الفكر الليبرالى والقضاء العادل

طلعت رضوان
talaatradwan@facebook.com

2020 / 6 / 3


مع بداية بزوغ الفكرالليبرالى المصرى، الذى شهد مفكرين أصحاب عقول تحرّرتْ من قضبان عصورالتخلف، أمثال أحمد لطفى السيد..وسلامة موسى..وعميد الثقافة المصرية (طاها حسين) ومحمود عزمى..إلى آخرقائمة الليبراليين المصريين، هذا الفكرعبــّـرعنه كثيرون أمثال الشيخ على عبدالرازق فى كتابه (الإسلام وأصول الحكم) الذى صدرعام1925أى فى العام التالى مباشرة (بعد إلغاء كمال أتاتورك الخلافة الإسلامية) وبالرغم من أنّ القوى المحافظة شنــّـتْ هجومًـا قاسيـًـا على الشيخ عبدالرازق (مؤلف الكتاب) الذى استشهد بسيرة نبى الإسلام..وقال إنّ الإسلام لم يعرف الدولة الدينية..وهذا الكلام أغضب رجال الدين الذين كتبوا وروّجوا لفكرة أنّ الملك فؤاد هو أصلح من يكون (خليفة المسلمين) خاصة بعد أنْ تبارتْ أكثرمن دولة ليكون ملكها هوالخليفة القادم..والملاحظ أنه بالرغم من الهجوم على الشيخ عبدالرازق..وبالرغم من مطالبة البعض بتقديمه للمحاكمة، فإنّ الأزهر(فى تلك الفترة من تاريخ مصر) رفض الاستجابة لمطالبهم، واكتفى بإخراجه ((من زمرة علماء الأزهر))
وبعد معركة كتاب (الإسلام وأصول الحكم) جاء الدورعلى كتاب (فى الشعر الجاهلى) وهذه المعركة الفكرية بدأها سعد زغلول وأغلبية أعضاء حزب الوفد، حيث أنّ النائب الوفدى عبد الحميد البنّان تقدّم ببلاغ إلى النيابة ضد الكتاب..وقـدّم استجوابًا لوزيرالمعارف مطالبًا إخراج طه حسين من الجامعة..وطبقــًـا لما ورد فى كتاب غالى شكرى (النهضة والسقوط فى الفكرالمصرى الحديث) أنّ مضبطة مجلس النواب عام 1926 ورد بها أنّ الأغلبية الساحقة من الوفديين وقفوا إلى جانب الاستجواب..وطالبوا بطرد طه حسين من التعليم الجامعى، باستثناء على الشمسى باشا وزيرالمعارف الوفدى فى ذاك الوقت الذى قال ((إننا نطمع أيها السادة النواب أنْ تكون الجامعة معهدًا طلقــًـا للبحث العلمى الصحيح)) أما سعد زغلول فقال ((إنّ مسألة كهذه لايمكن أنْ تؤثرفى الأمة المتمسكة بدينها..هبوا أنّ رجلا مجنونًا يهذى فى الطريق. فهل يضيرالعقلاء شىء من ذلك؟ إنّ هذا الدين متين..وليس الذى شكّ فيه إمامًا نخشى من شكه على العامة. فليشك من يشاء..وما علينا إنْ لم تفهم البقر)) (المصدرالسابق- ص77)
كتب طه حسين فى مقدمة الطبعة الثانية ((هذا كتاب السنة الماضية، حذفتُ منه فصلا، وأثبتُ مكانه فصلا، وأضفتُ إليه فصول، وغيــّـرتُ عنوانه بعض التغيير، وأنا أرجو أنْ أكون قد وُفقتُ فى هذه الطبعة الثانية، إلى حاجة الذين يريدون أنْ يدرسوا الأدب العربى عامة والجاهلى خاصة، من مناهج البحث وسُـبل التحقيق فى الأدب وتاريخه، وهوعلى كل حال خلاصة ما يــُـلقى على طلاب الجامعة فى السنتيْن الأولى والثانية فى كلية الآداب (طه حسين11مايو1927) المصدركتاب (فى الأدب الجاهلى- دارالمعارف المصرية- عام1964)

طه حسين فى هذا الكتاب، اختلف مع معظم الذين كتبوا عن الشعر الجاهلى، باعتبار أنه قيل قبل الإسلام..وهوما ترسّخ فى العقول عبرالعصورعن ما يُسمى ب الشعر الجاهلى..وذهب فى اعتقاده أنّ ((هذا الشعرمنحول..وأنه كــُـتب بعد الإسلام ((لأغراض دينية واقتصادية وسياسية))
