عودة إلى ذاكرة سنوات الرصاص بالمغرب: ذاكرة امرأة سبب لها جمالها الانتهاك والهلاك.

لحسن ايت الفقيه
aitelfakih_lahcen@yahoo.com

2019 / 9 / 17

إن كنت تحسب أنك ببوحك بما يخالج نفسك، وأنت شاهد على الحدث، أو أنك بشهادتك ستعمق جروحك فإنك تلامس الذاكرة، ولا تبتغي الخبرة في صناعتها. صحيح أن لا معنى للذاكرة في وقت تصادف فيه أساتذة التاريخ لا يميزون بين التاريخ والذاكرة. لكن الذاكرة لا تحب أن ترسو على الكتمان، لا بد أن يأتي يوم يميل فيه الشاهد على الحدث، أن كان ضحية، أو كتب له أن يصاحب ضحايا الحدث، إلى خدمة التاريخ. وحينما تصادف شخصا لا يحب أن يموت وتقبر أفكاره وذاكرته، لا بد من الوقوف للتدوين. ذروني أعرج إلى شاهد عيان، صديقي زايد وحرفو، يعيش بقرية سونتات بقلب جبال الاطلس الكبير المغربية، تابعوا معي القصة منعرجاتها:
«لا أريد أن أفصح عن كل شيء لأني، في ذلك، أعمق جروحي، وأجعل الداء عياء»، بهذا التصريح يكون صديقي زايد وحرفو، قد رفض أن يقول كل شيء، عن أخته فاضم وحرفو «Fadma Ouharfou»، التي اختطفت في أوائل شهر مارس من العام 1973. كان هذا هو موقف زايد قبل 11 سنة، وقد قطع على نفسه أن يموت حملا جروحه، إذ لا يحب أن ينفث عليها الملح. وأمام إصرار الصديق زايد على الكتمان طلبت منه أن نجعل من أنفسنا بشرا يخدم التاريخ. لذلك سنسجل الحقيقة في شريط صوتي، قد يحتفظ عليه الدهر بالتأكيد، وقد يأتي يوم سيعثر عليه من يهتم بإحياء الذاكرة، وكتابة التاريخ. هنالك سجلت تصريحه بالغة الأمازيغية، وحينما عثر الصديق زايد على صورة أخته، صدفة، رغب في ذكر كل شيء. وقبل ذلك، لا بد من احترام التتبع الكرونولوجي لمسار إنسان قد يكون جماله قد جرّ عليه الويل. ذروني أعود إلى الضحية فاضم وحرفو «« Fadma Ouharfou .
فاضم وحرفو، ابنة المقاوم موحى وحرفو، امرأة من عشيرة ايت عتو وعمرو، التابعة لقبيلة أيت يعزة الحديديوية. تنتمي إلى قصر (دوار) السونتات، الكائن على الضفة اليسرى لواد أسيف ملول، بجماعة بوزمو القروية، دائرة إملشيل الإدارية، إقليم ميدلت (حاليا)، جنوب شرق المغرب. ولدت سنة 1934، وتزوجت بالهالك (المتوفى) زايد أوبا الذي توفي في بحر سنة 2009. قالوا عنها، إنها امرأة جميلة مكتنزة الوجه متوسطة القامة، لم تنجب الأولاد، وقد حق قولهم وثبت بعد العثور على صورتها، يوم الإثنين 09 من شهر شتنبر من العام 2019
اعتقلت فاضم وحرفو في شهر مارس سنة 1973، لما اكتشف المرحوم سعيد أوخويا المبحوث عنه في أحداث 1973، في منزلها، فزعم، بالحق أو بالباطل، وقد حمل معه ذاكرته معه، أنها هي التي أدلت رجال الدرك على مكان وجوده، فاتهمها بأنها هي التي كانت تمونه هو ورفاقه المعتكفون بالجبال المجاورة، ويبد أن هذا الكلام هراء. قالوا، أيضا، إن فاضم وحرفو عذبت يوم ألقي القبض على أؤلئك الذين صنعوا حدث التمرد على السلطة المركزية وقتها، عُذبت بمقهى أحد الأشخاص اسمه «بارو» بمركز بوزمو، ومكثت في هولها لمدة ثمانية أيام، وبعد ذلك نقلت إلى محتجز إلى الكوربيس، ومنه رحلت إلى محتجز درب مولاي الشريف، بالدار البيضاء ثم إلى مركز أكدز [بكاف معطشة] السري، بإقليم زاكورة، بعد فتحه سنة 1976.
مكثت فاضم وحرفو بمعتقل أكدز [بكاف معطشة] غير بعيد ثم توفيت يوم 20 دجنبر سنة 1976، ودفنت بمقبرة أكدز. وفي سنة 1998 نشروا إشاعة مفادها أن فاضم وحرفو موجودة بالرباط تائهة بشوارعها لإصابتها بالجنون، مما دفع أخاها زايد وحرفو أن يسافر بحثا عنها، ومكث طويلا، يقضي لياليه، بحي يعقوب المنصور والقامرة وبعض أحياء سلا. ولما تأسست هيئة التحكيم المستقلة، يوم 16 من غشت سنة 1999، تبين أن فاضم وحرفو توفيت ودفنت بمقبرة أكدز[بكاف معطشة].
