء احتكرته مجموعة من الأسر ، و طالبوا بأن يخلع الملك عليهم القاب النبل القابلة للتوريث ليوافق الملك على هذا الطلب …

ثورة فكرية مهدت للثورة الشعبية
خلال تلك التناقضات التى كان يعم بها المجتمع الفرنسى ظهر عام 1748 كتاب ”روح القوانين“ للمفكر مونتسكيو Montesquieu ، وضع فيه الكاتب تصور عام لشكل الحكومة فى مجتمع حر ، ارتكز على مبدأ الفصل ما بين السلطات التنفيذية و التشريعية و القضائية على أساس أن يكون هذا الفصل بين السلطات ضامنا للعدالة و الحرية ، و بعده بعدة سنوات نشر جان جاك روسو Rousseau كتابه ”العقد الإجتماعى“ الذى وضع فيه أساس العلاقة بين الفرد و الدولة ، من خلال عقد يتنازل فيه الأفراد عن رغباتهم و إرادتهم الخاصة لصالح المجتمع الذى تمثله هنا الدولة أو الحكومة ، وبموجب هذا العقد يصبح المجتمع (الدولة) الطرف الثانى و الأفراد الطرف الأول ، و بما إن الأفراد تنازلوا طواعية عن إرادتهم للمجتمع ، لتتشكل إرادة عامة يتمتع بها المجتمع ككل فهى قوة الشعب أو القوة العامة ، و بالتالى هدمت تلك النظرية نظرية الحق الإلهى للملوك و ألغت كل الحقوق التى استندت إليها ، و نقلت القوة من يد الملوك إلى يد الشعوب الذى أصبح بموجب هذا العقد الحق فى الثورة على الحكم لفرض إرادته العامة فهى أساس التعاقد …

فى نفس الفترة تقريبا ظهرت مجموعة من المفكرين أطلق عليهم الإنسيكلوبيديون الذين نشروا موسوعة ضخمة مكونة من سبعة عشر جزءاً فى الفترة ما بين 1751-1765 ناقشوا فيها الحياة السياسية و المجتمعية فحللوا الأرستقراطية ، و السلطة الملكية ، القانون ، الحكومة و الديمقراطية و غيرها من الموضوعات ، اعتمد هؤلاء المفكرين على ما طرحه مونتسكيو فى كتابه روح القوانين ، و هاجموا مبدأ الحكم الإلهى ، و اشترطوا لشرعية السلطة الملكية موافقة الشعب عليها ، و فى عام 1773 نشر البارون دولباخ كتابه ”النظام الإجتماعى“ ، الذى لم يخرج عما طرحه روسو ، و فى عام 1765 نشر فولتير كتابا بعنوان ”آراء جمهورية“ ، وصف فيه المجتمعات التى تخضع لسلطة استبدادية بأنها تفتقد الشجاعة و القدرة على حكم نفسها بنفسها ، و عرف الحكومة المدنية بانها ”إرادة الكل يقوم بتنفيذها شخص أو عدة أشخاص تبعا لقوانين يدين الجميع بالخضوع لها“ ؛ كانت فرنسا تعج بحركة فكرية متصاعدة تحاول الوصول إلى شكل جديد للمجتمع نتيجة خلافاً للصراعات الاجتماعية و السياسية المحتدمة ، كما لم يكن فقط الجانب الفكرى أو الفلسفى هو المسيطر فالاقتصاديون أدلوا هم أيضا بدلوهم فى خضم هذا الحراك الفكرى و ظهر مجموعة منهم أطلق عليهم اسم الفزيوقراط Physiocrats أو الطبيعيون كان على رأسهم مؤسس تلك المدرسة فرنسوا كسناى Francois Quesnay ، أعتقد هؤلاء إن القوانين الاقتصادية ما هى إلا قوانين طبيعية تماثل التفاعلات الكيميائية و قوانين الجاذبية الأرضية ، و على ذلك يجب أن يقل تدخل الحكومة فى الحياة الاقتصادية إلى أدنى حد ممكن ، كما اعتبروا الأرض أساس الثروة ، و الصناعة ما هى إلا عملية تحويل للمواد الأولية التى تنتجها الأرض ، التى بدونها لا توجد صناعة ، و التجارة ما هى إلا عملية نقل للسلع من مكان إلى آخر ، و بهذا فإن الطبقة الوحيدة المنتجة هى طبقة الفلاحين و بما إن أصحاب الأراضى هم الطبقة التى تحصل على ناتج الزراعة فيجب أن تتحمل وحدها عبء الضرائب …