وكان البعض طلب منه أنْ يمزج الأدب بالإسلام، فكتب ((من ذا الذى يستطيع أنْ يــُـكلفنى بدراسة الأدب، لأكون مبشرًا بالإسلام، أوهادمًـا للإلحاد..وأنا لا أريد أنْ أبشر، ولا أريد أنْ أناقش الملحدين)) (المصدرالسابق- ص58)
وكان من بين الأسباب التى أجــّـجتْ الهجوم على طه حسين أنه كتب أنّ العرب ينقسمون إلى (عرب عاربة- أى القحطانيين أهل اليمن) و(عرب مستعربة- أى العدنانيين أهل الحجاز، ولذلك حدث الخلاف بين لغة القحطانيين..ولغة العدنانيين، أى بين لغة العرب العاربة، ولغة العرب المستعربة، لدرجة أنّ أبوعمرو بن العلاء قال ((إنهما لغتان متمايزتان)) واستطاع المحدثون أنْ يــُـثبتوا هذا التمايزبالأدلة التى لاتقبل الشك أو الجدال..والحق أنّ القدماء والمحدثين جميعـًـا مضطربون اضطرابــًـا شديدًا فى تحديد ما ينبغى أنْ يــُـفهم من لفظ العرب..وفى تحديد ما ينبغى أنْ يــُـفهم من لفظ اللغة العربية، وأضاف ((فالواقع أننا لانكاد نعرف صلة متينة بين اللغة العربية التى نفهمها الآن من هذا اللفظ)) وأضاف أنّ هذا الاضطراب ليس من شأنه أنْ يساعد الباحث على التحقيق العلمى..ولايمكننا أنْ نضع أمامنا– فى دقة وجلاءالمسألة التى يجب أنْ نعنى بها، خاصة وأنّ القدماء كانوا يفهمون من لفظ العرب، سكان هذه البلاد العربية، كما جاء فى معجم البلدان– باب جزيرة العرب..ولكنهم لم يتفقوا فى تحديدها، على ما يــُـحدده الجغرافيون الحديثون اليوم، ولم يكونوا يفرّقون بين سكان هذه البلاد فى التسمية، وليس يعنينى أنْ أعرض لهذا الاختلاف والاضطراب، وما ينتج عنهما فى التاريخ العربى، وفى تاريخ الأمم السامية الأخرى، التى أضافها القدماء والمحدثون إلى العرب، وإنما يعنينى أنْ أوضح النتائج الخطيرة التى ينتجها هذا الخلط..وهذا الاضطراب فى تاريخ اللغة العربية وآدابها، خاصة أنّ دراسة اللغات السامية فيها الكثيرمن التشابه فى أصولها، مثل التشابه بين اللغة العربية، واللغة العبرانية، ولغة الكلدانيين، فكلها لغات سامية (المصدرالسابق- من ص81- 83)
ومن بين الانتقادات- أيضــًـا- التى وُجــّـتْ إلى طه حسين، أنه أشارإلى الخلافات بين معاوية بن أبى سفيان ومروان بن الحكم، وأنّ مروان ضرب أخاه خمسين سوطــًـا، فقال عبدالرحمن بن حسان أنّ مروان ضرب الحر مائة سوط..وضرب أخاه (العبد) خمسين، وأذاع هذا على كل من قابله فى المدينة، وهذا الكلام أغضب عبدالرحمن بن الحكم وأحزنه، فأقبل على أخيه وطلب منه أنْ يتم عليه المائة ففعل، ولكن تواصل الهجاء بينهما. ثـمّ أضاف طه حسين: وقد يستطيع الكاتب فى التاريخ السياسى أنْ يضع ((كتابــًـا ضخمــًـا عن هذه العصبية بين قريش والأنصار، وما كان لها من تأثيرفى حياة العرب أيام حكم بنى أمية، وأنّ تلك العصبية لم تكن مقصورة على أهل مكة والمدينة (فقط) ولكنها تجاوزتهم إلى العرب كافة، حيث تعصبتْ العدنانية على اليمنية، وتعصبتْ قبائل (مضر) على بقية عدنان، وتعصبتْ قبائل (ربيعة) على (مضر) وانقسمتْ (مضر) نفسها، وانقسمتْ (ربيعة) فكانت فيها عصبية (تغلب) وعصبية (بكر) وحدث مثل هذا فى اليمن حيث كانت للأزد عصبيتها، ولحميرعصبيتها، ولقضاعة عصبيتها..