تونس البورقيبية اليوم

هيثم بن محمد شطورو
haithemchtourou@gmail.com

2020 / 5 / 26

تخوض تـونس معـركة الديمقراطية بمختـلف أبعادها وخطوطها. إنها معـركة ضد الواقع العربي الاستبدادي الذي يحاربها بأشكاله المتـناقضة عبر محاوره، والتي تـتـفـق في كون التجـربة التونسية بما أنها عربية تمثل أكبر تهديد لأنـظمتها الحاكمة. المقصود هو تهديد الديمقراطية وحرية التـفكير والتعبير وإرساء مؤسسات حكم لدولة القانون بما هي دولة عدل وحرية وعدالة اجتماعية ضد كل تمايز لصوصي أو أميري أو سلطاني أو عسكري أو فئوي أو طبقي وهو المسار الجوهري المتعرج في خطواته الأرضية للتجربة التونسية الحالية.
إن الحداثة الأوربية تبرز كبعد واضح في هذه التجـربة بما ترسخ في الوعي العام على مدى الدولة البورقيـبـية من اعتبار أوربا هي المثال النموذجي في الرقي الحضاري والإنساني بشكل عام، وسارت تجربة ما يُـسمى الانتـقال الديمقراطي في نهج الأخذ من التجارب الغربية واستـنساخ بعض المؤسسات مثل الهيئة المستـقـلة للانتخابات وهيئة مكافحة الفساد عن التجارب الأوربية المختلفة وخاصة التي عرفت تجربة الانتـقال الديمقراطي مثل اسبانيا والبرتغال وأوربا الشرقية، كما أن الدستور الجديد لسنة 2014مشبع بالقيم العالمية للحضارة الغربية الحديثة في نهاية الأمر مثل التـنصيص على حرية الضمير، بمثل ما هو مشبع بالأدبيات اليسارية الأوربية في نهاية المطاف مثل التـنصيص على أن الحق في الإضراب حق مشروع، وإدراج هذين الحقين دستوريا هما بدورهما ووحدهما فقط يُعتبران تهديدا واضحا للأنظمة اللصوصية الاستبدادية، ناهيك عن بقية الحقوق المنصوص عليها في الدستور مثل المساواة بين المرأة والرجل والتي تهدد واقع الاستبداد المجتمعي الذي يجعله يقبل ويدافع عن الاستبداد السياسي.
برغم العراقيل وتهديد الإرهاب الإسلامي وتدخل أجهزة المخابرات العالمية { لأن الديمقراطية العربية بما هي حرية وعدل وعدالة هي جوهر النهضة العربية التي تمثل تهديدا للامبريالية العالمية} والفوضى السياسية والإعلامية، فإن تونس نجحت إلى حد الآن في ترسيخ عادة الانتخابات الحرة النزيهة، ونجحت في تجاوز الديمقراطية الرأسمالية التي ترفع إلى السلطة بواسطة المال والإعلام من تريد من خلال ظاهرة انتخاب قيس سعيد بنحو سبعين في المئة وهو دون إعلام مساند ودون مال بل دون حزب وجل ما يملكه هو المصداقية وتمثيله للعمق التونسي في الإسلام الصوفي ورجالاته، والإقبال على صناديق الاقـتراع والاعتراف المتبادل بنتائج الانتخابات وتحـقيق التبادل السلمي للسلطة في عدة مشاهد رائعة أبهرت التونسيين بمدى رقي هذه التجربة وحضاريتها، وبذلك حقـقت مطلبا جوهريا عاما هو الرغبة العامة في الرقي والتحضر واعتبار الهوية التونسية هي هوية حضارية راقية، وقد رسخ ذلك الرغبة في الديمقراطية برغم نقد الديمقراطية ذاتها. لكن النقد بل القدح يساهم في حيوية التجربة من