9 أيّار عيد النصر على النازية

خليل اندراوس
aljabha.org@gmail.com

2020 / 5 / 9


تحيي روسيا وكل أحرار العالم يوم 9 أيار من كل عام ذكرى النصر على النازية. ويقام عرض عسكري في الساحة الحمراء في موسكو. وهذا اليوم عيد وطني تحتفل فيه روسيا وعدد من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق والقوى التقدمية واليسارية والأحزاب الشيوعية وحركات الصداقة مع روسيا في جميع أنحاء العالم باستسلام المانيا النازية في الحرب العالمية الثانية.

وهذه السنة أعلنت وكالة "روس كوسمس" الفضائية الروسية أن البلاد أي روسيا بدأت بالتحضيرات لإطلاق صاروخ فضائي وزينته برموز النصر على النازية.



وكتب رئيس "روس كوسموس" ديمتري روغوزين: "ان صاروخ SOYUZ-2.1a الروسي المزين برموز النصر على النازية في الحرب العالمية الثانية والذي سينطلق الى الفضاء قريبًا حاملا على متنه مركبة من نوع بروغريس إم إس – 14 قد تم تثبيته على منصة الإطلاق في قاعدة بايكونور الفضائية".

ويظهر فيديو نشرته الوكالة أن الاستعدادات لإطلاق الصاروخ دخلت مرحلتها الأخيرة.

وهنا نذكر بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وجه بتأجيل الاستعراضات العسكرية وباقي الفعاليات بمناسبة عيد النصر على النازية والتي كان من المخطط اجراؤها يوم 9 أيار الى موعد آخر بسبب جائحة فيروس كورونا.

وقال بوتين في كلمة مسجلة ألقاها يوم الخميس بتاريخ 30-4-2020 "إن المخاطر الناجمة عن الوباء الذي لم تتجاوز بعد ذروتها، وهي مرتفعة للغاية، وهذا الأمر لا يعطيني الحق في إطلاق الاستعدادات للاستعراض العسكري وباقي الفعاليات الجماعية العامة". وأضاف بوتين: " لهذا السبب أوجه لوزير الدفاع ورؤساء الهيئات العسكرية وأجهزة السلطة على كافة المستويات بتغيير جدول العمل وتأجيل الاستعدادات للاستعراض العسكري في الساحة الحمراء وكل الاستعراضات في الأقاليم".



وشدد الرئيس الروسي بوتين مع ذلك، على أن الاستعراض العسكري في الساحة الحمراء ومسيرات "الفوج الخالد" ستجري عام 2020 بعد تراجع تهديد فيروس كورونا.

وهنا نذكر بأن ألمانيا النازية أعلنت ووقعت استسلامها في مساء 8 أيار عام 1945 (9 أيار بتوقيت موسكو). وقد سبق هذا الاستسلام استسلاما أخرًا وقعته القيادة الألمانية مع الحلفاء. أعلنت حكومة الاتحاد السوفيتي عن استسلام ألمانيا في 9 أيار، بعد أن تم الاحتفال بهذا الاستسلام في برلين. وأصبح يوم 9 أيار من كل عام يومًا يحتفل به الاتحاد السوفيتي، ومن بعده، روسيا بالانتصار على ألمانيا النازية.

وهنا لا بد من عرض لمحة تاريخية عن الحرب الوطنية العظمى التي خاضها الاتحاد السوفيتي ضد العدوان النازي الامبريالي الألماني.



بعد انتصار ثورة اكتوبر الاشتراكية عام 1917 استطاعت الدولة السوفياتية أن تنجح بوتائر وخطط خمسية ناجحة مهام التصنيع الاشتراكي للاتحاد السوفيتي وتطوير الزراعة وإشاعة التعاونيات.