طالب هؤلاء الطبيعيون الحكومة أن تعمل على فتح الأسواق للمنتجات الزراعية و إزالة كافة العقبات فى وجه التجارة داخليا وخارجياً و إلغاء الجمارك و ضرائب المرور لذا كان شعارهم ”دع التجارة تمر“ ، كما طالبوا بإلغاء النقابات المهنية و التى تحصر العمل فى فئة معينة هى أهل الحرفة أو الطائفة و أطلاق حرية العمل مطلقين بذلك شعارهم الثانى ”دعه يعمل“، لذا اقتصرت آرائهم فى حصر الحقوق الطبيعية فى الملكية الفردية ، و غاب عن هؤلاء الطبيعيون مفهوم الملكية المجتمعية التشاركية لذا كان من الطبيعى أن يتبنى آرائهم الطبقة البورجوازية الجديدة التى رفعت تلك الشعارات …

بجانب هؤلاء ظهر مجموعة من الفلاسفة و المفكرون الاشتراكيون كان أهمهم آبيه دى مابلى L’Abbe de Mably و المفكر موريللى Morelly اللذين اعتبروا الملكية الفردية خصوصا ملكية الأرض أساس كل الشرور الاجتماعية و السياسية ، و طالبوا بتأسيس أنظمة اشتراكية و شيوعية لعلاج تلك المساوئ ، تأثر كل من مابلى و موريللى بـ”جمهورية أفلاطون“ و دعوا إلى شيوعية الحكم بأن تصبح الدولة هى وحدها المالكة الفعلية و تقوم بتوزيع ما تملكه على الأفراد ”كل بحسب أحتياجه“ فى مواجهة أفكار الفزيوقراط اللذين لم يأتوا تقريبا بجديد سوى أعطاء الطبقة البورجوازية حقوق و شرعية تواجد و لكن على حساب الطبقات الأخرى خاصة الطبقة العاملة و الفلاحين و لم تقترب بأى حال من أصلاح المجتمع الذى بدا عليه الانقسامات و الشروخ ، كان لأفكار مابللى و موريللى اثر كبير على الثورة الفرنسية فقد تكون على أساسها ما اطلق عليه ”نادى اليعاقبة“ اللذين تبنوا أفكارهما و اتخذوها مرجعاً أساسياً تستند عليها آرائهم …
و هناك المفكر و الفيلسوف رينال Raynal الذى هاجم عدم المساواة فى توزيع الثروة ، و اعتبرها سبب البلاء للمجتمع ، و اصدر كتاب فضح فيه ممارسات التجارة الأوروبية فى الهنـد الشرقية و الغربية ، كما هاجم رجال الدين و البلاط و طالب بتطويع الدين للدولة …

هؤلاء المفكرين كانوا بمثابة العقل المفكر للثورة الفرنسية فهى حملت أفكارهم و أحيت روح النقـد مقابل النقل فى عقول العامة من الشعب الفرنسى ، فأخذت التقاليد البالية الموروثة التى كان يتم النظر لها باحترام و تقدير تفقد كل هذا ، فتلك الأفكار هى التى تأسس عليها البناء الاجتماعى الذى ثار الناس عليه ، و قد شهدت تلك الفترة تناقضات مربكة ، فطبقة النبلاء برغم الامتيازات التى تمتعوا بها إلا انهم فى الواقع كانوا محرومين من السلطة ، فشجعت تلك الطبقة هؤلاء المفكرين لنقد النظام الملكى و الدعوة إلى هدمه و نقد رجال الدين اللذين باتوا ينافسوهم فى الامتيازات …