حيث أن الأموات فقط لا يتم انتـقادهم. فنقد التجربة يفتح بشكل دائم مجالات تطويرها إلى الأفضل، وكذلك ترسيخ ما هو إيجابي فيها. فالنقد في نهاية الأمر هو الثـنايا التي تؤدي إلى عـقـلنـة التجربة والوصول بها إلى مثالها أو غايتها، ومن التعـسف على التاريخ والمنطق القول بأن الخير فيما تم انجازه، فالخير فيما لم يتم انجازه دوما، وبالتالي فإن التجارب الحية التي بإمكانها أن ترسخ نفسها بحق يجب أن تتجه دوما إلى المستـقبل وبالتالي إلى الإبداع، ولكن بما أن العملية جماعية، فإن الصراعات وما يظهر في كونه فوضى وعمليات النقد والتـفاعلات بين مختلف المكونات السياسية والمدنية، سينـتج عنه الاسترشاد إلى ما هو عقلاني موضوعي يحقق الصورة الكلية الفعلية والحقيقية للجوهري الذي هو المضمون التارخي الفعلي والذي يتبين بعد ذلك في كونه تجليا تاريخيا إنسانيا جديدا. فالعملية برمتها قائمة على مبدأ أصلي وجوهري هو الرغبة في السلمية والرغبة في الاعتراف بالآخر المختلف والرغبة في حب التونسيين بعضهم لبعض برغم اختلافاتهم، ويرزح تحت ذلك إيمان لاهوتي بأن الله في نهاية الأمر له وحده الحق في إسترداد الحياة التي منحها للبشر. من جهة أخرى فإن المصلحة العامة تـقـتـضي الاعتراف المتبادل والتعايش والقبول بالاختلاف لأن حالة الحرب تجعل الجميع بؤساء وخاسرين، كما أن التاريخ البشري يتـقدم نحو التوحد والتواصل بين البشر، وان مظاهر الإقـتـتـال هي علامة التوحش والبدائية والتخلف والجهل وضيق الأفق والجهالة لعقـلية الإقصاء.إنها التعبير البارز عن الشقاء البشري الدائم في عدم التـفكير في إحراز السعادة وإنما في العيش بوهم القوة والاستـقواء وبالتالي العيش في شقاء تلك الرغبة المحمومة الجحيمية التي لا تؤدي إلا إلى البؤس والخسران. وما الحياة غير المتعة والالتـذاذ بها إلى أقصى الحدود؟ ما الحياة دون جمال وما الحياة دون حب وما الحياة دون سعادة؟ والسعادة لا تكون إلا بالعقل الذي يهدي إلى سبل البحث عن التـفاهم بدل القطيعة والبحث عن الصراع في جوهره كصراع أفكار في النهاية وصراع من اجل السعادة في النهاية، والانتصار للسعادة التي لا تكون سعادة إلا في السعادة للجميع وبالجميع، أما وهم السعادة لي فقط وتبا للآخرين فمآلها الخسران والخزي والانحسار. فهذا هو محور الصراع بين السعادة الزائفة الأنانية القائمة على إرادة إيهام الذات بتميزها وأحقيتها في الوجود على حساب الآخرين، وبين السعادة الحقيقية التي لا ترى بلوغها سوى بسعادة الجميع بكل ما تحمله من رقي إنساني وقيم أخلاقية خيرة وتماس مع الله..
مجمل هذه القيم وغيرها تسبح في فلك التجربة الديمقراطية التونسية التي هي تجربة خلق معطى قيمي إنساني جديد وليست مجرد تجربة تركيب نموذج سياسي. فالسياسي هو جزء من شبكية مترابطة من الاجتماعي والثـقافي والاقتصادي، وكلها في نفس الوقت هي حياة الكل وحياة شعب وتكوين هوية شعب وخلق شعب..