ومنذ الأيام الأولى لانتصار ثورة أكتوبر مارس الحزب الشيوعي عملا هائلا في تذليل التخلف الثقافي للبلاد ووضع نظام جديد مبدئيًا للتعليم العام قادر على أن يضمن في أقصر الأجال التعلم الشامل للسكان والنهوض السريع بالعلم والثقافة وتربية الجيل الناشئ بروح الاشتراكية. علمًا بان الحزب الشيوعي السوفياتي إنطلق من التوجيهات اللينينية بشأن خلق الثقافة الاشتراكية على أساس استيعاب التراث الروحي وجميع قيم الثقافة العالمية المكدسة طوال القرون ومعالجتها بأسلوب موضوعي انتقادي جدلي والدعاية لأفكار الشيوعية العلمية وتذليل ورفض الايديولوجيات بكل أشكالها التي تخدم طبقة رأس المال. وكان من أهم منجزات الثورة الثقافية في تلك الفترة وأقصد عشرينات وثلاثينات القرن الماضي تكوين الوعي الاشتراكي للطبقة العاملة بملايينها العديدة.

وفي تلك الفترة من عشرينات وثلاثينات القرن الماضي سعى الاتحاد السوفيتي بثبات الى بلوغ تسوية سلمية مع الدول الرأسمالية عن طريق عقد معاهدات التجارة وعدم الاعتداء، وطرح مرارًا وذاد عن اقتراحات بشأن تقليص التسلح ونزع السلاح وهذا ما استمر الاتحاد السوفيتي بطرحه بعد الحرب العالمية الثانية، وروسيا الآن، والذي قوبل من النازية بالرفض وقوبل من قبل مكملي طريق هتلر الامبريالية العالمية وطبقة رأس المال العالمي، وشركات صناعة السلاح العابرة للقارات الآن، بيد أن نهج الدول الامبريالية في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، وهذا ما يجري الآن، الرامي الى التغاضي عن حروب العدوان والاحتلال والحروب السياسية والاقتصادية أدى الى اندلاع الحرب العالمية الثانية.

وقامت القوى الامبريالية النازية الفاشية بمحاولة القضاء على الاتحاد السوفيتي بقوة السلاح والعدوان والخيانة والتآمر، وكانت تلك أقصى حرب بين جميع الحروب التي عانت منها بلاد السوفييت وأكثرها إراقة للدماء.



فلقد كانت الحرب الوطنية العظمى التي خاضها الاتحاد السوفييتي الدولة والشعب أكبر الاشتباكات العسكرية على مدار التاريخ، والتي اتسمت بغدر العدو النازي وقساوته وهمجيته ولا انسانيته تجاه الشعب السوفيتي. وهنا أذكر ما أورده الكاتب الصحفي البولندي أندرو ناغورسكي في كتابه المعركة الكبرى الصادر عام 2007 أن الزعيم الألماني أدولف هتلر قد أفصح عن نيته في توجيه ضربة حاسمة للاتحاد السوفيتي خلال حواره مع مبعوث عصبة الأمم في ذلك الوقت السيد كارل ياكوب بوركهارت في 11 آب عام 1939، بقوله: "كافة التدابير موجهة أساسا ضد الروس، وإن كان الغرب بهذا الحمق ليعجز عن إدراك ذلك، فسأضطر لمهادنة الروس حتى أقضي تمامًا على الغرب، وبعدها أوجه كل القوات ضد الاتحاد السوفيتي بدءا بأوكرانيا لتأمين الغذاء لأفراد الجيش، فلا يتضورون جوعًا كما حدث في الحرب الأخيرة". وفي كتابه "كفاحي" أشار أدولف هتلر على ضرورة اتباع سياسة الليبنسراوم والتي تنص على ايجاد أراضي جديدة للاستيطان الألماني في شرق أوروبا وروسيا بالتحديد (وهذا ما تفعله الامبريالية والصهيونية العالمية في عصرنا الحالي من ممارسات احتلال واستيطان وتطهير ضد الشعب الفلسطيني)، مؤكدا على ضرورة سيادة الجنس الألماني على سائر الأجناس المستوطنة لتلك المناطق وتهجير سكانها الأصليين الى سيبيريا مع الإبقاء على المناسبين منهم كعمال صُخرة. في حين كانت الحرب الألمانية ضد الاتحاد السوفييتي بالنسبة للنازيين أمثال هاينريش هيملر بمثابة الصراع الايديولوجي بين النازية والشيوعية من ضمان السيادة للأوبرمينشوة الجرماني أو الانسان الخارق، وبخاصة الأري على السلافي، أو الأجناس الدنيا بحسب وصف هتلر النازي نفسه ومن جانبه أعطى هتلر وصفًا همجيًا بربريًا لا انسانيًا للحرب على الاتحاد السوفييتي، واصفًا إياها بحرب الإبادة من الناحية العرقية والايديولوجية.



