نقض العود الأبدي لدى ميرسيا إلياد

هيبت بافي حلبجة
haybat1957@outlook.de

2020 / 4 / 2

يطرح المفكر الروماني ، وعالم الأديان الشهير، ميرسيا إلياد ( ميرتشا ) فكرة العود الأبدي ، من خلال مؤلفه المعنون بنفس الأسم ( إسطورة العود الأبدي ) ، تلك الفكرة التي تؤكد إن المجتمعات القديمة تمارس الطقس وتكرر الشعيرة لتعيد إنتاج الزمن الأبدي للمقدس في تكوينه االبدئي ، بل الأدق أن تعيد إنتاج ذاتها وزمنها في ذلك التكوين ، وترهن حاضرها للميلاد الأبدي لذلك الطقس ، وتكرس نفسها لماهو سماوي إسطوري مقدس ، مندفعة بكل إرادة مطلقة نحو فكرة إن الأبدية تكمن في ممارسة تلك الشعيرة ، وإن خلاصها من هذا التاريخ المدنس الزائل يكمن هو الآخر في القيام المطلق والكامل بذلك الطقس ، أي هي ترفض الزمن الحسي التاريخي من خلال ممارسة هذا الطقس الإسطوري للولوج إلى الزمن العظيم ، الزمن الأبدي ، زمن الآلهة ، زمن المقدس .
وبداءة ، لامناص أن نذكر ثلاثة ملاحظات جوهرية :
الملاحظة الأولى هي إن فكرة العود الأبدي لدى ميرسيا إلياد ، تتفارق راديكالياٌ في تاصيلها عن فكرة العود الأبدي لدى نيتشه وديميقريطس وهيراقليطس وزينون الرواقي ، تلك الفكرة التي تتماثل كلياٌ مع فكرة دورة الكمال التاريخي ، التي تجسد مفهوم الإغتراب المطلق لدى الديانة المسيحية والعقيدة الإسلامية ولدى الكثيرين من الفلاسفة أمثال هيجل وماركس . والتي حسبها التجربة البشرية والتاريخ البشري ليستا إلا دائرة ، وعود على بدء .
الملاحظة الثانية هي إن المفارقة الحقيقية مابين مفهوم علم الأديان ومفهوم علم الأديان المقارن عظيمة جداٌ ، فالأول يدرس الأفكار في الأديان والمعتقدات والطقوس جميعها ، والثاني يدرس مقارنة الأديان ، أي يقارن الأديان من حيث هي أديان ليخلص إلى نتائج تخص هذا الدين أم ذاك الدين ، وهذا خارج نطاق أبحاث ميرسيا إلياد ، أما الأول فإنه يدرس الفكرة من حيث هي فكرة لدى كل الأديان ، وهنا لايهم إذا كان الدين ديناٌ توحيدياٌ ( الإسلام دين توحيدي من حيث الشكل فقط والدليل من النصوص الإلهية القرآنية نفسها) أم ديناٌ ثنوياٌ أم معتقداٌ ديناٌ أو حتى طقوساٌ دينية أم ديناٌ لا إلهياٌ كالبوذية ، وهذا هو مجال تخصص المفكر ميرسيا إلياد .
الملاحظة الثالثة هي إن ميرسيا إلياد ، ورغم تأثره الشديد ، باللاهوتي الألماني رودرلف أوتو ، أستقل عنه في أسس تأصيل هذه الفكرة ، فرودولف أوتو درس ، من خلال مؤلفه ( فكرة المقدس ) ، العامل اللاعقلاني وسيطرته على العامل العقلاني ، فاللاعقلاني يتحكم في العقلاني من زاوية ، سماها أوتو ، بعاطفة المقدس ، نومينوس ، الظاهرة الإلهية الخارقة ، التي تختص ، وتختص فقط ، بالمقدس ، تختص به لإنها في جوهرها كائنة فيمابعد العقلاني ، ومافوق الميتكي ، وهذا هو جوهر صلب المقدس للفرد . وأما ميرسيا إلياد فقد جمع مابين العقلاني واللاعقلاني من خلال مفهومه عن ، المانا ، حيث إن المقدس يتجلى في اللامقدس ( الفرد ، الدنيوي ، المجتمعات القديمة ) ويتفارق عنه بالضرورة ، وهذا هو جوهر الإنتقال من العماء إلى الكوسموس .