التجربة الديمقراطية في تونس تُعرب عن مدى تغلغل المطلب الديمقراطي في عنوانه الأبرز وهو الحرية مما وجه بحث البعض في الأصول التاريخية لتغلغل هذا المطلب، فتبين رسوخه منذ قرطاج، أي ما قبل ثمانمئة سنة قبل الميلاد، فقد كانت ديمقراطية فيها مجلس الشعب، وهذا يقـفـز بنا مباشرة إلى حدث معاصر جليل أيام الاستعمار الفرنسي وهو تـشكل مطلب أساسي في النضال السياسي التحرري ضد الاستعمار الفرنسي وهو المطالبة ببرلمان تـونسي، وقد شهد عام 1938 مظاهرة كان هذا مطلبها وتصدى لها الجيش الفرنسي وقد زينت شوارع تونس دماء عديد الشهداء في يوم 09 أفريل ،1938.
إن التاريخ يعـلمنا أن الشعب التونسي في حقيقـته كان لقرون متحررا من السلطة ومستـقلا عنها وقام بعديد الثورات كذلك، بل إن الاحتلال الاسباني قامت بعض القبائل وأشهرها قبائل بني عيار بالتصدي له وتكبيده خسائر جمة في الأرواح وطرده في الوقت الذي كانت السلطة قد رفضت مقاومته، بل تعاملت معه.
كما أن إسلام الشعب كان الإسلام الصوفي الذي يعتمد على سلطة الشيوخ المحليين والأولياء الصالحين، وكانت المشاكل يتم حلها غالبا بالتصالح نظرا لخضوع الجميع لتلك السلطة المعنوية التي كانت فاقدة لكل مظاهر السلطة من محاكم أو قوات تـنـفـذ قراراتها وإنما القـناعة العامة بتلك السلطة المعنوية وبتمثيلها للإسلام الحق ولهم كشعب كانت هي الحاسمة في الاحتكام لها، دون الرجوع إلى السلطة الرسمية إلا في حالات استـثـنائية. فالسلطة الرسمية لها إسلامها الرسمي المالكي عموما ولها محاكمها الشرعية ولكن دون ممارسة منتـشـرة لتلك السلطة، بما أن الأغلبية الساحقة تـتوجه إلى كبير العائلة والشيوخ والأولياء الصالحين.. وبالتالي فالشعب كان حرا وملتـزما بحرية وطواعية ولم يستسغ الخضوع للسلطة الرسمية. فالسلطة بشكل عام لم تكن تظهر بوضوح إلا في انـتـزاع الجباية بالقوة والوحشية...
السلطة الرسمية في تونس لم تسيطر على المجتمع إلا مع الدولة الحديثة، أي الدولة البورقيـبـية. هذه الدولة التي قامت بإحداث ثورة في المجتمع من حيث التعليم والثـقافة والصحة، ولعل أبرز معالمها هو حرية المرأة التونسية التي كان عنوانها الرئيسي رسميا هو مجلة الأحوال الشخصية، وبرغم أنه قبل الثورة لم يكن يُنظر إلى هذا الانجاز إلا في كونه سلطوي وبالتالي هش، إلا انه بعد الثورة وإثـر سيطرة حركة النهضة أي الإسلام السياسي بشكل عام على الحكم في عام 2011، واستهدافها لحرية المرأة ولهذه المجلة، انتـفض الآلاف في محاربة الهجمة الرجعية المتخلفة للسلطة الظلامية، مما رسخ حرية المرأة ومجلة الأحوال الشخصية كمطلب سياسي واجتماعي وثقافي جوهري وأساسي لدى الأغلبية.
ومن وراء ذلك بدأ التـفكير في الانجازات البورقيـبـية من منظور حرية الشعب وليس من منظور سلطوي، وان كان بورقيـبة دكتاتورا و جسد سيطرة الدولة على المجتمع، إلا أنه من جهة أخرى حقـق إرادة الشعب التي لم تكن الغالبية واعية بها، في الصحة والتعليم وحرية المرأة، وبالتالي تعالى بورقيبة إلى زعيم تاريخي للشعب وممثلا له من جهة، كما أن تاريخه الاستبدادي تم تـناسيه ـ عموما ـ أو إدراجه ضمن اعتبارات المرحلة في منتصف القرن العشرين..