دفتر يوميات القيادة العليا

إن الطغمة النازية الفاشية إذ لما يخامرها الشك في إحراز النجاحات الحربية بسرعة في روسيا، رسمت السبل اللاحقة للاستحواذ على السيطرة العالمية. ويوجد تسجيل في دفتر يوميات القيادة العليا للقوات المسلحة الألمانية مؤرخ في 17 شباط سنة 1941 هذا نصه: " بعد الانتهاء من الحملة الشرقية (الحرب على الاتحاد السوفييتي د.خ) ينبغي إعداد خطة للاستيلاء على أفغانستان ثم تنظيم هجوم على الهند". وفي وثائق أخرى وردت بالتفصيل خطط محددة للاستيلاء في خريف سنة 1941 على كل من ايران والعراق ومصر وقناة السويس.

وهنا أيضًا لا بد أن نذكر دور المانيا النازية وايطاليا الفاشية في دعم الانقلاب العسكري اليميني والذي أدى الى الحرب الأهلية في اسبانيا عام 1936 بعد أن أتت الانتخابات الديمقراطية العامة في اسبانيا بالعديد من القادة الشيوعيين للوصول الى رئاسة الجمهورية الاسبانية. وهذا الانقلاب العسكري أوصل اليميني الفاشي فرانسيسكو فرانكو الى السلطة. وأدى ذلك الى نشوب حرب أهلية في اسبانيا.



وألمانيا النازية التي اتخذت موقفًا معاديًا ضد النظام الشيوعي في الاتحاد السوفييتي قامت بتدعيم هذا الموقف من خلال تدشين حلف مناهضة الكومنترن في 25 نوفمبر من عام 1936 مع كلا من اليابان ومن ثم ايطاليا التي إنضمت للحلف في العام التالي، وهو الحلف الذي تبنى منهجًا سياسيًا عدائيًا مضادًا للاتحاد السوفييتي الشيوعي.

وكما ذكرت سابقًا حاول الاتحاد السوفييتي إقامة نظام أمني شامل في أوروبا، وهو ما دعى اليه وزير الخارجية السوفييتي ماكسيم ليتفينوف، ولكن الامبريالية البريطانية والفرنسية رفضت الموافقة على إقامة هذا النظام الأمني الذي كان من الممكن أن يمنع استفراد المانيا النازية بغرب أوروبا وخاصة فرنسا والقيام باحتلال غرب أوروبا بالكامل، وبعد ذلك استطاعت المانيا النازية أن توجه كل قوتها العسكرية نحو الجبهة الشرقية نحو الاتحاد السوفييتي. وهكذا قامت المانيا بهجومها الغادر ضد الاتحاد السوفييتي وقد استطاعت المانيا النازية في بداية الحرب ضد الاتحاد السوفييتي من تحقيق انتصارات في جبهات مختلفة مما جعل هتلر يصرح بعد احتلال كييف عاصمة أوكرانيا يقول: " ما علينا الآن سوى دك الأبواب وسينهار البناء المتعفن عن أخره" (المقصود الاتحاد السوفييتي د. خ) وهنا نذكر بأنه عندما اندلعت الحرب العدوانية الهمجية البربرية النازية والتي كان يدعمها كل من حلفاءها إضافة الى فنلندا من جهة في مواجهة الاتحاد السوفييتي منفردًا في الجهة الأخرى حيث بدأت الاشتباكات المسلحة بتاريخ 22 يونيو عام 1941 بشن القوات الالمانية لعملية بارباروسا الهجومية واسعة النطاق والتي بدأت بإجتياز القوات النازية للحدود المنصوص عليها في اتفاقية عدم الاعتداء الالمانية السوفييتية إيذانًا ببدء العمليات العسكرية في الشرق.