وهذه العصبية وما نتج عنها من حروب بين القبائل، بخلاف ما كان من حروب بعد الإسلام، مثل (حروب الردة) ونظرًا لأنّ العرب لم يكونوا يكتبون أشعارهم، وإنما يرونوه حفظــًـا، ونظرًا لأنّ الكثيرين منهم قــُـتلوا فى الحروب، ثـمّ اطمأنتْ العرب فى الأمصارأيام حكم بنى أمية، وراجعتْ شعرها، وقد ضاع أكثره، وهى فى حاجة إلى الشعر((تــُـقدمه وقودًا لهذه العصبية المضطرمة، فاستكثرتْ من الشعر، وقالت منه القصائد الطوال وغيرالطوال، ونحلتها شعراءها القدماء، أى نسبتْ هذه الأشعارإلى العصرالجاهلى)) وأضاف فى توكيد على أنه لجأ إلى المصادرالتاريخية فكتب ((وليس هذا شيئـــًـا نفترضه نحن أونستنبطه استنباطــًـا، وإنما هوشيىء كان يعتقده القدماء أنفسهم، وقد حدثنا محمد بن سلام فى كتابه (طبقات الشعراء) فكتب: أنّ قريشــًـا كانت أقل العرب شعرًا فى الجاهلية، فاضطرها ذلك أنْ تكون أكثرالعرب نحلا للشعرفى الإسلام (طبقات الشعراء– ص 10) ولكن ابن سلام لم يقف عند هذا الحد، بل هوينقد ما كان يرويه ابن اسحاق وغيره من أصحاب السيرمن الشعريــُـضيفونه إلى عاد وثمود، ويؤكد أنّ هذا الشعر((منحول مختلق)) والدليل على ذلك النصوص القرآنية التى تــُـثبتْ أنّ الله قد أباد عادًا وثمودًا، ولم يبق منهم باقية طه حسين - المصدرالسابق- من ص129-131))
وكان من بين الإنتقادات أنّ طه حسين كتب عن الذين أرادوا تعظيم العدنانيين عامة وقريش خاصة، فقالوا أنّ نبى الإسلام يجب أنْ يكون صفوة بنى هاشم، وأنْ يكون بنوهاشم صفوة بنى عبد مناف، وأنْ يكون عبد مناف صفوة بنى قصى، وأنْ تكون قصى صفوة قريش، وقريش صفوة مضر، ومضرصفوة عدنان، وعدنان صفوة العرب، والعرب صفوةالإنسانية كلها (هكذا) وأخذ الرواة يجتهدون فى تثبيت هذا النوع من الاصطفاء، وهنا تتضافرالعواطف الدينية مع العواطف السياسية على نحل الشعر (المصدرالسابق– ص135)
كان كلام طه حسين شديد الجرأة (فى تلك المرحلة من تاريخ مصر) وهذا ما أدى إلى الهجوم عليه، والمطالبة بمحاكمته، وبالفعل نجح رجال الدين فى تقديم البلاغات ضده إلى النيابة.
وأعتقد أنّ الدرس الذى يعنينا هنا هوأنّ من يقرأ حيثيات الحكم الذى أصدره رئيس نيابة مصر(محمد بك نور) يُدرك أنه قرأ الكتاب بعمق، واختلف مع مؤلفه فى بعض ما أورده، ومع ذلك كتب محمد بك نورفى تقريره أنه فى ضوء ما تقدم ((يتضح أنّ غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدى على الدين، بل إنّ العبارات الماسة بالدين التى أوردها فى بعض المواضع من كتابه، أوردها على سبيل البحث العلمى، مع اعتقاده أنّ بحثه يقتضيها، وبذلك يكون القصد الجنائى غيرمتوفر، فلذلك تــُحفظ الأوراق إداريًا)) (خيرى شلبى- فى كتابه محاكمة طه حسين- وكذلك مجلة فصول– أكتوبر1990)
000
وفى شهرمايو1950 وقف القضاء المصرى وقفة جليلة وشامخة لإنصاف المفكر الإسلامى الكبير(خالد محمد خالد) بعد أنْ طلبتْ النيابة العامة ضبط كتاب (من هنا نبدأ) تأليف المذكور بناءً على طلب رئيس لجنة الفتوى بالأزهرلأنّ المؤلف ارتكب الجرائم التالية: 1- التعدى على الدين الإسلامى 2- حبــّـذ وروّج علنــًـا مذهبــًـا يسعى إلى تغييرالنظام الأساسى للهيئة الاجتماعية 3- حرّض علنــًـا على بــُـغض طائفة من الناس.