كان الزعيم "حبيب بورقيبة" لا يعترف بالديمقراطية، وكان قد أنـشـأ محكمة سياسية هي محكمة أمن الدولة، وإنه مارس سلطويته في الحزب الدستوري وأقصى منه مخالفيه ولعل أبرزهم السيد أحمد المستيري الذي انشق عن الحزب وشكل أول حزب تـونسي مطلبه الأساسي هو الديمقراطية، كما أن بورقيبة في صراعه مع رفيقه وصديقه القديم والزعيم الثاني في الحزب الدستوري "صالح بن يوسف" استعمل كل الطرق الوحشية والتعسفية ضد أنصاره، كما انه دبر عملية اغتياله ووسم قاتله وعبر بكل وضوح عن ارتياحه لعملية الاغتيال، كما أن بورقيبة سجن آلاف اليساريين في السجون، بمثل ما أنه كان خصما إيديولوجيا للقوميين العرب وحاصرهم، كما انه جسد ودبر ونـفـذ تجسيد السلطة فيما أسماه هيبة الدولة على المجتمع، وأصبح الشرطي له مهابة عظمى في المجتمع، كما أنه نشر ثـقـافة خطيرة هي ثـقافة "القوادة" أو "الصبان" باللهجة التونسية أي التبليغ للحزب الحاكم والشرطة عن ما يحدث وعن المعارضين السياسيين وغير ذلك. كما انه ضيق بشكل كبير على حرية التعبير وحاصرها حتى انه غدا زمن الاستعمار الفرنسي أرحم من هذه الناحية حيث كانت توجد مساحة كبرى من حرية التعبير مقارنة بالعهد البورقيبي. لقد رسخ بورقيبة الدولة الشمولية وفي نفس الوقت رسخ الفكرة العامة في اندماج المجتمع بالدولة، وبذلك خلق حالة جديدة لم يعهدها المجتمع سابقا بحيث كان مستـقلا عن الدولة أو السلطة خاضعا لسلطة العائلة والعشيرة وسلطة الشيوخ والأولياء الصالحين عن طواعية وليس عن كراهية. جسد بورقيبة واقع السلطة الكريهة التي نخضع لها غصبا عن أنفسنا ولكنه في نفس الوقت غرس واقع الدولة في المجتمع وحضورها الطاغي حتى أصبح المجتمع يرى نفسه في الدولة.
والمثير للتـفكير، هو أن بورقيبة عاد بقوة بعد الثورة. عاد أساسا في ملحمة مقارعة حركة النهضة الإسلامية بقيادة "راشد الغنوشي" الذي لم يُخفي حقده على الزعيم بورقيبة، كما انه عمل على أخذ مكانه ولكنه لم يجني سوى الخسران المتوالي والتـقـزم الزعاماتي حتى داخل العائلة الإسلامية ناهيك عن الرفض القوي له من قبل البحر المتلاطم لبقية المشهد السياسي التونسي المتـشرذم حول حركة النهضة. عاد بورقيبة ليس كممثل للديمقراطية ضد الاستبداد الاسلاموي، فبورقيبة لم يكن ديمقراطيا كما أن حركة النهضة فشلت في الاستحـواذ على السلطة و لم تـنجح بين عامي 2011 و 2014 في السيطرة على السلطة أو حتى السيطرة على الشارع الذي خرج ثائرا ضدها في اعتصام الرحيل، وبرغم ميليشياتها المسماة بلجان حماية الثورة وبرغم أجواء الإرهاب واغتيال زعيمين بارزين من زعماء اليسار احدهما يمثل اليسار الماركسي وهو "شكري بالعيد" والثاني يمثل اليسار القومي العروبي "محمد البراهمي"، إلا أنها وجدت نـفسها محاصرة وهي في السلطة من مؤسسات الدولة التي لازالت