وللحفاظ على ذاكرتها، وتنفيذا لما ضمن في مخطط كانت أعدته تنسيقية جبر الضرر الجماعي بالرشيدية يوم 22 من شهر أبريل من العام 2008، واستجابة لطلب شبكات الجمعيات التنموية لواحات الجنوب الشرقي، في إطار مشروع حفظ الذاكرة ومصالحة نساء السونتات، الذي يعرف اختصارا ب SMR femmes، قامت وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي المغربية، وقتها بإطلاق اسم فاضم وحرفو على مجموعة مدارس أيت علي ويكو، بجماعة بوزمو، بدائرة إملشيل الإدارية. وقد تبينا من ذلك من خلال مراسلة إخبارية كانت وجهتها نيابة وزارة التربية الوطنية بالرشيدية إلى المؤسسات التعليمية بتاريخ 08 يوليوز 2009 تحت رقم 1467، مرجعها القرار الوزاري رقم 189/09 بتاريخ 18 يونيو 2009. لكن نيابة التعليم لم تنفذ الأمر، ولم تجتهد المديرية الإقليمية للتعليم بميدلت، [هكذا تسمى نيابة التعليم]، بعد إحداث إقليم ميدلت، في تدارك الأمر، ولم تحترم ذاكرة فاضم وحرفو.
وعن قبر فاضم وحرفو جرى التفكير في تهيئته بالمقبرة التابعة للمعتقل السري أگدز [بكاف معطشة]، منذ يوم 23 من شهر دجنبر من العام 2009، إلا أن الانطلاق الفعلي كان في بحر سنة 2014. وفي يوم 31 من مارس من العام 2017 كان تدشين مقبرة أكدز [بكاف معطشة] بعد ترميمها، بحضور السيد محمد الصبار الأمين العام للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، وقتها. ولقد لعب السيد عبد الرحيم شهيد رئيس المجلس الإقليمي لإقليم زاكورة دورا فائقا في هذا العمل الذي يخدم الذاكرة. ذلك ما رُسم حول ذاكرة فاضم وحرفو، وما جمعناها، في عملية تتبع شأن الذاكرة والتاريخ بجنوب شرق المغرب.
ما هو الجديد في قضية فاضم وحرفو؟
إن ما جدّ في قضية فاضم وحرفو، بادئ بدء، أنها لم تكن من بين ضيوف مقهى «بارو»، ولم تُعذب هناك، لأن الدركي المكلف بالقبض على المتمردين، أو بالأحرى المنخرطين في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وقتها، وهو الملازم (ب. براهيم) كان يصاحبها معه طيلة أيام بحثه عن المتهمين. قضت معه ثمانية أيام، وخوفا من انكشاف أمره صدّرها مختطفة متهمة منفية إلى محتجز الكوربيس ثم إلى محتجز درب مولاي الشريف، واستقبلها السجن السري أكدز[بكاف معطشة] بعد فتحه، وطاحت يوم 20 من شهر دجنبر من العام 1976.
وأما ما جد في الثاني، تلك الرموز التي يحملها جسمها، وهي كالتالي:
- الشمس: تحمل المرحومة فاضم وحرفو رمز الشمس في وشمها. ويكاد رمز الشمس يتراءى في الوشم مختزلا في ثلاث نقط. ورغم أن الشمس قوة قاسية، فهي رمز الحياة. والشمس معبود أمازيغي قديم.
- المعين: المعين رمز المرأة، وكلما أشرنا إليها في الرموز القديمة نستحضر الخصوبة واستمرار الحياة وجمالها.
- الحمل: إنه رمز القوة والطبيعة، ورمز إله أمون الذي اتخذ له بمعبد سيوة المصرية. وباب الحمل ذبحة طقسا أساسيا ليلة الدخلة.
- النجم: تحمل السيدة فاطم وحرفو رمز النجم، الشعرى اليمانية (Sirus).
إنه لفصل من فصول ذاكرة سنوات الجمر والرصاص بالمغرب، والتي يمثلها إفريز زماني يمتد من سنة 1957 إلى يوم 16 من شهر غشت (آب) 1999. وقد يظل مرتاد الديموقراطية وحقوق الإنسان في المغرب متجولا، عبر الزمان متذكرا هذه الفصول مجيلا ببصره في مواضع الذاكرة. ولن تأخذ العدالة الانتقالية مضمونها وسلامتها بدون الوقوف عنذ الذاكرة بوجعها ووقعها. وإنه بإعادة إنشاء الذاكرة تكون الطريق نحو المصالحة المغربية قد شُقت بين المحدبات والسفوح الوعرة، سؤلا في إرساء الثقة، أو على الأقل يكون الشعار: «ألا يتكرر ما جرى»، قاب قوسين أو أدنى من التحقيق. ولئن قطع المغرب بعض الأشواط لا تزال المثبطات قائمة ولا تزال أحجار عثرة بالمسار.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World