النبلاء يحفرون قبورهم بأيديهم
قد تندهش عزيزى القارئ عندما تعلم إن أصحاب الشرارة الأولى للثورة الفرنسية لم تكن الطبقة البورجوازية ، و لا طبقة الفلاحين أو العمال ، لكنها طبقة النبلاء ، كانت نقطة البداية هى أستغلال الإقطاعيون الأزمة المالية التى عصفت بفرنسا ، فبعد التكاليف التى تكبدها النظام الملكى فى حرب الاستقلال الأمريكية على أثر مساندته للثوار ضد الامبراطورية البريطانية لجأت الدولة إلى فرض ضرائب جديدة على كل من طبقة النبلاء و رجال الدين ، اللذين وجدوا فى تلك اللحظة الفرصة المناسبة للانقضاض على ما تبقى من النظام شبه المنهار تقريبا نتيجة لحاجته إلى المال …

كانت الحكومة الفرنسية قد بدأت فى أصدار مجموعة قرارات أقتصادية الغرض منها تعويض العجز فى ميزانية الدولة ، منها إلغاء الحواجز الجمركية الداخلية ، تعميم ضريبة الملح ، استبدال الضريبة العشرينية بضريبة دائمة على الأرض يدفعها المالكين بغض النظر عن مركز أصحابها ، تلك الضريبة تزداد بحسب ارتفاع قيمة الأرض ، إلغاء الضرائب التى كان يفرضها النبلاء على الفلاحين فى إقطاعيتهم ، تشكيل مجالس إقليمية جديدة لها الحق فى تقدير قيمة الضريبة الدائمة على الأرض ، بهذا فقد النبلاء هيمنتهم على إقطاعيتهم و على الفلاحين ، و كان وزير المالية فى تلك الفترة ”كالون“ يريد من خلال تلك القرارات إرضاء الطبقة البورجوازية لتصبح الثروة المالية و العقارية هى مصدر النفوذ لا النبالة و لا ملكية الأرض وحدها …

كان من الطبيعى أن تثور طبقة النبلاء فبتلك القرارات ستلغى الامتيازات التى تمتاز بها أراضيهم مما قد يؤدى إلى فتح الباب لإلغاء كافة الامتيازات الأخرى بكافة أشكالها ، كذلك ثار على تلك القرارات رجال الدين حيث ستصبح الأراضى التى تحت ايديهم تحت طائلة قانون الضرائب الجديد مما يؤدى إلى أهتزاز استقلالهم الطبقى ، استطاع النبلاء أيقاف خطة كالون الاقتصادية بعد رفض مجلس الأعيان الذى يسيطر عليه النبلاء و رجال الدين الموافقة على تلك القرارات ، و استطاعوا الإطاحة به بمساعدة من الملكة مارى أنطوانيت التى وقفت بجانب النبلاء بعد أن حاول ”كالون“ الاستعانة بالعامة لتعزيز موقفه بتوزيع بيان عام على الشعب تضمن تشهير برجال الدين و النبلاء مما أغضب الملكة …

استمر الصراع ليصل إلى ذروته بإصدار الملك لويس السادس عشر مرسوما ملكيا بتعديل النظام القضائى ، بموجب هذا التعديل عهد بتسجيل المراسم الملكية إلى محكمة تتألف من أمراء البيت (نبلاء البلاط) و كبار موظفى التاج لتفقد برلمانات المدن و مجلس طبقات الأمة جانبا كبيرا من سلطتهم ، كما الزم المرسوم أمراء الإقطاع بإنشاء محاكم لإصدار الأحكام النهائية فى القضايا و من لم ينشئ تلك المحاكم مستوفية للشروط من سجون و موظفين قانونيين مدربين سيفقد النبيل الامتيازات التى حصل عليها ، لتحقق الملكية أنتصارا على مجلس طبقات الأمة …

إلا إن هذا الانتصار لم يكن له قيمة حقيقية نظرا لعجز الدولة نتيجة للأزمة الاقتصادية مما أجبر الحكومة على الدعوة إلى أجتماع غير عادى للمجلس الكهنوتى ليمدها بقرض قيمته 8 مليون ليرة ، لكن المجلس أنتهز الفرصة و اعلن أحتجاجه على المرسوم الملكى ، و أعلن تأيده لمجلس طبقات الأمة بأنه السلطة المختصة بتقرير ضرائب جديدة ، و لم وافق إلا على تقديم إعانة للحكومة قدرها مليون و ثمانمئة ألف ليرة تقدم على سنتين …

