المبعوث الأممي غسان سلامة والأزمة الليبية

حسين سالم مرجين
mrginhussein@yahoo.com

2020 / 3 / 10

قبل الحديث عن دور السيد غسان سلامة في حلحلة الأزمة الليبية كمبعوث للأمم المتحدة، ارتأيت من المناسب سرد واقعة تبين صورة المبعوث الأممي لدى مخيلة وعقول الليبيين الصغار قبل الكبار، ففي إحدى زياراتي لمدارس بلدية جنزور سنة 2016م، وجدت أحد التلاميذ خارج الفصل، وعندما سألته عن سبب وجوده خارج الفصل ذكر بأنه مُكلف من إحدى المعلمات لجلب شيء ما من إدارة المدرسة، وهنا خطر ببالي سؤال، فوجهته إلى ذلك التلميذ وهو:
ما شعورك عندما تختارك المعلمة دون كل التلاميذ لهذه المهمة؟
فكانت الإجابة مفاجأة بالنسبة لي، لم أتوقعها من تلميذ يدرس في الصف الثالث الابتدائي، حيث ذكر بأن لديه شعوراً بأنه مثل مبعوث الأمم المتحدة عندما تختاره المعلمة لهذه المهمة!.
لا أظن أن القارئ في حاجة إلى أيّ تعليق، لذلك سنترك هذه القصة جانبًا، ونواصل الحديث عن دور مبعوث الأمم المتحدة في ليبيا، ففي شهر مارس 2017م، التقيت بالسيد غسان سلامة في العاصمة اللبنانية بيروت وذلك ضمن فعاليات مؤتمر علمي، وجرى بيننا نقاش حول الأزمة الليبية، وسألني بعض التساؤلات عن مآلات تلك الأزمة، فكانت إجابتي له بأن تساؤلاته ربما سيجد لها إجابات في حال حضوره عرض ورقتي العلمية، ووعدني بالحضور لكنه لم يحضر لأسباب هو أعلم بها، وبعد ذلك تم تكليفه كمبعوث الأمم المتحدة في ليبيا، وفهمت أسباب تلك التساؤلات عن ليبيا، وكان لدي اعتقاد بأنه سيكون مختلف عن الآخرين من المبعوثين الأمميين السابقين، وهذا الاعتقاد ربما متأتٍ من الانحياز إلى زميل المهنة؛ فهو أستاذ جامعي قدير يمتلك شحنات من الفكر المتلفتة في كل اتجاه تبحث عن الاختيارات والمعالجات، بالتالي كان لدى اعتقاد بأن جل اختياراته ومعالجاته للأزمة الليبية ستكون مبنية على احتمالات لها أسبابها، وعلى ممكنات لها تقديراتها، كما دعم ذلك الاعتقاد من كونه من دولة عربية هي لبنان، حيث لا يزال وطنه يعيش تداعيات الحرب الأهلية إلى يومنا الراهن، كل ذلك ربما عزز ذلك الاعتقاد، وأخيرًا هناك بعدًا مهماً وهو أهمية ممارسة التفاؤل بالأمل على حساب التجارب.
وعمومًا سأكتفي في هذا السياق بالتنويه إلى عدد من الملاحظات حول أهم ما سجلته عن ممارسات ومواقف المبعوث الاممي إزاء الأزمة الليبية، والمبنية على الملاحظة والمعايشة اليومية للأحداث الجارية في ليبيا، وهي:
• لقد مارس غسان سلامة جل اختياراته ومعالجاته للأزمة الليبية منذ تسلمه الملف الليبي وحتى إعلان استقالته من خلال الواقع المجتمعي الذي رآه، والمبني فقط على مساحة تفاعلاته في المجتمع، وهذا يعني تفاعله مع القوى والأطراف والجهات التي رآها ممثلة لأطراف المصالح المتأثرة والمؤثرة في نفس الوقت بالأزمة الليبية.
• لقد رأيناه في بعض الأحيان غير راضٍ عما يراه من ممارسات ومواقف سواء أكانت من حكومة الوفاق، أم من الحكومة المؤقتة، لكنه حسب اعتقادي كان يُدرك جيدًا بأن دائرة صلاحياته ومسؤولياته لم تسمح له بالتصريح والإعلان عن كل حالات عدم الرضى.
• لقد لاحظنا أن بعض اختياراته وتقديراته ومعالجاته للأزمة الليبية لم تمتلك ضمان النتائج، ولعل حرب 4 أبريل 2019م، أفضل مثال على ذلك، حيث لم يفصل عن هذه الحرب والمؤتمر الجامع -المزمع عقده في مدينة غدامس- إلا أياماً معدودة، وهذا يُبين لنا بوضوح بأن تقديراته لم تكن صحيحة حول إمكان عقد ذلك المؤتمر وفي تلك الظروف، بالرغم من حصوله على وعود من الأطراف المعنية بالالتزام بالمشاركة في المؤتمر المذكور، وهذا متأتٍ حسب اعتقادي من كونه لم يُفرق بين الأمر الواقع والمثال المرتجى، فالمسافة بين الاثنين كانت كبيرة، كما أنه جعل تلك المسافة في كثير من الأحيان مكشوفة ومعرضة لتأثير العامل الخارجي، وهو يعلم أكثر مما نعلم وزيادة مدى تأثير العامل الخارجي على الأطراف المحلية.
• اتسمت بعض مواقفه واختياراته بالموضوعية والحيادية بين جل الأطراف المتصارعة، فلم يسلم من انتقاد جميع الأطراف، فكل طرف كان يحسبه على الطرف الآخر مع كل بيان أو تقرير كان يصدره عن الازمة الليبية.
