هل يُعيد فيروس كورونا الصراع الأيديولوجي من جديد ؟

حسين سالم مرجين
mrginhussein@yahoo.com

2020 / 4 / 11

مع انتشار فيروس كورونا برزت في الساحة الدولية الحاجة إلى البحث عن أفضل التصوّرات والممارسات كإطار منظومي تستطيع الدول من خلاله إدراك وتقدير الحاصل، ومن ثم تحديد الاختيارات والمسارات للتعامل مع الخطر المُحدِق بها؛ وهي تروم من وراء كل ذلك الولوج إلى كيفية المعالجة والوقاية والحماية من انتشار الفيروس بشكل فعّال في المجتمع .
ولكن السؤال البارز هو : ما علاقة فيروس كورونا بالأيديولوجيا ؟

قبل الإجابة عن التساؤل المطروح وجب التنبيه بأننا لا نقلل من تداعيات انتشار الفيروس على دول العالم سواء أكانت صحية، أم اجتماعية، أم اقتصادية، أم غير ذلك، لكننا نوّد لفت النظر إلى جوانب نعتقد أنها بحاجة إلى المزيد من البحث والكشف والاقتراب، والتي ربما تُعيد العالم وبشكل مغاير إلى سالف الصراع الأيديولوجي بين الدول الكبرى؛ ولكن بطريقة مختلفة هذه المرة .
إن المتمعّن في أحداث انتشار فيروس كورونا يُلاحظ حدوث واقعتين أكاد أجزم بأنهما لم تخرجا عن إطار السباق الدولي المحتدم (حاليًا) نحو فرض تصوّرات وأفكار وممارسات محدّدة – الأيديولوجية -، بالرغم من سعي بعض مفكري النظام الليبيرالي الحثيثة (سابقًا) إلى تأكيد أطروحة " إن المنظومة الليبرالية هي نهاية الأيديولوجيا أو أنها هي نهاية التاريخ "، وذلك وفقاً لما طرحه إدوارد شيلز وفرانسيس فوكوياما .
عمومًا فإن تلك الواقعتين لم تأتيا صدفة أو بشكل معزول عن التجاذبات الدولية الحاصلة بعد انتشار فيروس كورونا، وهما :
- الواقعة الأولى : خطاب الرئيس الصيني ( شي جين بينغ ) إلى دول العالم حيث أوضح استعداد الصين " للمشاركة بخبراتها للوقاية من العدوى والسيطرة عليها، وكذلك إمكانية وضع خطط التشخيص والعلاج وتوفير المساعدة والدعم في نطاق قدراتها "، بعدها قامت الصين بإرسال المساعدات، والفرق الطبية إلى كل الدول التي طالبت الدعم والمساندة .
أعتقد بأن الخطاب الصيني ينطوي على أبعاد مهمة، أهمها كون الصين قدمت تجربة فريدة في مواجهة الفيروس واحتوائه من خلال بلوغ المبتغى وتحقيق نتائج مُرضية، والتي بدورها أظهرت منحى إيجابي للتمثيل الإحصائي في الحد من عدد الإصابات والوفيات، وبالتالي فإن الاختيارات والمسارات الصينية يمكن أن تكون محل استقاء الدروس والعبر لدول العالم كافةً، وهنا يتحدث الرئيس الصيني عن كون المنظومة الاجتماعية، والسياسية، والثقافية، والاقتصادية، والصحية الصينية بما تُمثله من أفكار وتصوّرات واختيارات ومسارات وقيم وممارسات استطاعت حماية المجتمع الصيني .
- الواقعة الثانية : مقالة لوزير الخارجية الأمريكي الأسبق ( هنري كيسنجر ) في صحيفة " وول ستريت جورنال "، والذي توقع أن الفيروس كورونا سيُغيّر النظام العالمي للأبد، وبين بأن تداعيات هذا الفيروس قد تستمر لأجيال عديدة، والأهم من كل ذلك طالب بأهمية حماية مبادئ النظام العالمي الليبرالي!، وهذا يعني أهمية المحافظة وحماية المنظومة الليبيرالية بما تُمثله من تصورات وأفكار واختيارات ومسارات وممارسات .
لعل أكثر ما يستحوذ على الاهتمام في هذا السياق هو تركيز كلتا الواقعتين على مسألة منظومة الأفكار والتصوّرات والممارسات والاختيارات؛ وهنا تعني في مجملها مسألة " الأيديولوجيا " .
وحيث إن بعض الجمل والعبارات في كلتا الواقعتين كانت مقتضبة جدًا، فالأمر – أعتقد - لا يزال بحاجة للمزيد من التوضيح، من خلال سبر أغوار تلك الجمل والعبارات بحيث يتم كشف المضمر واستنطاق المسكوت وإزالة العتمة عنه، وقبل ذلك نوّد أن نُصارح القارئ منذ البداية بأننا في حاجة ماسة لمحاولة صياغة تعريفٍ نافعٍ ومحدّدٍ لمفهوم الأيديولوجيا في سياق هذه المقالة، نستطيع من خلاله فهم طلاسم الجمل والعبارات الموجودة في كلتا الواقعتين .
عمومًا يّمكن القول بأن الأيديولوجيا هي عبارة عن " شحنات من الأفكار والتصوّرات التي ترسم وتصف المثال والنموذج المُرتجى، الذي تنشده الدولة، وينشد معها أفراد المجتمع "، وحتى نُقرب المعنى أكثر يمكن أن نشير إلى تجلي تلك التصورات والأفكار على الواقع المُعاش وبشكل دائم ومستمر، وهذا الأمر يطرح مسألة مهمة وهي الحاجة إلى ديناميكية وتجديد الأفكار والتصوّرات والاختيارات والمسارات، وألّا تكون استاتيكية جامدة، ومعنى هذا ببساطة شديدة قدرة تلك المنظومة (الأفكار والتصوّرات والاختيارات والمسارات والممارسات) على المساهمة الفعّالة في تغيير المجتمع إلى الأفضل وبشكل مستمر، وحمايته والدفاع عنه في مواجهة الأخطار والمشكلات التي قد تطرأ على المجتمع .