بهذا لم يعد أمام الحكومة و الملك من بد سوى الارتماء فى أحضان الطبقة البورجوازية ، مما دعا رجال الدين و النبلاء إلى التمرد على الملك و ظهرت حالات تمرد فى باريس و فى عدد من الأقاليم الريفية ، و أبدت الطبقتان أستعدادهم للجوء إلى العنف فالجيش قادته من نبلاء السيف أما رجال الدين أخذوا يشنوا هجوما من فوق منابر الكنائس على الملك و الحكومة ففقد الملك أهم أجنحته السلطوية ، و أعلنت عدد من المقاطعات التمرد خاصة فى الأطراف و طالبت باللامركزية و هيمنة الطبقات صاحبة الامتيازات على السلطة فى الأقاليم ، اشتد الصراع بين الملك من ناحية و بين مجلس طبقات الأمة الذى يسيطر عليه نبلاء السيف و رجال الدين ، إلا أن الطبقة البورجوازية أحست إن انتصار النبلاء و رجال الدين فى معركتهم مع الملك لن تكون فى صالحهم ، لتبدأ شرارة ثورتهم من مدينة "نانت" التجارية الغنية الذى سيطر فيها البورجوازيين على مجلس الطبقات المحلى بها ووضعوا برنامجا يعتبر ثوريا بضرورة المساواة بين الطبقات الثلاثة فى مجلس طبقات الأمة و أن يكون التصويت على القرارات فرديا ...

كان الصراع قد وصل إلى ذروته خاصة فى مدينة رينيه Rennes الذى رفض النبلاء و رجال الدين فيها طلبات الطبقة البورجوازية مما دعاهم إلى إعلان العصيان و حاصروا مبنى مجلس طبقات الأمة المحلى الذى أحتمى فى داخله النبلاء و زحف أكثر من 400 بورجوازى من نانت للدفاع عن زملائهم فى رينيه و استمر حصار النبلاء داخل المبنى ثلاثة أيام ، فى تلك الفترة شكلت الطبقة البورجوازية اتحادا بلديا يضم مدن مقاطعة بريتانى ، حاول النبلاء اللجوء إلى الفلاحين طلبا لتأيدهم فى مقابل سكان المدن لكن الفلاحين وقفوا موقفا سلبيا تجاه النبلاء ، كل تلك الأحداث كانت برهانا على تضعضع سلطة الملكية ، فلم يعد النظام الملكى يملك الأداة التى تمكنه من فرض النظام و الطاعة لأوامره.

انتصار الطبقة البورجوازية
استطاعت الطبقة الإقطاعية أن تفرض أرادتها على الملك بدعوة مجلس طبقات الأمة للانعقاد ، إلا إن ممثلى الطبقة البورجوازية استطاعوا إضافة عبارة لمرسوم دعوة المجلس هى ”طبقا للنظام المتبع فى عام 1614“ ، معنى هذا طبقا لقرارات 1614 أن يكون لكل طبقة من الطبقات الثلاثة المشكلة للمجلس عدد متساو من الممثلين ، و أن تصوت كل طبقة على حدى ، و يحق لكل منها حق نقض قرارات الطبقتين الأخريتين …

هذا القرار أنهى الصراع بين الإقطاع و النظام الملكى ، ليفتح المجال لصراع آخر بين الطبقة الإقطاعية و البورجوازية التى أخذت يد المبادرة و بدأت حملة سياسية على محورين أساسيين الأول مهاجمة أمتيازات الطبقة الإقطاعية و الدينية و المطالبة بأن تحل الكفاءة محل النسب ، و الثانية مهاجمة الأسس التى ينعقد عليها مجلس طبقات الأمة و المطالبة بالتمثيل الضعفى أى يكون عدد نواب الطبقة البورجوازية مساويا لعدد كل من ممثلى الطبقتين الإقطاعية و الدينية ، و الأخذ بالتصويت الفردى لا حسب الطبقة …

هنا صحت الطبقة الإقطاعية من سكرات انتصارها على السلطة الملكية و قدموا مذكرة إلى الملك شرحوا فيها مخاطر مطالب الطبقة البورجوازية و إن تلك المطالب ستهز السلطة الملكية ذاتها و أنها دعوة للثورة على الملك ، حاول النبلاء فى تلك المذكرة أغراء الملك بالتحالف معهم ضد الطبقة البورجوازية ، إلا إن محاولتهم باءت بالفشل فقد كان الملك أضعف من أن يواجه تلك الطبقة الجديدة المسلحة بالمال ، كذلك الطبقة الإقطاعية التى خرجت من سلسلة الصراعات متصدعة ضعيفة ، و انتصرت الطبقة البورجوازية بعد موافقة مجلس الوزراء على مطالبهم و جرت الانتخابات لمجلس طبقات الأمة على أساس تلك المطالب …

