انتفاضة تغيير النظام لا حركة تنفيس

تيسير عبدالجبار الآلوسي
tayseer54@hotmail.com

2019 / 11 / 1

مقتبس” انتفاضة أكتوبر العراقية: لا حركة تنفيس ولا حيص بيص حيرة و-أو تردد وتلكؤ بل انتفاضة تغيير وتقرير المصير”

عندما انطلقت انتفاضة أكتوبر العراقية مطلع الشهر، لم تستأذن أحداً في منهج تعبيرها السلمي عن هدفها الجوهري الذي لخص موقفا شعبيا نهائيا حاسما تجاه نظام الطائفية الكليبتوقراطي وألاعيبه طوال أكثر من 16 سنة عجافاً. لقد تحركت الشبيبة بتنظيم تنسيقياتها بصورة مستقلة رفضت كل أجنحة السلطة المافيوية الفاسدة ومنظومتها القيمية، وأكدت رفضها وجود أحزاب النظام جميعا بلا استثناء…

إنّ منطق التغيير القائم على إسقاط (نظام الطائفية الكليبتوقراطي) لا معنى له سوى إزالة آليات نظام مافيوي وأذرع ميليشياوية فاشية الأداء دموية الطابع همجية ظلامية الفكر و ((استعادة الوطن)) المنهوب والوصول إلى نظام يلبي خيار الشعب في تقرير مصيره، خياره في دولة ((علمانية ديموقراطية)) لا تتحكم بها إرادات وقوى محلية فاشية الطابع تمثل الامتداد لأنظمة وأجندات ليس بينها ما يستجيب لأجندة المواطن والوطن…

لقد مضى على الحراك الشعبي ما مضى على سنواتٍ جرى فيها السير بعكس اتجاه المواطن وتطلعاته.. وطوال أشكال الحراك المطلبي الحقوقي لم يجرِ الاستجابة الفعلية لتلك المطالب بل جرى تكريس نظام كليبتوقراطي بتخندقات طائفية تجتر منظومة قيمية من زمن غابر أغبر لتفرضها على الشعب عبر أضاليل ومنطق خرافة لم يكن لينتشر ويتفشى وبائياً لو لم يجر تخريب التعليم وحرمان المواطن من أبسط شروط الاطلاع على المعارف والثقافات مع أنه سليل الحضارة ومهد التمدن الإنساني…

وفي آخر محاولات الشعب في انتفاضة 2015 جرى الاختراق بتكليف جناح من السلطة ليمارس دوره التضليلي وسط جمهور الفقراء وليحركهم بطريقة التنفيس عبر وقفات ممنهجة أسبوعيا بمقاسات وآليات أداء تمنح فرصة تفريغ شحنات (الغضب) لكن بعيدا عن التأثير في سلطة تمترست خلف عنف ميليشياوي تمّت شرعنته وفرض إرادته على مفاصل الدولة جميعاً!

لهذا السبب وصل الشعب لقناعة أن كل الترقيعات المسماة (الإصلاح) لم تعد الآلية المناسبة لتحقيق مطالب الشعب فسياسيا وفي إدارة الدولة باتت (استبدال) وجوه المتنفذين مجرد إعادة انتشار لقوى الطائفية المتحكمة برقاب (العباد) وفيما يُمنح الفاسد فرص الرحيل والاستمتاع بالثروات المنهوبة يأتي فاسد آخر تحميه سلطة المال السياسي الفاسد بتقاسم ومحاصصة لما يسمونه الغنيمة، وبات المواطن نفسه جزءا من تلك الحصص المغنومة كرها من سلطة الفساد بعدما تم استيلاد طبقة الفساد (الكربتوقراط)…

القضية ليست استغلالا عابرا بنسبة فساد متعارف عليها دوليا بين 5% و15% ولكنها نظام فساد مطلق الآلية بمنظومته القيمية التي (استعبدت) المواطن وسلبته الحرية في وجوده الإنساني! وهكذا باتت المشاغلة لإبعاد فرص التغيير تتبدى بصيغ اختلاق التخندقات الطائفية وحروبها وبعبع من هذا وآخر من ذاك ولكنها جميعا بررت لاصطناع ميليشيات وعصابات الاختطاف والاغتصاب والاغتيال والتقتيل الجماعي بصيغ الإبادة وما وقع من الدواعش وقع من المواعش فالطائفي يصل حدا لا يمكنه أن يضلل أو يفرض وجوده إلا بالعنف المسلح وهو ما جرى ويجري في البلاد…