تخافها وهي الجزء الأكبر من وزارة الداخلية ووزارة الدفاع والحرس الوطني، والإعلام الذي تجند ضدها لفضحها، وعديد الأحزاب السياسية التي تكتلت ضدها فيما سمي بحبهة الإنقاذ، والتحرك الثـقيل والقوي للاتحاد العام التونسي للشغل الذي حرك الكتل الجماهيرية الضخمة في الشارع، ومن ثم اعتصام الرحيل الذي وصل إلى تظاهر نحو 500 ألف متظاهر في العاصمة التونسية خلافا لبقية المدن الكبرى مثل صفاقس وسوسة ضد حركة النهضة الإسلامية، وكانت البلاد حقيقة على مشارف حرب أهلية، ولكن العمق التونسي هو الذي يحول الصراع السياسي إلى عامل للتـقدم السياسي وليس للانهيار والاقـتـتال والانهيار للدولة. برزت مقولة الدولة، والتحم الشعب المتظاهر مع قوات الأمن والجيش، وارتـفعت مقولة الدولة مفهوما مركزيا للشعب الحر باعتبارها المجتمع السلمي الحر ضد أعداء الدولة ودعاة الفوضى، وتم الإتـفاق على الدخول في ماراطون الحوار الوطني بقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل بمساعدة اتحاد الأعراف والهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية لحقوق الإنسان.
كأن بورقيبة قد أصبح عنوانا للحرية في مواجهة الاستبداد. مفارقة عجيبة، حيث أن بورقيبة واقعيا جسد الاستبداد بالحكم، بينما حركة النهضة لم تجسده لأنها عجزت عن ذلك. لم تجسده لأنها ليست هي من قام بالثورة كما أن الإسلام السياسي أطروحاته وتمرده على السلطة لم يكن بشعارات ولا بأفكار الديمقراطية وإنما بشعار الإسلام هو الحل والشريعة الإسلامية..هنا بالضبط نجد أنـفـسنا أمام فكرة مطمورة تكشفت. نجد المضمون التحرري التـنويري البورقيبي برغم استبداداه السلطوي في مواجهة المضمون الاستبدادي الظلامي للإسلام السياسي برغم عدم ممارسته للاستبداد السلطوي إلا من حيث عمله على ذلك، من خلال السيطرة على وزارة العدل ومحاولته في اختراق وزارة الداخلية وضخ الإدارة التونسية بعناصره برغم انعدام كفاءتها بشكل مطلق وغيرها من المظاهر..
يبرز المضمون التحرري البورقيبي أساسا في تـقـنينه مجلة الأحوال الشخصية عام 1957، وتجسيده لحرية المرأة التي يرمز لها بمشهد عرضه التلفزيون مرارا وهو رفعه للحاف الأبيض المُسمى "سفساري" في اللهجة التونسية والذي كان عنوان تحجب المرأة وعنوان تمييزها كعنصر سلبي خاضع للمجتمع الذكوري. حرية المرأة تعني اجتماعيا رفع لمستوى المرأة في الأسرة وتخفيض استبداد الرجل وبالتالي تخفيف الاستبداد الاجتماعي البيني بضرب الاستبداد الذكوري. فالاستبداد في النهاية يقوم على القوة والإخضاع وتحرير المرأة ساهم في تغيير العلاقات الاجتماعية من مقولة القوة والإخضاع إلى مقولة التـفاهم والحوار. كما أن حرية المرأة تعني الحيوية الاجتماعية والجمالية الوجودية العامة وتـقـوية نزعة حب الحياة والنضال لأجل الحياة.
