ترامب: أسوأ الخيارات للبيت الأبيض -بالإيمان يمكنك أن ترى الأفضل في الظلام-

محمد السعدنى
elsaadani5@gmail.com

2020 / 6 / 4

لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية فى حاجة إلى مزيد من المشاكل فوق ماتعانيه جراء جائحة كورونا وموات مائة ألف أو يزيد، ولا ماتكابده من خسائر إقتصادية بسبب الإغلاق العام وفقدان 40 مليون لوظائفهم، وإذا به يحمل كاهلها بما كانت فى غنى عنه. إنه بالفعل الرجل الخطأ فى المكان الخطأ والتوقيت الخطأ، راح يشعل الدنيا ويضرم النيران فى كل شئ. لم تكن حادثة مقتل جورج فلويد فى مينيابوليس هى المرة الأولى التى تواجه فيها أمريكا شكلاً من التصرفات العنصرية لرجال البوليس ضد مواطن من أصل أفريقى، وكان الأمر يمكن معالجته بحكمة وقدر من ضبط النفس وإنفاذ القانون، لكنه ترامب بكل حماقته وإحساسه المفقود بالمسئولية وعنصريته الطاغية، وقف ليصب الزيت فوق نار أضرمها الاحساس المتراكم بالظلم والاضطهاد، وبدلاً من احتواء غضبة السود وتطويق المسألة وقف يهدد المتظاهرين بإطلاق الكلاب والرصاص عليهم ونشر قوات الحرس الوطنى وتأليب حكام الولايات على مواطنيهم الغاضبين، وراح يصف المتظاهرين بالرعاع والسفلة والإرهابيين، فخرج الأمر عن السيطرة، واشتعلت الحرائق والمظاهرات فى معظم المدن والولايات، وهو لا يتوقف عن إثارة الغاضبين واستفزازهم، ما أوصل المظاهرات للتهجم على البيت الأبيض فى إشارة إلى توجيه الاتهام لساكنه بأن سياساته العنصرية وانحيازاته الخاطئة هى المحرك الرئيس للجرائم ضد كل ماهو غير أبيض، أنجلو ساكسون، بروتستانت.
بدأت الاحتجاجات فى مينيابوليس بولاية ميناسوتا، وأمام استفزازات ترامب وتصريحاته غير المسئولة سرعان ما امتدت المظاهرات إلى 25 مدينة أمريكية شارك فيها مئات الآلاف من أمريكا الغاضبة، ليسوا من السود فحسب وإنما انضم إليهم كل أمريكى أرقه ضميره على أساليب التمييز العنصرى أو أخذته مخاوفه على القيم الأمريكية فى الحرية والمساواة والعدل، التى جاءت سياسات ترامب لتدوسها تحت الأقدام، وهو لم يقابل الاحتجاجات إلا بكل تعنت وصلف تسبب فى اندلاع أعمال عنف وتخريب، حيث اعتقل أكثر من أربعة آلاف متظاهر فى الأيام الستة الماضية، وفرض حظر التجول ورفع حالة الطوارئ فى الجيش، لكأنه أمام حرب مع عدو خارجى. وهنا خرجت الأمور عن السيطرة واقتحم المتظاهرون حديقة البيت الأبيض ووصلوا إلى أبوابه، ما حدا بالخدمة السرية المكلفة بحماية الرئيس إلى إقتياده هو وزجته وإبنه مساء الجمعة إلى مخبأ البيت الأبيض حماية له من غضبة المتظاهرين. بقى فى المخبأ فترة متوتراً قبل أن يقرر الخروج، حيث ساءه إنتشار خبر هروبه مذعوراً، وانزعج من التغطية الإخبارية لذلك، وتساءل مرارا وتكرارا عن كيف وصلت هذه التفاصيل لوسائل الإعلام، وقرر الخروج لمخاطبة الجماهير الغاضبة والشعب الأمريكى كله يوم الإثنين الماضى. ذهب ماشياً إلى حديقة الورود بالبيت الأبيض ومن خلفه وزير الدفاع ووزير العدل ومساعديه من البيت الأبيض، وتحدث مهددًا بإرسال الجيش لقمع الاضطرابات قبل المشي عبر ساحة لافاييت لالتقاط صورة فوتوغرافية أمام كنيسة سانت جون الأسقفية بينما يلوح بالكتاب المقدس أمام الكاميرات، بعد أن قام المسؤولون الفيدراليون بتمهيد الطريق أمامه من خلال تفريق حشد من المتظاهرين السلميين خارج البيت الأبيض بالرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع. الملاحظ أنه لم يدخل الكنيسة، وكانت مشاهد هذه الخطوة مثيرة وساخرة بما فيه الكفاية، ولكن الرسالة كانت مشؤومة أكثر. علق عليها أسقف واشنطن قائلاً: "كل ما قاله وفعله ترامب هو تأجيج العنف، لقد فعل كل شيء لتقسيمنا، لم نكن بحاجة لكل ذلك، كنا فقط بحاجة إلى قيادة أخلاقية". وعلق جو بايدن منافسه المرشح الديمقراطى بعدها: "ليته فتح الإنجيل ليقرأ بعضاً من تعليماته، أو قرأ الدستور ليعرف كيف تكون مسئوليات الرئيس".
فى نفس اليوم – الإثنين- كانت المفارقة واضحة، حيث زار المرشح الرئاسي الديمقراطي جو بايدن الكنيسة الأسقفية الميثودية الأفريقية في ويلمنجتون، ديل، واستمع بصبر لمدة ساعة تقريبًا للقادة الأمريكيون من أصل أفريقي. مع اختتام الاجتماع، طلب بايدن لحظة صلاة، ثم أخذ صورة جماعية مع النشطاء، إظهاراً لتضامنه مع عدد لا يحصى من الأمريكيين الذين ملأوا الشوارع للاحتجاج على وفاة جورج فلويد، الرجل الأسود البالغ من العمر 46 عامًا الذى فارق الحياة مثبتًا وجهه على الأرض مكبل اليدين بواسطة ضابط شرطة أبيض ضغط بركبته على عنق فلويد لأكثر من ثماني دقائق في مينيابوليس، ولم يستجب لكلمات الرجل وهو يئن ويصرخ "لا أستطيع التنفس" حتى فارق الحياة. لم يضيع بايدن الفرصة، إذ فى نهاية الإجتماع اقتبس من الفيلسوف الدنماركي سورين كيركيجارد: "بالإيمان يمكنك أن ترى الأفضل في الظلام"، وكان الظلام شديدًا. وأردف "اعتقد أن الكراهية يمكن هزيمتها، لكنه عندما يكون لديك شخص في السلطة ينفث الأكسجين للكراهية هنا تكون المشكلة". وحتى كتابة هذه السطور فلايزال الظلام كثيفاً يكتنف الولايات المتحدة الأمريكية ولاتزال التظاهرات وأعمال العنف مستمرة، ولا يزال ترامب يؤجج الكراهية وسثبت كل لحظة أنه كان ولايزال الخيار الأسوأ للبيت الأبيض والعالم.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World