من هنا فإن الوضع جوهريا واستراتيجيا لم يعد يقبل حديثا عن تظاهرة مطلبية هنا أو أخرى هناك لا بشؤون خدمية اقتصادية ولا بشؤون سياسية ولكنه أي الوضع العراقي العام بات مأزوما بطريقة مستغلقة لا أمل في أفق انفتاح لتغيير ما لم تجرِ انتفاضة شعبية بهدف لا يقبل حوارا أو تفاوضا سوى على مطلب إسقاط السلطة الطائفية الكليبتوقراطية بطابعها الفاشي الميليشياوي وترتيب مرحلة انتقالية بحكومة إنقاذ وطني تعد الظروف بإشراف دولي لإشادة نظام الدولة العلمانية الديموقراطية..

والأمر هنا يتطلب أحكام طوارئ تفرض الإقامة الجبرية على أركان السلطة وتمهد لمقاضاتهم وطنيا بمساعدة المحكمة الجنائية الدولية بما يساعد فعليا على استعادة الثروة الوطنية المنهوبة بمئات المليارات دع عنك ما هو أضخم من هدر ومن ثروة بشرية تم تصفيتها بدم بارد!!

إن أي طرح دعا ويدعو لوقفات (أسبوعية) لا يصب إلا في إطار تحجيم الحراك الشعبي وتعليبه بأطر تخدم إدامة النظام. فالوقفات الأسبوعية باتت صيغ تنفيس عافتها النفس العراقية الأبية ودانتها سياسيا وتركتها لبعض من بقي يتوهم الدور القيادي لحركة الشعب الموجودة بمنطقة أخرى بعيدة عنه وعن تحالفاته التي خدمت النظام وشرعنته..

إن النزهات الأسبوعية التي بدأت بالسماح لأجنحة الطائفية بالتشارك مع قوى الشعب بالتظاهر لم تكتفِ بالتسليم للعبة دفعت قوى الشعب للانسحاب وأبقت على عناصر مهووسة بأضاليل بعينها بل كرست لدى بعض تلك العناصر وهم التنظير باتجاه فضحته وأسقطته انتفاضة أكتوبر العراقية..

من هنا فإن الحديث عن الانتفاضة لا يكتمل ولا يتضح إلا في ضوء الاعتراف بالآتي لها:

استقلالية الانتفاضة عن كل أجنحة النظام وأحزاب تكلست في طروحتها التي باتت مجرد أوهام وانزلاقات لمجاملة سلطة على حساب المبادئ

الهوية العراقية للانتفاضة باكتناز الروح الوطني ورفض بل إسقاط الاصطفافات الطائفية وبالعمق الشعبي الجماهيري وهنا لابد من التوكيد على أنها بوقت كانت تضم فقراء الوطن فإنها كانت تضم أيضا أبناء الوطن من طبقات مختلفة في ظل انتفاض العقل العلمي بطبقته المتوسطة وفئات البرجوازية الصغيرة والرأسمال الوطني اللتان جرى سحقهما بنهج إعدام الاقتصاد وتحويله إلى اقتصاد ريعي؛ طفيلي الأداء تسطو عليه المجموعات المافيوية اللصوصية..

إن وجود الشبيبة في سوح النضال السلمي الوطني يؤكد على التوحد والالتفاف حول هدف نبيل سامٍ واحد وحيد هو ((تغيير نظام الطائفية الكليبتوقراطي)) بصيغة تعبير أطلقتها الجموع المنتفضة ((الشعب يريد إسقاط النظام)) وهي تدرك بهذا الهتاف وبجهودها الاستراتيجية الكبرى أن تحقيق ذلك دونه التضحيات الجسام والتمسك بالهدف وعدم التراجع حتى تحقيقه وإن جاء بجولات كما في جولة جرها النظام إلى بحار من دم بمئات الشهداء وآلاف الجرحى والمصابين..