تم تدعيم ذلك بإجبارية التعليم العمومي المجاني، حتى إن بورقيبة فرض بقوة الدولة وعن طريق قوات الحرس تعليم الإناث عند الفلاحين الذين كانوا يرون في ذلك محرما. بنى المدارس العمومية وبنى معها مراكز التعليم الداخلية التي تـتـكـفل فيها الدولة بإسكان التلاميذ الآتين من المناطق الزراعية البعيدة عن المدن والتكـفل بإطعامهم. ترافق ذلك بسياسة ثـقـافية لا تجد مثيلا لها في أي دولة عربية وهو نشر دور الثـقافـة ودور الشباب التـثـقيفية في كامل أرجاء الجمهورية التونسية مما دعم رفع مستوى التـثـقـيف والاندماج الاجتماعي الايجابي القائم على النشاطات الثـقافية المختلفة وأهمها كان المسرح ونوادي السينما التي يعقب فيها التـفرج على فيلم معين النقاش حول الفيلم وتبين أفكاره ومختلف أبعاده. كما قامت وزارة الثـقافة بنشر المكتبات العمومية بل بإحداث مكتبات عمومية متجولة تـذهب إلى مختلف المناطق لتسجيل الأطفال والشباب ومدهم بالكتب للمطالعة باللغتين الفرنسية والعربية ومن ثمة استبدالها بغيرها، كما أن التركيز على تعليم اللغة الفرنسية فتح مجالات رحبة للانـفـتاح على الثـقافة الفرنسية.. أضف إلى ذلك، فقد عملت الدولة البورقيبية على إنشاء مختلف المؤسسات والادرات والمنشآت الصناعية المختلفة والتوظيف في مجال التعليم بمختلف مستوياته مما خلق طبقة وسطى واسعة تخلقت بأخلاق الدولة كما أنها بشكل عام كانت منـفـتحة على الثـقافة الفرنسية، والأهم من ذلك أن الدولة أدمجت أعدادا هائلة من التونسيين من خلال الوظائف المختلفة في الدولة ومفاهيمها، كما رسخت تلك العملية بشكل عام التعلق بالدولة التونسية ومفهوم المواطنة الحديث باعتباره مصلحة حياتية مباشرة وباعتباره صمام الأمان في الحياة.. وغيرها من الأعمال الجليلة حقيقة والتي من خلالها نجد أن الزعيم بورقيبة جسد مقولة الدولة ليس كراعية للمجتمع بل هي المجتمع، وهذا كله يتمثل في بورقيبة والبورقيبية والأنا الفرعوني والرسولي في نفس الوقت، حتى أن بطاقة التعريف أو الهوية الوطنية الرسمية تبدأ بالزعيم بورقيبة كرقم واحد وكعدد الواحد المكرر إلى ما لا نهاية في جميع الأعداد اللاحقة من التونسيين. أي بورقيبة هو تونس وتونس هي بورقيبة..
ومن هنا نرى أن التـضيـيق الشديد على المختلف إيديولوجيا وسياسيا كان احتـقارا للبرامج التي يراها مضيعة للوقت وللشعب ويرى فيها البطلان والغباء والابتعاد عن المطلوب الحقيقي. كما أن التـضيـيق كان لأجل تطبيق برنامجه الذي كان يلزمه الوقت الكافي والتركيز الكافي.إذن، فهو لم يكن استبدادا بما تعنيه هذه الكلمة من اغتصاب لحق الشعب في الثروة لأنه لم يكن يمتلك شيئا، بل انه كان على وعي تام بأن مهمته هي بناء دولة لمجتمع لا يعرف بحق الدولة ولا يتمثل بحق الدولة وإنما جل ما عرفه هو سلطة مسلطة على رقبته. الدولة بمعنى الاندماج الاجتماعي في العمل الوطني الواحد لأجل التـقدم والنهضة والثورة على ماضي التخلف والبؤس والجهل والقصور والعجز هذا ما كان يمثل هدفه وما كان ليثق في أي كان ليحقـقه بمثل تصوره لها..
