وعد بلفور ما قبل وما بعد (4)

خليل اندراوس
aljabha.org@gmail.com

2019 / 12 / 6


في اجواء وعلاقات التحالف بين بريطانيا والحركة الصهيونية العالمية، قام وايزمن بتقديم مذكرة رسمية في تشرين الاول من عام 1916 الى وزارة الخارجية البريطانية بعنوان "برنامج لادارة جديدة في فلسطين حسب أماني الحركة الصهيونية" كأساس للمفاوضات بين بريطانيا والمنظمة الصهيونية حول مستقبل فلسطين. وقد طالبت المذكرة في القسم الاول المتعلق "بالسكان اليهود الحاليين" بالاعتراف بيهود فلسطين كوحدة قومية واعتبار العبرية لغة قومية ومنح اليهود الاستقلال الذاتي في كل ما يتعلق بالشؤون التعليمية والدينية والاجتماعية والحكم الذاتي والضرائب المحلية. اما القسم الثاني من المذكرة المتعلق بتوطين اليهود القادمين من البلدان الاخرى فطالب بالترخيص لشركة يهودية باستعمار فلسطين ومنحها الاولوية في الاستيلاء على اراضي التاج وغيرها من الاراضي والامتيازات وبناء الموانئ والطرق واستيراد البضائع وحق استقدام المهاجرين.

عندما تولى لويد جورج رئاسة الوزارة وآرثر بلفور وزارة الخارجية، وكانا من الصهيونيين البارزين اعتبرت الاجتماعات غير الرسمية بين الصهيونيين وبين المسؤولين البريطانيين بمثابة مفاوضات جدية ادت بالنتيجة الى التزام بريطانيا بتحقيق حلم الصهيونية في اقامة وطن قومي يهودي في فلسطين وقد عجل في اعلان السياسة البريطانية بشأن فلسطين حدثان اولهما دخول الولايات المتحدة الحرب الى جانب الحلفاء في نيسان عام 1917، اما الحدث الثاني فكان إقبال الشبان اليهود في روسيا اثر ثورة شباط الروسية عام 1917 على الانخراط في صفوف الحزب الشيوعي (البلشفيك) بقيادة لينين الذي وقف ضد استمرار روسيا في الحرب، مما دفع الجنرال ماكدونف قائد المخابرات البريطانية الى طلب الاسراع في اعلان فلسطين وطنا قوميا لليهود لكي يتجه الشباب اليهودي نحو العقيدة الصهيونية الرجعية الموالية للاستعمار، عوضا عن الانخراط في صفوف الاحزاب الثورية المعادية لبريطانيا. ولقد تضمنت شهادة الزواج غير المقدس بين بريطانيا والصهيونية صيغة رسالة بعث بها آرثر بلفور وزير الخارجية الذي عمل بحماس لصالح الصهيونية، الى اللورد روتشيلد الثري الصهيوني المعروف، فيما يلي نصها:

"ان حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف الى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل افضل مساعيها لتسهيل تحقيق هذه الغاية على ان يفهم جليا انه لن يسمح بأي اجراء يلحق الضرر بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها المجتمعات غير اليهودية القائمة في فلسطين، ولا بالحقوق او بالمركز السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الاخرى". وهذا الوعد يعتبر من اغرب الوثائق التاريخية، إذ منحت بموجبه دولة استعمارية ارضا لا تملكها أي فلسطين الى جماعة لا تستحقها – الحركة الصهيونية – على حساب من يملكها ويستحقها ومتجذر فيها، الشعب الفلسطيني، وهذا الوعد الاستعماري البربري ادى الى اغتصاب فلسطين وتشريد شعب بأكمله على نحو لا سابقة له في التاريخ، ومما يسترعي الانتباه بان بريطانيا قامت بارتكاب هذه الجريمة قبل ان تصل جيوشها الى القدس، بل في الوقت الذي كانت تتقدم فيه هذه الجيوش بفضل مساعدة حلفائها العرب وبفضل تضحيات شعب فلسطين الذي كان يناضل في سبيل الحرية والاستقلال.

وهكذا فكل الوعود التي قطعت للعرب في اثناء الحرب العالمية الاولى 1914 – 1918 لجرهم الى صف الحلفاء خُنث بها جميعها، فقد كان تآمر الاستعمار البريطاني مفضوحًا، فهناك العديد من الوثائق البريطانية السرية الرسمية التي تدل دلالة قاطعة على وقوع فلسطين ضمن اراضي دولة الاستقلال العربي، التي وعدت بها بريطانيا من خلال مكماهون الشريف حسين، بالاعتراف بها.