• مساحة تفاعلاته في المجتمع الليبي لم تتسع بالقدر الذي يستطيع من خلاله بناء شواهد وأدلة جديدة، كي تُتيح له صياغة اختيارات ومعالجات جديدة، فمع مرور الوقت أصبحت المساحة هي نفسها دون زيادة أو نقصان، والتي انعكست بالضرورة على تقديراته واختياراته، وهذا ما يفسر أن بنية الأداء لديه لم تتغير.
• لم يُدرك السيد غسان سلامة - حسب اعتقادي- بأن جل المناطق والقبائل في ليبيا ليسوا ضد السلطة بالضرورة – ثم أنهم ليسوا معها بالضرورة – بل إنهم معها في علاقات شد وجذب، وأكاد أجزم بأنها هي نفسها حركة الصراع بين أطراف الصراع القائمة حاليا، وحتى نقرب المعنى أكثر يمكن أن نشير بأنه صراع بين الطموحات أو الرغبات أو التصورات والمطلوب من السلطة تنفيذه، وهذه المعادلة لا يمكن الإلمام بها خارج دائرة العلاقات التاريخية بين القبائل والمناطق الليبية.
• لم يُدرك السيد غسان سلامة بأن إستراتيجية أي وطن لا تكفيها أهواء أو رغبات الرؤساء أو القادة، وإنما تفرضها أولا ثوابت الجغرافيا، ثم تحركها ثانياً دواعي التاريخ، كما أنه لم يعي بأن الليبيون قد يعتبون أو يغضبون من بعضهم البعض، وقد تصل بهم درجة أو مستويات ذلك الصراع إلى القتال بعضهم ضد البعض، لكنهم تحت كل الظروف لا يسمحون، ولا يقدرون على السماح بتقسيم الوطن، فذلك أكثر مما يحتملون، وأكثر مما تحتمل الظروف.
• لم يجرؤ أحد من المبعوثين الأمميين السابقين على توجيه نقد للأوضاع الحاصلة في ليبيا مثلما فعل غسان سلامة؛ فجل المبعوثين الأمميين السابقين كانوا ينتقدون أطراف الصراع في ليبيا بمجرد انتهاء مهامهم، أما غسان سلامة فقد لاحظناه في كثير من الأحيان يوجه النقد الشديد إلى تلك الأطراف، ووصل به الأمر إلى وصفها بأن لديها من أجل مصالحها وليس من أجل الوطن – ما تتعاون فيه مع الشيطان، كما بين بأنه نتيجة للفساد المستشري في منظومة السلطة فهناك إنتاج مليونير في ليبيا كل يوم! ما أصدق هذه الكلمات.
• بالرغم من وجود تراكم معرفي وتجارب كبيرة لبعض الشخصيات الوطنية الليبية في حل الكثير من المنازعات ما بين القبائل والمناطق الليبية؛ إلا أن السيد غسان سلامة طرق أبواب بعض منظري أوروبا، وبشكل خاص مؤسسة الحوار الإنساني للبحث عن حلول ومعالجات الأزمة الليبية وخاصة فيما يتعلق بمسألة الحوار، وحل المنازعات بين الفرقاء الليبيين، وعموما ما يدعم وجهة النظر هذه هو ما يُلاحظ عن غياب تلك الشخصيات الوطنية في كثير من المواقف والقضايا.
• وأحيانًا أخرى نراه يطلب النصيحة الدولية من الدول الداعمة للأطراف المتصارعة عوضًا من التوجه إلى الداخل، وهذا أدى لا محالة إلى تعزيز ذلك الدور، بالرغم من كوني ما زلت أعتقد بأن فهم الكثير من المسائل المرتبطة بالأزمة الليبية لا يمكن فهمها بمعزل عن الحسابات الدولية.
• بالرغم من كون غسان سلامة وهو أستاذ العلوم السياسية يعلم جيدًا أهمية سيادة الدولة على مؤسساتها وحدودها؛ إلا أن تلك المعارف والفهم لم يتم تجسيده من خلال ممارساته الفعلية، بل وجدناه في كثير من الأحيان يتدخل في شؤون سيادة الدولة، مثل: تدخله في مسألة الترتيبات الأمنية، والترتيبات المالية، وهذا ربما يعكس في مضمونه ضعف من تعامل معهم.
وأخيرًا لا شك أن القارئ قد لاحظ بعد قراءته للملاحظات السابقة بأن الأزمة الليبية كانت ولا تزال بحاجة إلى شخصية تمتلك التراكم المعرفي والمهارات والتجارب السابقة في حل المنازعات والصراعات، ولديها مساهمة فعالة في هذا الخصوص، إضافة إلى أهمية فهم طبيعة المجتمع الليبي، والابتعاد قدر الإمكان عن إقحام العامل الخارجي دون مراعاة ثوابت الجغرافيا، ودواعي التاريخ.
كما يجدر بنا التأكيد بأنه في القضايا والمسائل الصعبة والمتشابكة مثلما هو الحال في الأزمة الليبية، فإن الأمر بحاجة إلى البحث عن أفضل المستشارين والخبراء لفك طلاسم تلك القضايا والمسائل؛ بغية التشخيص الصحيح والسليم من أجل الوصول إلى فهم أفضل، وتبني أفكار جديدة للأزمة.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World