وحيث أنه فيما يتعلق بجريمة التعدى على الدين الإسلامى، فقد اعتمدتْ لجنة الفتوى على ما جاء بكتاب المؤلف، الذى صوّرالحكومة الدينية بخصائص من شأنها أنْ تبعث فى النفوس محاربة هذا النوع من الحكم..ورماها بالغموض المطلق..وأنّ دستورها الذى تخضع له وتقوم به وتلجأ إليه هوالدين..وقال إنّ القرآن والسنة فيهما من الغموض والاحتمالات ما يجعل الآية والحديث سلاحــًـا فى يد المتخاصميْن المتعارضيْن فى الرأى..وأنّ المؤلف يعنى بهذا أنّ ذلك الغموض يجعلهما غيرصالحيْن لأنْ يكونا أساسـًـا صالحـًـا للحكومة..كما أنّ المؤلف يــُـقرّرأنّ مهمة الدين لاتعدوالهداية والارشاد..وأنّ مقام النبى قيادة الجيوش وعقد المعاهدات..كما ذكرالمؤلف أنّ الحدود جميعها موقوفة عن العمل..وليس هناك مجال لإقامتها..وأنّ عمربن الخطاب أوقف حد السرقة فى عام المجاعة..وأنّ الزنا يحمل موانع تنفيذه..وقال إنّ الدين لايصح أنْ يــُـعتمد عليه فى إصلاح المجتمع..وعلــّـل ذلك بأنّ تأثيرالدين فى مكافحة الرذيلة يكون أرسخ وأقوم، لوسلك طريق التسامح. أما حين تتحوّل هذه الوسائل إلى سوط الحكومة الدينية وسيفها، فإنّ الفضيلة تصاب بجزع أليم..وأنّ المؤلف تعرّض لركن من أركان الإسلام هو الزكاة..وخلع عليه ثوبــًـا يــُـقزّزمنه النفوس..واستشهد بحديث للرسول قال فيه عن الصدقة ((إنها أوساخ الناس)) لأنّ الله قال فى كتابه ((خذ من أموالهم صدقة تطهرهم)) (سورة التوبة/103)
وأنّ المؤلف ينادى بالحكومة القومية/ المدنية..وقال إنّ الحكام يستغلون الدين، خاصة لأنّ القرآن ((حمال أوجه)) كما قال الإمام على بن أبى طالب..وأنّ بعض الحكام استغلوا هذا المعنى استغلالامغرضــًـا..وكان بعض أصحاب على..وهم يــُـحرّضون على دم معاوية وقتاله، يستخدون الكثيرمن الآيات والأحاديث..وهى نفس الآيات والأحاديث التى كان يــُـحرّض بها أصحاب معاوية على دم على بن أبى طالب وقتاله..وببعض هذه الآيات قــُـتل الخليفة عثمان..وبها قتــَـل يزيد الطاغية الحسين بن على.
000
أحالتْ النيابة عريضة الدعوى إلى القضاء، فجاء فى حيثيات الحكم: ((....وحيث قد تبيــّـن مما تقـدّم أنّ المؤلف لم يطعن الدين..ولم يجحد كتاب الله وسنة رسوله..ولم يخرج فيما كتب عن حد البحث العلمى والفلسفى..وإذا صحّ أنه أخطأ فى شيىء مما كتب، فإنّ الخطأ المصحوب باعتقاد الصواب شيىء..وتعمد الخطأ المصحوب بنية التعدى شيىء آخر..ولما كان شيىء من ذلك لم يتوافرفى حق المؤلف فلا جريمة ولا عقاب..وحيث أنّ حرية الرأى مكفولة بالقانون..ولما كان الكتاب المضبوط لاينطوى على جريمة ما، فإنه لايكون ثمة محل لضبطه..ويتعيــّن إلغاء الأمرالصادربضبطه والإفراج عنه..ولهذه الأسباب قرّرنا إلغاء الأمرالصادر بضبط كتاب (من هنا تبدأ) لمؤلفه الأستاذ خالد محمد خالد..والإقراج عن الكتاب..صدرالحكم فى27مايو1950- رئيس محكمة القاهرة الابتدائية- حافظ سابق- المصدركتاب (التنظيم القضائى المصرى- تأليف المستشارمحمد فتحى نجيب- هيئة الكتاب المصرية- مكتبة الأسرة- عام2001- من ص301- 317)
يــُـلاحظ أنّ قرارالنيابة بضبط الكتاب كان يوم7مايو..والحكم بالإفراج فى يوم27 مايو، أى أنّ الإفراج لم يستغرق سوى20يومـًـا..كما أنّ حيثيات الحكم وأسباب الإفراج عن الكتاب، جاءتْ مطابقة تمام المطابقة لنفس الحيثيات التى استند إليها محمد بك نور (رئيس نيابة مصر) فى البلاغات المُـقـدّمة ضد طه حسين عن كتابه (فى الشعر الجاهلى) والمغزى أنّ القضاة كانوا يــُـسلــّـمون راية التنويرلبعضهم جيلا بعد جيل، فى تأكيد على نزاهة القضاء المصرى، فى تلك المرحلة من تاريخ مصر- المرحلة السابقة على كابوس يوليو1952.
***



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World