إن الاسترسال في الحديث عن تلك المنظومة وقدرتها على توضيح مفهوم الأيديولوجيا مهم جدًا؛ لكنني رأيت الاكتفاء منه بهذا القدر، ما يعنينا الإشارة إليه في هذا الخصوص إن الإطار المنظومي سواء أكان تصورات، أم أفكار، أم ممارسات تعبر في مضمونها وجوهرها عن مفهوم الأيديولوجيا التي تتبناها الدول، وهذه الجزئية الأخيرة غاية في الأهمية، وهذا يعني أن أيّة دولة من دول العالم تستند في رؤيتها وخططها وآليات عملها إلى الإطار المنظومي (الأيديولوجيا) الذي أشرنا إليه آنفًا، فتستطيع من خلاله إدراك الواقع، والتقدير وإعادة التقدير، واستكشاف البدائل، وبناء الخطط، ومن ثم يبدأ وفاؤها بما تطرحه في الواقع؛ والمبني على رهان المستقبل .
ربما يكون القارئ قد تبين له من التحليل السابق أن نجاح أو فشل أيّة دولة من دول العالم في التصدي لفيروس كورونا ليس مرتبطًا - كما لاحظنا- بفعالية القطاع الصحي أو وفرة الموارد المالية فحسب، بقدر ما يكون مرتبط - وإلى حد كبير- بحركة التفاعل بين التصورات والأفكار والقيم والممارسات من جهة، إضافة إلى المسارات والاختيارات من جهة أخرى، وتأسيسًا على ذلك فإن الإطار المنظومي الذي تتبناه الدولة هو الذي يقوم بعملية المعالجة والحماية والوقاية في مواجهة الأخطار والمشكلات المحتملة بغية بناء مستقبل أفضل.
بالتالي عندما تنجح دولة ما في عملية الإدراك والتقدير والتعامل والتصدي للفيروس؛ فهذا يعني بشكل عام نجاح حركية التفاعل، حيث استطاع الإطار المنظومي (الأيديولوجي) أن يقوم بإنتاج ممارسات وقيم جيدة تعمل كنظام معالجة وحماية ودفاع (Anti-Virus) في المجتمع لمواجهة أيّ مشكلات أو أخطار قد تواجهه .
أما حين تفشل دولة ما في عملية الإدراك والتقدير والتصدي لذلك الفيروس؛ فهذا يعني عدم وجود مقدرة حركية التفاعل على إدراك وتقدير الحاصل، ومن ثم لم يستطع ذلك الإطار المنظومي (الأيديولوجي) إنتاج ممارسات وقيم قادرة على الإحاطة بكل الأبعاد والنفاذ إلى الأعماق، وبالتالي تكون الممارسات والقيم غير فعّالة أو شبه معدومة، ولذلك سترضى بأي شيء، وبكل شيء ليخرجها من ذلك النفق المظلم، ليجعلها أكثر قدرة على المعالجة والحماية والدفاع لمواجهة الأخطار والمشكلات .
إذن الخطاب والدعم والمساندة الصينية الموجهّة لدول العالم تحمل في طياتها الإطار المنظومي (الأيديولوجي) من التصوّرات والأفكار والاختيارات والمسارات والممارسات والقيم الصينية، كما تتضمن وظائف تعمل على تعظيم التصوّرات والاختيارات والمسارات والممارسات الصينية، بالمقابل تعمل على زحزحة وتفكيك تأثير المنظومات أي الأيديولوجيات الأخرى؛ فكلاهما واحد .
في حين أن مقالة ( هنري كيسنجر ) تُشكل دعوة إلى الدول الغربية المتبنية الإطار المنظومي الليبرالي (الأيديولوجي) بشكل عام إلى ضرورة التمسك بالأيديولوجيا الليبيرالية كإطار عام للتصوّرات والأفكار والاختيارات والمسارات والممارسات كنظام للمعالجة والحماية والدفاع، بالرغم من عمليات القصور في الإدراك والتقدير والمعالجة والحماية .
وأخيـــرًا لا شك أن القارئ قد أدرك بعد هذا العرض السريع بأن أزمة انتشار فيروس كورونا بيّنت مدى حاجة الإنسانية إلى تجديد الافكار والتصوّرات بهدف ترجمة أو تفسير الحاصل للمجتمعات البشرية بكيفية مُرضية، والأهم من كل ذلك مدى فعالية تجديد الأفكار والتصوّرات في إدراك الواقع وتقديره، فالمشكلات والأخطار التي تواجهنا لا يمكن حلّها بمستوى التفكير نفسه الذي أدى إلى إيجادها، كذلك تبرز الحاجة إلى تحديد مدى إمكانية تحقيق أو تنفيذ الاختيارات والمسارات المرسومة وفقًا لتلك التصوّرات والأفكار، كما نود التنويه إلى أهمية ألّا تكون هناك مسافة أو مسافات ما بين الأفكار والتصوّرات والاختيارات والمسارات من جهة، والممارسات الفعلية المُطبّقة من جهة أخرى، فوجود تلك المسافة أو المسافات بشكل مكشوف دون وجود أيّ نظام للحماية أو المعالجة سيجعل مسألة انهيار الدول مسألة وقت فقط .



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World