فحتى وان غابت الحريات السياسية غير أن بورقيبة كان يعيد المسجونين السياسيين إلى سابق وظائـفهم حين مغادرتهم للسجن، كما أنه كان يفتح باب العفو إن طلب السجين السياسي ذلك، أي إن تعامله ليس انتـقاميا أو تـشفيا مع المعارضين السياسيـين وإنما كان هو موقف الأب الذي يؤدب أبنائه، حتى أنه قال ذات مرة عن الماركسيين اللذين كانوا يمثلون أغلبية الطيف السياسي الطلابي المعارض في السبعينات، أنهم أبنائه ولكنهم مشاغبون. ويُذكر أنه لما بلغه تعرض زعيم حزب العمال التونسي "حمه الهمامي" للتعذيب في وزارة الداخلية وان صحته تـدهورت أمر بعلاجه في فرنسا على حساب الدولة..
مجتمع يعيش حالة ثـقافية حديثة بشكل عام. يهتم لمظهره ونظافته. منـفـتح على الحضارة الأوربية. مجتمع الكتاب والسينما والمسرح. مجتمع الصحة العمومية. مجتمع التضامن. هذه هي الدولة البورقيبية بشكل عام. فأي مستبد يعمل على تـثـقيف شعبه؟ ألا يترافق الاستبداد مع التجهيل والأمراض والبؤس وعقلية الخضوع؟ كل ما أنجزه بورقيبة هو لأجل أن يرفع التونسي عن كل ذلك. فهل هذا استبداد؟
إنها تكريس الدولة الشعب والشعب الدولة ولو بالقوة. إنها عملية دمج، لأنه لا توجد دولة قوية بدون مجتمع ينصهر فيها، ولا يوجد مجتمع حر وفاعل خارج الدولة. إذن، فقد قام بورقيبة في حقيقة الأمر بإرساء الأسس المتينة للدولة الديمقراطية التي بدأناها اليوم بخطى متعثرة منذ 2011.
الدولة التي ضاعت في عهد بن علي الجاهل البوليسي الذي انتهى إلى تحويل الدولة إلى حكم العصابة الحاكمة، حتى انه شخصيا استولى على بعض منشآت خاصة مثل معمل الكسكسي في صفاقس. قامت الثورة ضد النظام البوليسي وقامت الثورة لان التونسي لا يرضى الخضوع، وإنما كان بورقيبة تونس الجديدة. بعد 2011 ضعفت الدولة وحكمت الفوضى بحركة النهضة الإسلامية، وتقوت العصابات واستشرى الفساد. وعبر آلية الاقتراع صعدت أحزاب وطنية إلى البرلمان بمثل ما صعد أعداء الدولة. الدولة بما هي فعليا دولة الجميع أي دولة الحق والعدل والعدالة والحرية. إلا أن الذي شكل مفاجئة صادمة للجميع هو صعود الرئيس قيس سعيد. صعد بأغلبية ساحقة. صعد بدون مال وبدون دعاية وبدون حملة انتخابية بل فقط حملة تفسيرية بمثل ما سماها. صعد دون وعود عينية بالتشغيل أو غير ذلك من الأكاذيب. صعد بمصداقيته وتبين قوة شخصيته واسلاميته الصوفية العميقة بما أعطى انطباعا قويا بأنه الرجل العادل الذي سيحقق دولة العـدل ضد الفساد و الفاسدين والعابثين بالشعب..
وبطبيعة الأمر، فإن الدولة التي أسسها بورقيبة بالقوة، الدولة بمفاهيمها التي بينا خطوطها العريضة، تجد نفس خصمها بالأمس يقف خصما لقيس سعيد. مرة أخرى، يقف راشد الغنوشي ضد الدولة التونسية المجسدة اليوم في قيس سعيد. قيس سعيد عنوانها الجديد بما هي دولة العقل، بما هي دولة الحق والعدل والعدالة والحرية، ولكنها ليست الدولة البورقيبية السلطوية ولكنها دولة القانون بما هي دولة الشعب الحر التي هي الدولة البورقيبية في مضمونها. فلا حرية خارج الدولة، ولا دولة بدون عدل. فالعدل أساس العمران بمثل ما قال العلامة ابن خلدون. ابن خلدون الذي أمر بورقيبة بنحت تمثال له وضع في ساحة من ساحات تونس العاصمة.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World