إن الهجوم الغادر من قبل المانيا النازية الفاشية قد هيج الشعب السوفييتي بأسره. ولم يخفه أن يحط من معنوياته غدر العدو النازي وقساوته وهمجيته ولا انسانيته تجاه السكان المسالمين. فالانسان السوفييتي حامل الايديولوجية الشيوعية الثورية والمخلص لوطنه كان على أتم الاستعداد للرد على ضربة الغزاة النازيين بضربة شهم. وانتماءً لواجبه الوطني الثوري الأممي قام الانسان السوفييتي والذي ينتمي الى العديد من القوميات المختلفة وبدون انتظار الدعوة الى الخدمة العسكرية، طلبوا طواعية ارسالهم بأسرع ما يمكن الى الجبهة لكي يصبحوا مقاتلين في صفوف الجيش الأحمر. وكان من أشكال المساهمة النشيطة للناس السوفييت في الصراع المسلح مع العدو النازي البربري الغادر إقامة جيش المتطوعين الشعبيين فقد التحق بصفوفه، ناس غير خاضعين أنذاك للخدمة في الجيش السوفييتي لكنهم كانوا يرغبون في مقاتلة العدو النازي. والى جانب العمال والكولخوزيين انضم الى صفوف المتطوعين عدد كبير من ممثلي مختلف أوساط المثقفين والطلاب. وفي سنة 1941 وفر التطوع الشعبي للجبهة السوفييتية 24 فرقة تعدادها العام مليونا شخص.

إن الهجوم المفاجئ الغادر النازي للغزاة الهتلريين ورط الاتحاد السوفييتي في وضع صعب للغاية. فالقوات النازية الفاشية التي كانت تفوق في الأرواح 3-5 مرات وفي المدافع والهاونات أكثر من 3 مرات بالاضافة الى التفوق التام والمطلق في الدبابات والطائرات في اتجاهات ضرباتها الرئيسية تقدمت في الأراضي السوفييتية بالرغم من المقاومة البطولية من جانب الجيش الأحم{.



ولقد تحتم على الناس السوفييت أن يذوقوا مرارة الفشل وعبء الهزائم في أول وأصعب أشهر الحرب.

إن الصراع غير المتكافئ مع العدو الغادر النازي لم يكسر ويثن الروح المعنوية العالية للجيش الأحمر، فالعدو النازي سيطر على زمام الأمور في الجو وكان كل طيار سوفييتي يعرف أن أكثر من طائرة معادية ستقاتل ضده في الجو. وفي كثير من الأحيان عمد الطيارون السوفييت بعد نفاذ ذخيرتهم الى مصادمة طائراتهم بطائرات العدو.

وستبقى ذكرى خالدة للمجد الحزبي والشجاعة والصمود نضال الحامية الصغيرة في قلعة بريست، التي قادها الميجر غافريلوف والكابتن زوباتشوف والقوميسار فومبين. لقد ظل حماة بريست شهرًا كاملا يقاتلون موقفين عند أسوار القلعة فرقة نازية معادية. ولم تتوقف مقاومتهم إلا بعد أن خر صريعًا أخر مقاتل منهم.

إن الجيش الألماني النازي بملايينه العديدة لم يلاق قبل ذلك قوة قادرة على الوقوف بوجهه. فتحت وطأة ضرباته سقطت الدول الأوروبية الواحدة تلو الأخرى. وبدا أن شيئًا ما لا يمكن أن يوقف الماكنة العسكرية الفاشية. لكن الشعب السوفييتي والجيش الأحمر قاما بذلك.

إن اللجنة المركزية للحزب كانت تفهم مدى صعوبة وخطورة الوضع المترتب، ولكنها بعد أن قدرت جميع الامكانيات قالت للشعب السوفييتي بثقة أنها لا تعتبر الحالة دون مخرج وفي 16 آب عام 1941 صادقت اللجنة المركزية للحزب والحكومة السوفييتية على الخطة الحربية الاقتصادية للربع الأخير من سنة 1941 ولسنة 1942.

وكانت هذه الخطة تنص على برنامج واسع لتطوير جميع فروع الانتاج الحربي في شرق البلاد ونقل مجموعة كبيرة من المؤسسات الصناعية الى هناك الى شرق البلاد، كما واجلاء المواشي والمكائن واحتياطات الحبوب الى أعماق البلاد السوفييتية.

إن تلك الخطة كانت تدل على شجاعة فذة وثقة لا تتزعزع بالنصر الأكيد على العدو النازي وإيمانًا لا حدود له بقوة وصمود وبسالة الشعب السوفييتي والجيش الأحمر.