بعد أنعقاد مجلس الأمة ظهر واضحا كيف استطاعت الطبقة البورجوازية أن تصوغ مطالبها بما يتناسب مع طموحاتها و قدراتها ، فقد تأثرت الطبقة البورجوازية الفرنسية بانتصارات الثورة البورجوازية الانجليزية و إقرارها الحكم الدستورى و إلغاء جميع الامتيازات التى كانت مرتبطة بشرف النسب ، لتفتح الطريق أمامها للسلطة ، فى نفس الوقت كان ممثلى الطبقة البورجوازية هم الأكثر توافقا و تنظيما على العكس من ممثلى الطبقات الأخرى ، فطبقة الإكليروس كانت منقسمة من داخلها ، فقساوسة الأبراشيات كانوا فى غالبيتهم ينتمون إلى الطبقة البورجوازية ، بينما الأساقفة كانوا من النبلاء ، شكل هؤلاء القساوسة العدد الأكبر من ممثلى رجال الدين فى مجلس الطبقات ، أما طبقة النبلاء فقد انقسمت أيضا من داخلها بين نبلاء متحررين تأثروا بأفكار روستو و مونتسيكو وكان عددهم تقريبا 50 نبيل من أجمالى 270 ، لذا كان اهم مطلب للطبقة البورجوازية هو إقرار التصويت الفردى فتلك الانقسامات كانت لصالحهم على طول الخط و شكلوا بذلك كتلة تصويتية مرجحة ؛ من الملاحظ غياب طبقة الفلاحين و البروليتاريا أو أصحاب الحرف الصغيرة من التمثيل فى المجلس ، فقد صيغت العملية الانتخابية بشكل أدى إلى إقصاء هؤلاء من الترشح للتمثيل داخل المجلس ، و حتى المطالب التى تقدم بها بعضهم لتعديل قوانين الترشح لتسمح لهم بذلك رفضت من قبل الطبقات الثلاثة ، كما استغلت الطبقة البورجوازية الفلاحين بدفعهم لانتخاب مرشحيهم على أساس أنهم سيكونوا ممثلين لمصالحهم داخل المجلس و أطلقوا على أنفسهم ”نواب الأمة“ و استغلوا فى ذلك انتشار الجهل و الفقر و حاجة الفلاح للمال ، نجحت خطة الطبقة البورجوازية و استطاعوا الفوز بأصوات الفلاحين بنسب كبيرة …

أجتمع المجلس بكامل الطبقات فى يوم 5 مايو 1789 ، وكان من الإجراءات التكميلية هو النظر فى صحة انتخاب أعضاءه ، و اعلن ممثلى الطبقة البورجوازية معارضتهم أن تقوم كل طبقة على حدى بعملية الفحص ، و طالبوا أن يكون الفحص من خلال لجنة مشكلة من ممثلى الطبقات الثلاثة بشكل متساوى إلا إن الطبقتين الأخريتين رفضوا هذا الطلب و أمتنع ممثلى البورجوازية عن تقديم أوراق الفحص ، ليصبح المجلس مشلولا غير مكتمل الإجراءات ، دارت مجموعة من المشاورات انتهت بانتصار الطبقة الجديدة و فى يوم 12 يونيو بدأت عملية فحص صحة انتخاب و نيابة الأعضاء و تبين حينها أن ستة عشر نائبا من رجال الدين انضموا إلى الطبقة البورجوازية ، بينما ظلت طبقة النبلاء صامدة ، و بهذا قرر نواب الطبقة الجديدة أنهم صاروا يمثلون الأكثرية فى المجلس و أنه بات شرعياً و أن تسميته بمجلس الطبقات أصبح لا يتفق مع الواقع الجديد و طالبوا بتسميته بـ ”الجمعية الوطنية“ …

