رفع الحجاب عن عقل النخب الإعلامية والتعليمية

نوال السعداوي
nawalalsaadawi@yahoo.com

2020 / 5 / 4


لا ينقطع انبهار النخبة فى بلادنا بالديمقراطية فى أوروبا وأمريكا. مهما كثرت وتعددت الفضائح المالية أو الجنسية أو الأخلاقية بشكل عام، من فساد، وتآمرات سياسية على البلاد الصغيرة مثل بلادنا، فإنهم ربما يوجهون لهم الانتقاد، لكنهم يظلون يعتبرون بلاد أوروبا وبلاد أمريكا نموذجا للأنظمة الديمقراطية، وقلعة من قلاع الحرية.

إن الأنظمة الديمقراطية فى الغرب أو أمريكا لا تقل فسادًا عن الأنظمة فى الشرق، أو فى أى منطقة أخرى من العالم، ولها سقطاتها المريعة التى تضرب الديمقراطية فى مقتل.

فالعالم الرأسمالى الأبوى تسود حضارته عالميا، وإن اختلفت أشكاله ودرجاته، يحمل بذور فنائه طالما يفرق بين البشر على أساس الدين والجنس والطبقية والقومية والهوية. إن كارثة كورونا الحالية قد كشفت كيف أن هذا العالم بهذه الحضارة الرأسمالية الاستعمارية الدينية الأبوية العسكرية، لا تصلح لكى تقود العالم، ولكى تسود. فالحضارة التى تنفق أكثر على إنتاج الأسلحة لقتل البشر مما تنفق على النظام الصحى الوقائى والعلاجى والبحثى لحياة البشر، لا يجب أن تستمر، ولا يصح أن نظل منبهرين بأنظمتها، وثقافتها.

ولكن الملاحظ أن البعض رغم الأساس غير الديمقراطى للأنظمة الأوروبية والأمريكية، يصدق أن الرئيس الأمريكى مثلا يهتم بتحقيق الحريات الدينية فى بلادنا، أو أن البرلمان الإنجليزى مؤرق بالنهضة التعليمية والفكرية فى مصر، أو بتحرير النساء والرجال.

ولعل ورقة الأديان هى الورقة الأخطر، التى تستخدم من هذه الأنظمة الديمقراطية شكلا فقط دون الجوهر، لتقسيم الشعوب وزرع الفتن. فى بلادنا لم يصل الوعى العام فيها لإدراك هذه الخطورة بعد، حتى مع تصاعد الإرهاب الدينى. فالشعور الدينى الزائد عن الحد يغذى التعصب، ويضع حجابا على العقول.

وبكل أسف، فإن الإعلام فى بلادنا، وأيضا النظام التعليمى، يلعبان دورا أساسيا فى زيادة جرعات التشدد، العاجز عن قبول العقائد والأديان الأخرى، وعن تحقيق المواطنة الكاملة، التى تشترط انعدام الإحساس بتفوق عقيدة على أخرى، أو أفضلية دين عن آخر.

وإذا تذكرنا أن العقائد والأديان هى من الأشياء التى نرثها، فإننا حقا نرتكب خطأ فادحا، عند ممارسة التفرقة الدينية.

مازال البعض من النخب المتعلمة يقع فى هذا المأزق دون وعى، أو من أجل المصالح، فتشعل التجارة بالدين فى حلبة السياسة. هناك استقطاب عقائدى ودينى، يفرق بين الناس، وهناك إرهاب دينى، يستخدم لغة متزمتة لوصف أى تجديد للفكر الدينى.

إننى حقا أتساءل كل يوم: هل نحن دولة مدنية، أم دولة دينية؟. هناك بعض مظاهر الدولة المدنية التى لا يمكن لأحد أن يغفلها، أو ينكرها. ولكن هناك مظاهر للدولة الدينية لا يمكن تجاهلها أو التقليل من تأثيرها السلبى، وتراكماتها التى هى ضد مبدأ المواطنة، المنصوص عليه فى الدستور المصرى.

مازلت أتذكر أحد الإعلاميين المعروفين، على إحدى القنوات الفضائية الخاصة، التى أصبحت من إحدى سمات العصر، سألنى فى برنامجه: «فى البداية أسألك هل أنتِ مسلمة؟؟. هل أنتِ مؤمنة بالله وبالرسل والأنبياء وباليوم الآخر وبالكتب المقدسة؟؟».

اندهشت من السؤال. المفروض أن يسألنى عن رواياتى وكتبى وإبداعى، عن علاقة التمرد بالإبداع، عن الأسباب التى جعلتنى أترك الطب من أجل الأدب، عن دور الإبداع فى كشف الفساد والكذب والنفاق والتخلف، عن مشاكل المرأة الأديبة فى مجتمع ذكورى.

لكنه ظل يلح على أسئلة مصبوغة باللغة الدينية المكشوفة، أو الكامنة. وأنا بدورى أحاول أن أغير مجرى الحديث إلى أسئلة أدبية إبداعية، تفيد وتثرى الوعى.

وبدت الحلقة كأنما هى صراع بين مناصر وحليف ومؤيد للدولة الدينية، ومناصرة وحليفة ومؤيدة للفكر المدنى. أو بين قاض يتهم، ويدين، ويستقصى، فى مناخ أشبه بمناخ محاكم التفتيش، وأديبة لا تملك إلا كتاباتها، المصرة على نبذ التفرقة الدينية.

ما العمل إذن فى مواجهة هذا الخطر الخارجى والداخلى، الذى يرتدى عباءة الدين؟. كيف نرفع الحجاب عن عقول النخبة فى الإعلام والتعليم، والجماهير التى تتأثر بهذه النخبة؟؟.

أعتقد أن هذا هو السؤال الذى يشغل بال كل كاتبة وكل كاتب، يرى خطورة اللعب على ورقة الدين، والتجارة بها، لحصد مكاسب سياسية أو إعلامية أو ثقافية، وشهرة شعبية فى جوهرها غش وتضليل وركوب على الموجة الرائجة.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World