إن نقل المؤسسات الصناعية من القسم الغربي للاتحاد السوفييتي الى أورال وسيبيريا، حيث وضعت موضع التنفيذ منذ ما قبل الحرب مئات المؤسسات الصناعية الضخمة، تم طبقا لخطة مرسومة بدقة.

لا أريد أن أدخل في تفاصيل أكثر حول صمود وانتصار الجيش الأحمر وصمود الشعب السوفييتي، ولكن من المهم أن نؤكد بان هزيمة القوات الألمانية النازية الفاشية عند مشارف موسكو أحبطت نهائيًا خطة "الحرب الخاطفة" النازية. أما انتصار القوات السوفييتية – الجيش الأحمر في ضواحي موسكو، فقد عزز الروح المعنوية لجنود الجيش الأحمر والشعب السوفييتي وزرع ثقة أكيدة بحتمية النصر النهائي على العدو.



وهنا لا بد أن نذكر بان انعدام وجود الجبهة الثانية في أوروبا والتي كان من المفروض أن تقوم بها بريطانيا والولايات المتحدة أصبح بإمكان القيادة الألمانية النازية أن تنقل حتى صيف عام 1942 قوات كبيرة من أوروبا الغربية الى الجبهة السوفييتية الألمانية. والى ذلك الوقت حُشدت ضد القوات السوفييتية، 237 فرقة نازية معادية، فيما عدا الوحدات الجوية، في حين عملت ضد القوات الانجليزية في افريقيا الشمالية 4 فرق المانية و11 فرقة ايطالية. وواضح أن عمليات الحلفاء بريطانيا والولايات المتحدة في أفريقيا كانت ذات أهمية محلية ولم تدخل أية تغييرات جدية على ميزان القوى للجوانب المتحاربة. وعلى الجبهة السوفييتية، بعد تكبدت القوات النازية خسائر فادحة استطاعت هذه القوات ان تصل في أواسط أيلول الى مدينة ستالينغراد مباشرة. ودارت المعارك في شوارع المدينة. وظل أهالي ستالينغراد 140 يومًا يصدون هجمات الهتلريين النازيين في داخل المدينة. وبالرغم من الخسائر الفادحة، فإن العدو لم يستطع التقدم سوى 3-5 كيلومترات وفي أواسط شهر تشرين الثاني عثر عند أحد الضباط الألمان القتلى على رسالة جاء فيها: " لكي نصل الى الفولغا علينا أن نقطع كيلومترا واحدًا أخر فقط، ولكننا لا نتمكن من قطعه. وها قد خضنا صراعًا من أجل هذا الكيلومتر أطول من الحرب التي خضناها للاستيلاء على فرنسا بأسرها".





نصرٌ في أصعب الظروف

إن النصر الذي أحرز على ضفاف نهر الفولغا في معركة ستالينغراد وضع بداية العمليات الهجومية الضخمة التي قام بها الجيش الأحمر.