كان الغرض من ذلك القضاء على التقسيمات الطبقية داخل الجمعية و أن يكون المجلس ممثلا للأمة ، و فى يوم 17 يونيو 1789 قرر رجال الدين الانضمام إلى ممثلى الطبقة الجديدة التى أشاعت أنها تمثل العامة و الدعوة لاجتماع موحد يضم الجميع فى مجلس واحد ، بهذا حققت البورجوازية نصرا مزدوجا على كل من النبلاء و الملك فى آن واحد ، فهى التى قررت الشكل الذى سيتخذه المجلس دون الرجوع للملك فسحبت هذا الحق منه ، كذلك استطاعت الحصول على حق المجلس فى فرض الضرائب …

فى تلك الفترة حاولت الملكية الاستفادة من التعديلات التى طالبت بها الطبقة البورجوازية على أمل أن يحدث توازن فى الطبقة الإقطاعية و أن تبقى الملكية لها سيطرتها و نفوذها ، لذا دعا الملك لويس السادس عشر المجلس للاجتماع فى جلسة ملكية تحضرها الطبقات الثلاثة ، و خوفا من أن تحدث أية تطورات أغلقت القاعة المخصصة للطبقة البورجوازية بحجة إعدادها ، أدرك النواب أن هناك شئ ما يتم تحضيره ضدهم فعقدوا أجتماع يوم 20 يونيو 1789 فى ملعب التنس Jeu Du Pomme و حلف الأعضاء المجتمعين يمين على أن يستمروا فى أجتماعهم فى أى مكان تختاره الظروف و أن يثبتوا على مطالبهم بوضع دستور جديد للمملكة على أسس جديدة ، و اصدروا وثيقة بذلك عرفت تاريخيا باسم ”ميثاق ملعب التنس“ ، و فى اليوم التالى أنضم لهؤلاء النواب 144 من القساوسة و اثنان من النبلاء …

أجتمع المجلس يوم 23 يونيو حاول الملك إظهار سيطرته على الأوضاع بأن يعطى المجلس الحق فى الموافقة على الضرائب الجديدة و القروض ، و إلغاء الرقابة على الصحف ، إلا أنه رفض مسمى الجمعية الوطنية و أصر على أن يستمر التمييز القديم بين الطبقات الثلاثة ، و أن تستمر الفروض الإقطاعية و الامتيازات المادية و الشرفية الخاصة بالإقطاعيات ، و حاول أرضاء البورجوازية بالموافقة على ضرورة استشارة المجلس فى التعينات التى تضفى على متوليها نبالة أو أمتيازات مادية أو فروض أقطاعية خاصة بالأراضى ، بهذا حاول الملك الحفاظ على التمايز الطبقى و حماية طبقة النبلاء ، فى نفس الوقت لم يعد أمام الطبقة البورجوازية سوى طريق الثورة ووقف النائب ميرابو و قال لكبير أمناء الملك ”اذهب و بلغ مولاك إننا لن نغادر هذا المكان إلا على أسنة الحراب“ ، فى اليوم التالى أنضم غالبية رجال الدين و 47 من النبلاء إلى ممثلى البورجوازية …

لم يعد من بد أمام الملك سوى أختيارين إما فرض إرادته بقوة السلاح عن طريق فض اعتصام نواب الطبقة البورجوازية ، أو الاستسلام لمطالبهم و هذا ما حدث ، ففى يوم 27 من نفس الشهر طلب الملك من النبلاء و رجال الدين أن ينضموا لنواب البورجوازية ، فى محاولة منه و لو لتنفيذ جزء من مطالبه إلا أن المجلس أصر على المضى فى التغيير و أختار لجنة من القانونيين لكتابة دستور جديد ، و فى يوم 9 يوليو غير المجلس من اسمه للمرة الثانية إلى ”الجمعية التأسيسية“ ، و فى يوم 11 يوليو تقدم النائب لافييت بمشروع إعلان حقوق الإنسان ليكون هذا إعلانا بانتصار البورجوازية فى صراعها مع الملك و الطبقة النبلاء و رجال الدين …