ومع ان السبب الذي تذرعت به الحكومة البريطانية لإصدار هذا القرار، هو العمل على دعم المشروع الصهيوني ودعم الحركة الصهيونية، الا انه بالطبع كان يخفي الهدف الرئيسي الآخر وهو إحكام السيطرة على منطقة الشرق الاوسط ومنع تكوين دولة عربية كبرى – الشام الكبرى – بعد سقوط الدولة العثمانية.

وان المذكرة التي قدمها قسم الاستخبارات السياسية في وزارة الخارجية بتاريخ 1/11/1918 بعنوان التزامات بريطانيا للشريف حسين تشكل دليلا قاطعا على ما ذهبنا اليه وهو خيانة وتآمر بريطانيا للوعود التي قطعت للعرب وللشريف حسين، لا سيما المذكرة التي تتضمن خارطة تظهر فلسطين ضمن المنطقة العربية التي وعدت بريطانيا بالاعتراف بعروبتها. وكما جاء في مكتب السجلات البريطانية العامة CAB 27/24: بان فلسطين تدخل ضمن المنطقة التي وعدت بريطانيا بالاعتراف بعروبتها واستقلالها في المستقبل". (المرجع كتاب تاريخ فلسطين الحديث – د. عبد الوهاب الكيالي)

ولكن لاحقا تآمرت بريطانيا مع آل سعود ضد الشريف حسين وقدمت لآل سعود الدعم العسكري وقام جيش آل سعود بقتل اكثر من عشرة آلاف جندي من قوات الشريف حسين وبعد خيانة ابنه عبدالله الذي هرب من المعركة الى الاردن، وهذا الدعم البريطاني لآل سعود كان ثمنه تصريح اول ملك من آل سعود بانه: "لا مانع لدي من اعطاء فلسطين لليهود المساكين، وهذه الجملة على كل عربي مخلص لأمته وشعبه وعلى كل فلسطيني مخلص لوطنه ان يتذكرها.



وخيانة آل سعود وأنظمة الاستبداد في الخليج العربي لا بل الامريكي ضد شعوب المنطقة مستمر حتى الآن، والدليل على ذلك دور السعودية ومشاركتها في التآمر على سوريا بهدف تمزيقها الى دويلات – دويلة كردية دويلة سنية – دويلة علوية ودويلة درزية خدمة لمصالح الولايات المتحدة واسرائيل، وهنا لا بد وان نذكر شهداء الاستقلال العربي، حيث كانت خطة الشريف حسين تقضي اعلان الثورة في الحجاز وفي الولايات العربية في المشرق العربي في آن معا، ولكن القائد التركي جمال باشا اكتشف بعد مصادرة اوراق القنصلية الفرنسية في بيروت وجود تنظيمات ثورية تضم سياسيين وعسكريين داخل الجيش العثماني، وفي صيف 1915 اخذ جمال باشا يفتك بالوطنيين – واستحق لقب السفاح الذي عرف به – فأرسل القافلة الاولى من الشهداء في 21 آب 1915 وكانت مكونة من 11 شهيدا وكان من بين المحكومين بالاعدام عدد من الفلسطينيين فرَّ احدهم اسمه حسن حماد بما يشبه الاعجوبة بينما وافق جمال باشا على تخفيض حكم الاعدام بحق حافظ السعيد (يافا) والشيخ سعيد الكرمي (طولكرم) الى السجن المؤبد نظرا لتقدم السن بهما. وقد توفي السعيد وهو في السجن، اما القافلة الثانية من الشهداء (21 شهيدا) فقد واجهت الشهادة في السادس من ايار عام 1916 وضمت عددا من رجالات المؤتمر العربي الاول كما ضمت عددا من الفلسطينيين بينهم علي عمر النشاشيبي (القدس) وسليم الاحمد عبد الهادي، ومحمد الشنطي (يافا)، وكانت التهمة هي العمل من اجل استقلال سوريا وفلسطين والعراق عن الدولة العثمانية.

وعلى اثر اعدام الشهداء دوت صيحات "طاب الموت يا عرب" مما دفع الشريف حسين الى التعجيل في اعلان الثورة ضد الاتراك، وكان ذلك في الخامس من حزيران 1916 (وهذه المعلومات من كتاب د. عبد الوهاب الكيالي – تاريخ فلسطين الحديث ص 77)، وعلى الرغم مما سبق ومن التزامات بريطانيا امام الشريف حسين دخلت بريطانيا في مفاوضات مع الحكومة الفرنسية وروسيا لاقتسام مناطق النفوذ في الولايات العربية الخاضعة للاستعمار التركي ضاربة عرض الحائط بالالتزامات والوعود التي قطعتها حول الاعتراف بالاستقلال العربي في تلك المناطق، وفقط بعد ثلاثة اسابيع من اطلاق الشريف حسين بن علي الثورة العربية في الخامس من حزيران عام 1916 ابرمت بريطانيا وفرنسا وروسيا اتفاقية سرية دعيت باتفاقية سايكس – بيكو، فاوض خلال هذه الاتفاقية الانجلو – فرنسية اواخر عام 1915 واوائل 1916 السير مارك سايكس عن بريطانيا وفرنسوا جورج بيكو عن فرنسا.