لكن كيف يتحقق ذلك لدى ميرسيا إلياد :
النقطة الأولى وهي النقطة الجوهرية ، وهي النقطة الحرجة ، والتي تنقسم في ذاتها إلى جانبين ، الجانب الأول يؤكد ميرسيا إلياد إن المقدس لكى يتجلى ، أي أن يتمظهر إنطولوجياٌ ، يتقمص مقياساُ لدى اللامقدس ( الفرد ، الإنسان ، الدنيوي ،المجتمعات القديمة ، العادي ، العالم اللاسماوي ) ، من حيث إن هذا الأخير ، إثناء ممارسته لمفهوم المقدس في الطقس والإسطورة والفرد والتاريخ والزمن ، يقسمه إلى إثنين ، المقدس واللامقدس( تناقض شكلي ظاهري ) ، فحضور المقدس في حيثيات اللامقدس جعله يتجلى إنطولوجياٌ فيه تحديداٌ ، أي إن المقدس يمارس كينونته في كائنية اللامقدس ويحضر فيه بالضرورة من حيث هي ضرورة أنطولوجية . وأما الجانب الثاني فإن ميرسيا إلياد يؤكد إن المقدس لايتجلى ، فقط ، في حيثيات اللامقدس حيث يتفارق في مفهومه عن المقدس عما هو لدى رودولف أوتو، إنما هو يمارس كينونته وكائنيته معاٌ خارج إرادة حيثيات اللامقدس حيث يتقارب في مفهومه ، هنا ، عن المقدس مما هو لدى رودولف أوتو .
النقطة الثانية وهي نقطة مستمدة من الأولى ، وهي إن المحتوى الإنطولوجي المشترك للمقدس ولللامقدس يكمن بالضرورة في منطوق الإنتقال الموضوعي والحتمي من حالة اللاتعيين إلى حالة التعيين ، من حالة العماء ( الكاوس ) إلى حالة الكوسموس ، أي من حالة عديمة الخصائص إلى حالة مستحوذة على كافة الخصائص ، وهذا يولد نتيجة خطيرة جداٌ ، وهي إن لولا المقدس ماتحول الفرد إلى شخص وإنسان ، وهنا يبرز السؤال المصيري ، إذا كان المقدس هو الذي حول الفرد إلى الشخص ، فماهو دور الفرد في تكون الشعيرة والطقس !؟ والسؤال الأكثر أهمية على الإطلاق ، ماهو دور الشعيرة والطقس في تكوين الإسطورة والمقدس !؟ .
النقطة الثالثة وهي مستمدة من الثانية ، وهي إن المقدس والإسطورة والطقس ، لاتدل ، لدى ميرسيا إلياد ، على مفهوم الإلوهية والإعتقاد بوجود إله أو آلهة ، أي إن المقدس غير مرتبط لابالضرورة ولا بالجدلية بمضمون إله وآلهة للكون ، ومن هنا تحديداٌ ، تستطيع النقطة الثالثة أن تجيب جزئياٌ على السؤالين السابقين في النقطة الثانية ، من خلال التفسير العملي لدور الفرد في تكوين الشعيرة والطقس ، ودور الشعيرة والطقس في تكوين الإسطورة والمقدس .
النقطة الرابعة وهي النقطة الأكثر حرجة في موضوع فكرة العود الأبدي ، والتي حسبها إن كل ضرورة عميقة في النفس البشرية تؤصل مفهوم المقدس والرمز والإسطورة والآلهة والإله من ناحية ، وتلغي حقيقة كل ماهو دنيوي وتوقف زمنه وتسفه تاريخه من ناحية أخرى ، أي إن كل ضرورة عميقة تحاكي ، بالمطلق ، جوهر النموذج البدئي الآركيتايبي ، وهذا يفضي إلى نتيجة خطيرة وهي إن الصيرورة تمثل التاريخ الإنساني العقيم حيث لامعنى لأحداثها وخالية من الكينونة ، وإن السيرورة الحقة الأصيلة تمثل جوهر تحول الإنسان إلى نموذج بدئي عبر تكرار الطقس لتوليد الزمن الأبدي الدائري وتجديد المكان المقدس ، ومن هنا حفلات الجنس الجماعية الإباحية ، قبل الإسلام وفي معتقدات أخرى ، حيث ، وحسب تعبير ميرسيا إلياد ، تمثل العودة إلى نموذج الآركيتايبي القديم الذي قدس ( بضم القاف ) من قبل الآلهة والإله أو الأسلاف أو الأبطال .