لم يكن أنتصار البرجوازية فى هذا الصراع مع الحكم الملكى نقطة النهاية ، فالملك لم يرضى بهزيمته و باتت الأوضاع فى باريس تنبئ بحدوث أنقلاب يقوده الملك ضد الجمعية التأسيسية ، فقد استدعى ستة فرق عسكرية غالبية جنود هؤلاء الفرق من الألمان و السويسريين ليضمن ولائهم و يكونوا بعيدين عن الصراع و الدعايات الثورية ، فى مساء نفس يوم تقدم لافييت بمشروعه لإعلان حقوق الإنسان قام الملك بطرد جميع الوزراء ماعدا أثنين و أعاد تشكيل الحكومة برئاسة البارون بريتوى Breteuil و كان من المعروفين بعدائه للعامة و للطبقة البورجوازية ، و كان من المتوقع أن يحل الملك فى اليوم التالى الجمعية التأسيسية ، إلا إن الأحداث تسارعت بشكل كبير مع اندلاع ثورة العامة على أثر ازدياد الأزمة الاقتصادية و ارتفاع أثمان الطعام و شُحه و كانت خلال الفترة السابقة انتشرت ظاهرة نهب قوافل الطعام و انتشرت المجاعات فى القرى و المدن الصغيرة و أضحت الأوضاع قابلة للانفجار …

______________________________________________________

المصادر

• جان جاك روسو – أصل التفاوت بين الناس – ترجمة عادل زعيتر – مؤسسة هنداوى للتعليم و الثقافة – الطبعة الأولى 2012
• دكتور لويس عوض – الثورة الفرنسية – الهيئة المصرية العامة للكتاب - الطبعة الأولى 1992
• ألبير سوبول – تاريخ الثورة الفرنسية – ترجمة جورج كوسى - دار منشورات عويدات – الطبعة الرابعة 1989
• رونالد سترومبرج - تاريخ الفكر الأوروبى الحديث 1977/1601 – ترجمة أحمـد الشيبانى – دار القارئ العربى – الطبعة الثالثة 1994
• برنارد جروتويزن – فلسفة الثورة الفرنسية – ترجمة عيسى منصور - دار منشورات عويدات الطبعة الأولى 1982
• جوستاف لوبان – روح الثورات و الثورة الفرنسية – ترجمة عادل زعيتر - مؤسسة هنداوى للتعليم و الثقافة - الطبعة الأولى 2012
• فرنان برودل – الحضارة المادية و الاقتصاد و الرأسمالية من القرن الخامس عشر إلى القرن الثامن عشر – المجلد الأول "الحياة اليومية و بنياتها الممكن و المستحيل" – ترجمة مصطفى ماهر – المركز القومى للترجمة سلسلة ميراث الترجمة ، الطبعة الأولى 2013
• محمد فؤاد شكرى - الصراع بين البورجوازية و الإقطاع 1848/1789 المجلد الثانى – مؤسسة هنداوى للتعليم و الثقافة - الطبعة الأولى 2012
• دكتور نور الدين طاحوم – تاريخ الحركات القومية – المجلد الأول "يقظة القوميات الأوروبية" – دار الفكر – الطبعة الثانية 1979
• جيفرى برون – تاريخ أوروبا الحديث – ترجمة على المرزوقى – الأهلية للنشر و التوزيع – الطبعة الأولى 2006
• دكتور عبد العظيم رمضان – تاريخ أوروبا و العالم الحديث "من ظهور البورجوازية الأوروبية إلى الحرب الباردة" – الجزء الأول "من ظهور البورجوازية الأوروبية إلى الثورة الفرنسية – الهيئة المصرية العامة للكتاب – الطبعة الأولى 1997
• محمد قاسم ، حسين حسنى – تاريخ القرن التاسع عشر فى أوروبا منذ عهد الثورة الفرنسية حتى نهاية الحرب العظمى – دار الكتب المصرية – الطبعة السادسة 1929
• جوستاف لوبان – روح السياسة – ترجمة على زعيتر – مؤسسة هنداوى للتعليم و الثقافة – الطبعة الأولى 2012
• جان بيرنجيه ، فليب كونتامين ، إيف دوران ، فرنسيس راب – موسوعة تاريخ أوروبا العام المجلد الثانى "من القرن الرابع عشر و حتى نهاية القرن الثامن عشر" – ترجمة وجيه البعينى – منشورات عويدات – الطبعة الأولى 1995
• فرنان برودل – هوية فرنسا "المجلد الثانى" – الناس و الأشياء – الجزء الأول – ترجمة بشير السباعى – المجلس الأعلى للثقافة – الطبعة الأولى 2000



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World