كان سايكس نائبا محافظا بريطانيا ترقى في المناصب حتى وصل الى موقع ذي تأثير هام في سياسة بريطانيا فيما يتعلق بالشرق الاوسط، بينما كان بيكو دبلوماسيا وقنصلا سابقا في بيروت، حددت هذه الاتفاقية محاولات النفوذ والسيطرة غرب آسيا في حال نجاح التحالف الثلاثي في هزيمة الامبراطورية العثمانية.



ويأتي الآن ويحلم ويطالب بإعادة الحكم العثماني على دول المنطقة ويدعم سياسات اردوان حليف الامبريالية الامريكية وعضو الناتو ضد سوريا الوطن والشعب. وما جرى في الماضي ونعني استعمار فلسطين الكولونيالي واقامة دولة اسرائيل كقاعدة امامية للامبريالية العالمية في المنطقة والتي تمارس (أي إسرائيل) ابشع سياسات غطرسة القوة ضد شعوب المنطقة والداعمة المطلقة لسياسات الامبريالية العالمية من اجل فرض الهيمنة الامبريالية الامريكية على المنطقة، وما جرى ويجري الآن من احداث مثل غزو العراق والحرب على اليمن والمؤامرة على سوريا، ما هي الا من مكونات ومركبات هذه المؤامرة الامبريالية العالمية الصهيونية التي ابتدأت منذ وعد بلفور، لذلك لا يمكن ان اقبل بما يقوله البعض بان وعد بلفور عبارة عن "قصاصة ورق غيرت التاريخ" لأنه جزء من مؤامرة امبريالية صهيونية يضاف اليها الآن رجعية عربية – مكونات الثالوث الدنس - ضد شعوب المنطقة.

ولذلك من يقرأ كتاب وليام غاي كار "احجار على رقعة الشطرنج" والذي يحتوي على مواقف كثيرة اوافق عليها، ومواقف اخرى ارفضها، يرى كيف تم بيع فلسطين لكي يصبح مصطلح "وطن قومي (ورد في نص بيان بلفور باللغة الانجليزية NATIONAL HOME) شركة لا بل قاعدة صهيونية امامية لخدمة الامبريالية العالمية قاعدة عنصرية شوفينية كولونيالية في منطقة الشرق الاوسط. وهنا لا بد وان نذكر بان هذا المصطلح، وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، لم يتم تحديد حدود هذه الدولة، وقد اكدت الحكومة البريطانية في ذلك الوقت بان عبارة في فلسطين"، تشير الى ان الوطن القومي اليهودي المشار اليه لم يُقصد ان يغطي كل فلسطين، وكذلك اضيف الجزء الثاني للوعد والذي يقول بان هذا الوعد لن يؤتي بعمل من شأنه ان يغير الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق والوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الاخرى". هذه الصياغة صنفت الشعب العربي الفلسطيني الذي يشكل اكثر من 90% من سكان فلسطين في ذلك الوقت على انهم "طائفة غير يهودية" يجب احترام حقوقهم المدنية والدينية، ومن الجدير بالذكر ايضا عدم وجود أي اشارة حول حقوق العرب القومية وحق تقرير المصير. ولم يذكروا بوضوح كلمة الشعب العربي الفلسطيني المتجذر في الوطن الفلسطيني منذ آلاف السنين، وهذه الاضافة حول حقوق "الطائفة غير اليهودية" جاءت لمنع تشجيع معاداة السامية الموجهة ضد اليهود في جميع انحاء العالم، فالفكر الصهيوني يخلق ويؤسس مفاهيم معاداة السامية. وفي النهاية الصهيونية ومعاداة السامية وجهان لعملة واحدة وهنا علينا ان نذكر بان الحكومة البريطانية قالت عام 1939 انه كان من المفترض اخذ آراء السكان المحليين بعين الاعتبار واعتراف الحكومة البريطانية عام 2017 بانه كان ينبغي ان يدعو الاعلان – أي اعلان بلفور – لحماية الحقوق السياسية للعرب الفلسطينيين، لا تجعل بريطانيا الامبريالية بريئة او غير مرتكبة لجريمة تاريخية وشريكه في ارتكاب نكبة الشعب العربي الفلسطيني ولذلك على الامة العربية والشعب الفلسطيني الاستمرار في النضال والكفاح والعمل السياسي اليومي والاستراتيجي لفرض الاعتذار للشعب الفلسطيني من قبل بريطانيا والعمل على استرداد حقوقه القومية العادلة وحقه في تقرير المصير.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World