النقطة الخامسة وهي نقطة أساسية ، وهي المينوك والجيتوك ( وهي مفردات كوردية إيزيدية وزرادشتية )، والتي حسبها إن النموذج البدئي الآركيتايبي ، وهو الجيتوك ، يحاكي ويتماهى مع المينوك ، المثال الأعلى في السماء الأعلى ، السماء غير المرئية ، وقد نسب ميرسيا إلياد هذه الإطروحة ، جهلاٌ ، إلى أفلاطون ضمن سياق رؤيته عن المثل في الماورائيات ، وهكذا فإن الوقائع والأحداث التي تحاكي الآركيتايب ، النموذج الأصلي ، الإلهي ، السماوي ، الإسطوري ، تتماهى بالمثال الأبدي في السماء اللامرئية ، لتظهر لنا إن الحقيقة في نظر الإنسان القديم مرتبطة بمحاكاتها وتماهيها بالنموذج السماوي الأعلى .
هذا من حيث التأصيل الإنطولوجي ، أما من حيث التأصيل الطقسي :
النقطة الأولى المعبد ، والمعبد ليس مكاناٌ للعبادات ، إنما هو مركز الطقوس والشعائر ، وهو الذي أنزل المقدس الذي كان في السماء ( سيما لدى الديانات السماوية ) إلى حيث هو وكينونته ، أي هو لايرمز إلى المقدس ، إنما هو الرمز نفسه ، إنه الرمز المقدس ، إنه المقدس ذاته ، هذا من ناحية ، ومن ناحية ، إن حيثيات الشعائر والطقوس ، حين ممارستها خارج المعبد ، هي مجرد حركات سخيفة مضحكة . ويمتاز المعبد : أولاٌ بالمركزية ، فهو مركز العالم والوجود ، وليس المقصود به المركز الجغرافي ، وليس المركز الديني ، لإنه لم يختر أبداٌ ، لإنه لو أختير لكان مكاناٌ للعبادة ، ولأمست العبادة خواءاٌ مطلقاٌ ، ولهلك المقدس الإلهي ، ولصارت الطقوس والشعائرة ، مجرد ، حركات سخيفة ومضحكة ، ولأصبح المعبد ، في حد ذاته ، مكاناٌ مهجعاٌ . وثانياٌ بالفضاء المقدس ، ومن خلال هذا المعنى الدقيق للمعبد ، قد قسم الفضاء إلى قسمين ، القسم المقدس وهومحل المعبد ، والقسم اللامقدس وهو الفضاء والمكان العادي، المكان الذي لاخاصية فيه ولا إمتياز له ، وأما القسم الأول فهو ، من ناحية ، المكان المرتفع العالي الذاهب نحو السماء حيث الآلهة والإله والمقدس ومختوى الإسطورة ، وهو ، من ناحية ، الشرط الفعلي والموضوعي للمقدس من الزاوية الإنطولوجية ، الذي بدونه لاوجود للمقدس ، وهذا كان مصدر الإلتباس واللبس لدى ميرسيا إلياد ، فلإنه لم يدرك خصوصية هذه النقطة كما ينبغي ، إعتقد خاطئاٌ ، إن يمكن الإستنتاج من دراسة علم الأديان ، إن التطويب ( والتطويب هو ذكر تراتيل وآيات المعتقد وممارسة الطقوس والشعائر الدينية في أي مكان لجعله مقرباٌ من الآلهة ومحتوى الأسطورة مصدر الآلهة) هو الذي جعل من الفضاء العادي اللامقدس فضاءاٌ مقدساٌ ، وهذه حماقة إرتكبها ميرسيا إلياد ، إذ من المستحيل ، أن يحتل مكان ما ، لدى المسلمين ، محل الكعبة الشريفة !!.