وقد قامت إتجلترا والولايات المتحدة بتأجيل موعد فتح الجبهة الثانية في غرب أوروبا، وعندما علم الاتحاد السوفييتي في بداية حزيران سنة 1943 بأن الجبهة الثانية سوف لن تفتح في سنة 1943، وجوابًا على ذلك كتب ستالين في رسالته الموجهة الى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية المؤرخة في 11 حزيران سنة 1943 أن تأجيل فتح الجبهة الثانية يخلق صعوبات جمة بالنسبة للاتحاد السوفييتي الذي يقاتل "لوحده تقريبا مع عدو لا يزال قويًا جدًا وخطرًا" أما الرسالة الموجهة في 24 حزيران سنة 1943 الى رئيس الوزراء الانجليزي فكانت تنتهي بالكلمات الآتية: " ينبغي أن أعلن لكم بأن القضية تتعلق هنا ليس فقط بخيبة أمل الحكومة السوفييتية، بل ببقاء ثقتها بالحلفاء، تلك التي تتعرض لامتحانات عسيرة. ولا ينبغي نسيان كون المسألة تخص الحفاظ على حياة ملايين الناس في المناطق المحتلة من أوروبا الغربية وروسيا وتخص تقليص العدد الهائل الذي تقدمه الجيوش السوفييتية من الضحايا والذي لا تشكل ضحايا القوات الأنجلوامريكية بالمقارنة معه إلا نسبة ضئيلة". وهكذا في نهاية عام 1943 استطاع الجيش السوفييتي بدون الجبهة الثانية، التي كان موعود بها أن تفتحها انجلترا والولايات المتحدة، أن يحرر حوالي ثلثي أراضيه ويرغم الهتلريين على الانتقال الى الدفاع الاستراتيجي على طول الجبهة الشرقية الجبهة السوفييتية الألمانية النازية. وفقط في 6 حزيران عام 1944 نزلت القوات الانجلو-امريكية بقيادة الجنرال أيزنهاور الى أراضي فرنسا في نورماندي. وفي عام 1945 بعد تقدم الجيش الأحمر على طول الجبهة الشرقية وتحرير بولونيا وهنغاريا ودخول عاصمة النمسا فيينا، حيث أصبح الجيش الأحمر عند مشارف برلين. أكد الحلفاء على الدور الحاسم الذي اضطلعت به القوات المسلحة السوفييتية في النضال ضد العدو المشترك النازي. فجاء في التحية التي وجهها تشرتشل في 23 شباط سنة 1945: " إن الجيش الأحمر يحتفل اليوم بذكرى تأسيسه السابعة والعشرين وقد حققت نصرًا أثار إعجابًا لا حدود له لدى الحلفاء وقرر مصير العسكرية الألمانية. وستعترف الأجيال المقبلة بواجبها أمام الجيش الأحمر بلا قيد أو شرط مثلما نفعل اليوم نحن الذين عشنا لنكون شهودًا على هذه الانتصارات الرائعة".

وبالنظر لاقتراب الحرب من نهايتها إلتقى قادة الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة وانجلترا في مؤتمر القرم (في مدينة يالطا – وقبل فترة وجيزة زار كاتب هذه السطور مدينة يالطا وزار القصر الذي عقد فيه المؤتمر) وهكذا في الثاني من أيار عام 1945 استسلمت حامية برلين بعد مقاومة عنيفة. ورفعت راية النصر فوق الرايخستاغ، وفي 8 أيار سنة 1945 وقع ممثلو القيادة الألمانية في إحدى ضواحي برلين على وثيقة الاستسلام دون قيد أو شرط وهكذا إنتهت الحرب العالمية الثانية بانتصار الجيش الأحمر وانتصار شعوب الاتحاد السوفييتي وكانت الهزيمة الشنعاء والمذلة للنازية الهتلرية.

لقد عادت الحرب على الشعب السوفييتي بضحايا وتدميرات لا تُعد ولا تحصى. فقد استشهد أكثر من 26 مليون مواطن سوفييتي ودمرت وأحرقت 1710 مدن وبلدات وأكثر من 70 ألف قرية، وكان حوالي 25 مليون انسان بلا مأوى. وقدرت الخسائر السوفييتية نتيجة الهجوم النازي بحوالي 679 مليار روبل. وكذلك كان عدد الضحايا المدنيين الذين سقطوا في مدينة واحدة، في لينغراد، نتيجة بلغ 1,2 مليون مواطن.

وفي المناطق المحررة بدأ بعث الاقتصاد الوطني في أصعب الظروف حيث كانت العمليات الحربية مستمرة في الجبهات. وعمر المواطنون السوفييت المدن والقرى من تحت الأنقاض والرماد. وخلال السنوات الثلاث الأولى للخطة الخمسية التي أعقبت الحرب تم أساسًا علاج الجراح التي خلفتها الحرب.

إن الحرب الوطنية العظمى وانتصار الجيش الأحمر على النازية بينت الوحدة الاجتماعية السياسية للشعب السوفييتي ووطنيته العالية وخصاله المعنوية، تفانيه، صموده واستعداده لأن يهب حياته في سبيل الوطن والحرية.

وأكدت على أهمية الدور القيادي والمنظم للحزب الشيوعي في المجتمع السوفييتي. فالحزب الشيوعي السوفييتي رص صفوف الملايين من الناس في نضالهم ضد الغزاة النازيين الفاشست ونظم العمل المتواصل في المجتمع السوفييتي في ذلك الوقت.

واليوم تسعى واشنطن من خلال برامج سياسية وإعلامية الى تزييف التاريخ والهادفة الى اعادة كتابة تاريخ الانتصار على النازية في الحرب العالمية الثانية.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World