ستبقى خطى الانتفاضة متمسكة بالهدف الاستراتيجي ولن تقبل التشتت والتنازل عن الهدف.. وما ينبغي يكمن في المؤتمر الوطني الذي يضم القوى التنويرية باستراتيج موحد هو قاسم شعبي مشترك بالاستناد إلى العقل العلمي العراقي ونخبة الخبراء في ميادين التقدم وبناء الدولة الحديثة.



إن طرح الانتفاضة يتركز بالآتي بين قسمين الأول يتركز في إسقاط منظومة الحكم الطائفي وتفكيكها والثاني في المجيء ببالبديل العلماني الديموقراطي والتحضير لبناء أسس دولة علمانية ديموقراطي وهو المتحقق في:

إعلان استقالة الحكومة وحل مجلس النواب.
تشكيل مجلس وطني انتقالي لا وجود لأي من أطراف النظام فيه.
حل الميليشيات وحصر السلاح بيد جيش وطني بعقيدته العسكرية وممارساته المحكومة بميثاق وطني وبمهام حماية السيادة والحدود حصرا.
إقامة جبرية وحجز عناصر النظام ومحاكمتها لاستعادة (كل) الأموال المنهوبة,
تعطيل الدستور وإعلان اتفاق مبادئ وطني وميثاق عمل لمرحلة انتقالية جوهره منهجاعلمانيا ديموقراطيا
تشكيل حكومة لمرحلة انتقالية بين سنتين إلى ثلاث سنوات وتتركب من أطراف عسكرية وكفاءات تكنوقراط تنويرية المنهج.
إطلاق مشروع إعمار البلاد وتحريك عجلة الاقتصاد وبناء الركائز الاستراتيجية.
توفير الموازنات الكافية للصحة والتعليم والخدمات.
وضع استراتيجيات وطنية لمكافحة الفقر البطالة الأمية والشروع ببتلبيتها.
حظر أي شكل لأنشطة رجال الدين بالميادين السياسية أو البعيدة عن الطابع الديني البحت بفصل الدين عن الدولة والسياسة كليا ونهائيا وفرض الرقابة الحكومية الرسمية على الأوقاف والأموال والأنشطة المخصوصة.
إن هذا التصور لقراءة الانتفاضة لا يحصر الإنجاز بحدود زمنية تسبق فرض إرادة الانتفاضة وطنيا بالتحديد في مجال إسقاط السلطة السياسية واستبدالها حيث المجيء بسلطة وطنية انتقالية..

ولا تساورنا أية أوهام أن ذلك قد يتطلب صفحات أخرى من الانتفاضة لكنها ستكون أقصر حيثما استطاعت القوى التنويرية عقد مؤتمرها الوطني تتويجا للحراك وتحويلا له إلى ثورة فعلية تُحدث التغيير المنشود..

إن وجود المجلس الوطني لتمثيل قوى التنوير استكمال جوهري تأسيسي وقوة للحوار مع القوى الدولية والأممية التي ينبغي جذبها لدعم العراق الجديد وسلطة التنوير والحداثة التي تُنهي مسلسل نشر الخرافة وفساد من وراء منهجها السياسي الاجتماعي.

خلا ذلك

سنمر بمجزرة - مذبحة جديدة ودوامة عنف همجية دموية وإبادة للعراقيين واستعباد وإذلال يجتر قوانينه من الزمن الغابر الأغبر فهلا تمعنا وتبصرنا واتخذنا القرار!!؟

ذلكم يعتمد على تقدم قوى التنوير وقياداتها بمثل التقدم الذي أشهرته الانتفاضة وقواها من الشبيبة الواعية

انتفاضة تحقق السلام والتقدم أو انتكاسة تأسر الجميع وتضعهم بحمامات الدم والعبودية

فماذا نختار؟

فذلكات من يكتب خلف أسوار الوهم أم من خط طريق الحرية بدمه؟ أن نختار الانتفاضة يعني أن نقرأ المجريات بخروج لا عودة فيه إلا بانتصار نهائي حاسم ومن سينكفئ على التنفيس فإنه سيختار لنا حمامات الدم بوعي أو من دونه ومن دون إرادة القرار!!!

انتفاضة أكتوبر العراقية: لا هي حركة تنفيس ولا حيص بيص حيرة و-أو تردد وتلكؤ بل انتفاضة تغيير وتقرير المصير



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World