النقطة الثانية القربان ، والقربان ( كلمة كوردية وتعني حرفياٌ : الفناء من أجل آن الإله ) طقس مقدس يمارس في المعبد ، ويدل على أمرين ، الأول هو الزمن الدائري ، الزمن الذي من خلاله يتأبد التاريخ ، الزمن الخاص بالآلهة ، الخاص بالإسطورة ، ويعاكسه ويعارضه الزمن المتحرك على هيئة المستقيم ، الزمن العادي ، الزمن الذي يخص اللامقدس ، أي إن القربان يقسم الزمن إلى الزمن الأبدي على شكل دائرة ، وإلى الزمن التاريخي العادي على شكل مستقيم ، والثاني ، أي الأمر الثاني ، هو مفهوم الدورة والسنة والتكرار والعود الأبدي للنموذج البدئي ( آركيتايب ) ، ذلك النموذج البدئي المقدس ، والذي يرمز ، في ذات الوقت ، إلى الآلهة والأسطورة ، ذلك النموذج الذي ينبغي ألا نخالطه مع النموذج العادي ، أي الآركيتايب البسيط الذي يوازي دلالات اللامقدس ، والذي لايتكرر ، وإن تكرر فلاقيمة ، البتة ، له ولحدوثه.
النقطة الثالثة الطوطم ( الشيء ، الرمز ، المقدس ، الإسطورة ، الإله ، الآلهة ، الله ، إئيل ) ،والطوطم ، بإقتضاب وجيز ، وفي كل المعتقدات والأديان والوثنيات ، هو المقدس نفسه ، فعلى سبيل المثال ، إن الحجر الأسود في الكعبة هو المقدس ، فلا إسلام بدونه بالرغم من إنه ، ليس إلا ، حجراٌ ! وإذا إنبرى أحدهم وأرغد وأزبد وإدعى إن ذلك غير صادق ، فلنتذكر جميعاٌ قول عمر ابن الخطاب ، رضي الله عنه ، في هذا الصدد ، أنت لست إلا حجراٌ وماكنت قد قبلتك لولا إني رأيت رسول الله يقبلك !! . أو بتعبير ميرسيا إلياد إن الشيء عندما يتقدس ويتشبع بالكينونة ، فلإنه قد بات تجلياٌ للمقدس نفسه ، وبات يمتلك المانا ، القوة الفاعلة .
إن هذا التصور ، برمته ، ينم عن جانبين ، الجانب الوقائعي الفعلي في موضوعات وإطروحات الطقوس والإديان والعقائد والوثنيات كما هي ، والجانب الإستنتاجي الذي قام به ميرسيا إلياد من تلك الوقائع ، فالجانب الأول ليس لنا أي إعتراض عليه في هذا المقال ، إنما الجانب الثاني ، أي الجانب الذي يخص ميرسيا إلياد ، فهو ما نعترض عليه بالشكل التالي :
النقد الأول : من الواضح إن ميرسيا إلياد يثبت ، أولاٌ ، فكرة المقدس ثم يحيك حولها محتوى الإسطورة وبقية الإطروحات ، ويتغافل عن السيرورة التاريخية الفعلية في علاقة كافة تلك الإطروحات مع بعضها البعض ، تلك العلاقة التي تؤكد إن الطقس هي أس بقية الإطروحات ، لنأخذ ، على سبيل المثال ، مضمون الصلاة الحالية وجذرها اللغوي الأشتقاقي ، ففي بداية تشكل الوعي الإنساني وإنتقال البشر من حالة التوحش البري الأولى إلى مرحلة ، نسبياٌ ، جديدة ، برز محتوى الخطر لأول مرة ، حينها حدث التمرد الطبيعي ضد ماهو مصدر ذلك الخطر ، ولما كان من المستحيل التفاهم الذاتي العفوي مع قوى الطبيعة ، مع الرعد والبرق والفيضان ، تحول التمرد الطبيعي إلى نوع من العلاقة ، تلك العلاقة التي أتسمت ب : أولاٌ محاكاة الإنسان لما هو مابعد الميتيكي ( الماورائيات ) ، ثانياٌ محاكاة جهل الإنسان للمجهول ، وولادة مفهوم الخضوع العفوي ، ثالثاٌ ولادة الشكل الهلامي والمبهم للطقس ، ومن ثم ممارسته . ومن المؤكد إن أول طقس هو ما يسمى ، الآن ، بالصلاة ، فكلمة الصلاة أصلها سومرية كوردية ( سيلان ) والتي تعني تماماٌ الإبتهال ، والإبتهال في ذلك الزمن السحيق كان ينم عن أمرين ، الأول مناصرة قوة معينة ، والثاني تفادي شر قوة معينة ، أو مناصرة وتفادي شر نفس القوة ، ومنذ القدم وحتى هذه اللحظة تشكل هذه الرؤية الأساس الفلسفي للديانة الأيزيدية الكوردية ، ونحن نعلم إن الديانة الإيزيدية هي طقسية بالدرجة الأولى ، فالطقس هو الذي ولد المقدس والآلهة والإله والرمز والإسطورة والمعبد والقربان والطوطم .
النقد الثاني : لكي يتجلى المقدس في اللامقدس ، ينبغي بالضرورة أن يكون التاريخ والدنيوي والعالم سابقاٌ للمقدس ، فالخلق ، حسبه ، هو العبور من عالم اللاتجلي إلى عالم التجلي ، وهو الإنتقال من حالة اللاتعيين إلى حالة التعيين ، أو بالإصطلاح الكسمولوجي هو الإنتقال من حالة العماء ( الكاوس ) إلى حالة الكوسموس ، وهذا يخلق حالة تناقضية رهيبة لدى ميرسيا إلياد في فكرة تأصيله للمقدس ، فهذا يعني إن اللامقدس ، كما أشرنا قبل قليل ، وجد قبل المقدس ، وإن كائنيته سبقت كائنية المقدس ، وإن الكينونة كانت غائبة لدى اللامقدس ومعدومة لدى المقدس لعدم وجود هذا الأخير ، فكيف ولدت الكينونة إذاٌ ، وإذا زعم ميرسيا إلياد إن الكينونة كانت موجودة في اللامقدس ، فهذا يعني إن اللامقدس كان تجلياٌ حقيقياٌ ولم يكن لاتجلياٌ ، الأمر الذي لايرضاه إلياد أبداٌ . وثانياٌ هذا يتناقض مع مفهوم الضرورات العميقة في النفس البشرية ، لإن أي ضرورة عميقة في النفس البشري ، حسبه ، تؤصل المقدس نفسه ، فكيف ذلك ! فلو صحت مقولته ،هذه ، لتوجب أن تكون الضرورة العميقة والنفس البشرية في عالم اللاتجلي !! في عالم اللاتعيين !! في حالة العماء الكاوس !! ولتوجب وجود قوة مغايرة للضرورة العميقة لنقلها إلى عالم التجلي !! وهذا فرض مرفوض من إلياد بالمطلق .
النقد الثالث : يؤكد ميرسيا إن كل ما يجري في الجيتوك في الكوسمولوجيا الإيرانية ( وهي في الحقيقة كوردية زرادشتيه ) هو تجلي للمينوك ، أي كل مايجري في العالم بخصوص المقدس هو تجلي لماهو موجود مسبقاٌ في السماء ، ويقارن مابين هذه الإطروحة وإطروحة إفلاطون في موضوع مثله . وهذا معيب للغاية ، فإفلاطون كان يقصد إن العالم الحقيقي هو عالم المثل نفسها ، بينما المينوك لايلغي الحقيقة الوجودية للجيتوك في الكوسمولوجيا الكوردية الزرادشتيه ، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ، إن العلاقة مابين المينوك والجيتوك هي علاقة إنطولوجية بعكس المثل الإفلاطونية ومفهوم العود الأبدي . وأحبذ ، هنا ، أن أوضح أكثر العلاقة الجدلية مابين المينوك والجيتوك على صعيد الأشتقاق اللغوي ، فمينوك هو المثال ، وجيتوك هو النائب الذي يحل محل المثال ويجسده كما لو كان المثال كائن بكينونته فيه ، وثمة أمر آخر وهو إن الجيتوك موجود في الأرض والسماء معاٌ ، أي الأرض وهذه السماء المرئية ، بينما المينوك هو موجود في السماء غير هذه السماء المرئية ، فهو موجود في السماء اللامرئية .
النقد الرابع : يعتقد ميرسيا إلياد إن اللامقدس يتحول إلى المقدس من خلال مفهوم التطويب له ، فلو صحت هذه الرؤيا ، لكان المكان هو المعبد وليس المعبد هو المكان ، وإذا كان المكان هو المعبد لإنتفت قكرة إن المعبد يقسم الفضاء إلى مكان مقدس ومكان لامقدس ، وبالتالي لتصدعت جملة إطروحات أخرى منها ، فكرة الطقس المقدس ، وبالنتيجة فكرة الزمن الأبدي الدائري . ومن المؤكد ، كمثال على ذلك ، إن المسلم لن يقبل أن يحل أي مكان مهما علا شأنه محل الكعبة الشريفة ، او أن تتم شعائر الحج خارج الأمكنة المحددة لها، وكذلك فيما يتعلق بحائط المبكى . وإلى اللقاء في الحلقة السابعة والثمانين .



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World