فى مديح -مايكفى-- لا تقرءوا القشور

محمد السعدنى
elsaadani5@gmail.com

2019 / 9 / 8

الطموح مصيدة، تتصور أنك تصطاده، فإذا بك أنت الصيد الثمين. فلا سقف للطموح فى هذه الدنيا، وعليك أن تختار مايكفيك منه ثم تقول نكتفى بهذا القدر. لكن من يستطيع أن يقول لا فى الوقت المناسب، ويقاوم الشهرة والأضواء والثروة والجاه والسلطان؟ فالنجاح الكافى صيحة أطلقها "لورا ناش" و "هوارد ستيفنسون" يحذران فيها من النجاح الزائف المراوغ الذى يفترس عمر الإنسان، فيظل متعطشاً للمزيد دون أن يشعر بارتواء. إن كنت لا تصدق، فإليك بهذه القصة من حكايا وحكم الصين القديمة، حين أراد ملكاً أن يكافئ أحد مواطنيه بأن يمتلك من الأرض كل المساحات التي يستطيع أن يقطعها سيرا على الأقدام. فرح الرجل وأسرع مهرولا في جنون. سار مسافات طويلة فتعب وفكر أن يعود للملك ليمنحه المساحة التي قطعها، ولكنه غير رأيه وقرر مواصلة السير ليحصل علي المزيد، وكلما نال منه التعب وقرر العودة والاكتفاء نازعته نفسه وراح يعاود المسير، حتى وقع صريعاً من الاعياء، لكأنه المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، فقد ذهب ولم يعد ولم يمتلك شيئاً لأنه لم يعرف حد الكفاية ولم تأخذه القناعة إلى طريق قويم. مثل هذه الحكايا تتكرر كثيراً فى كتابات ومنتديات الفيس بوك والواتس آب المصرية والعربية على حد سواء، فتخلط ما لايخلط، وتجمع مالا يجمع، وتقيس المسافات أحياناً بالكيلوجرام.
للوهلة الأولى قد تبدوا لك الكلمات والحكاية مؤثرة أخاذة، لكنك بقليل من التفكر والتروى تكتشف ما فيها من خطأ القياس وفساد الاستدلال. فصاحبنا فى القصة لم يكن دافعه الطموح بقدر ما استغرقه الطمع، ولم يكن معنياً بالنجاح فى أمر يخصه كمهنة وحرفة وإبداع، إنما كان رغبة فى التحصيل والاستحواذ استغرقته حد الذهول عن جادة الهدف فلم يعرف فارقاً بين الخروج من حد الكفاف إلى حد الكفاية إلى حد الوفرة، فأخذته المغامرة إلى حد الخطر والضياع. وهو أمر لا علاقة له بالطموح الإنسانى فى الترقى والحداثة والتطور الذى تدعمه إمكانات وقدرات ورغبة فى تحقيق الذات والنجاح فى العمل والأداء والإنجاز.
المدهش فى الأمر هو رغبة العقل العربى فى المراوغة ولى عنق الحقيقة والإصرار على القراءة الخاطئة فيما يورده من أعمال وأقوال من يستشهد بهم من الكتاب الغربيين، فيأخذ عنهم القشور دون إعمال فكر فى المحتوى والمضمون. فعندما رجعت إلى أصل كتاب "لورا ناش وهوارد ستيفنسون" الأستاذين فى كلية هارفارد للأعمال والصادر عن مؤسسة جون ويلى للنشر 2004، وتصفحته عن طريق "أمازون" وجدت أنه يقدم نظرة كاشفة وقائمة على الأبحاث حول الطبيعة الحقيقية للنجاح المهني ذو المعنى وكيفية المضي قدماً في تحقيقه، ومساعدة الناس في كل مكان على العيش حياة مجزية ومرضية دون ضغوط أو هوس الطموح المتزايد، وبطريقة قوية وملهمة من القيم وتحقيق الذات، والأداء العالي والإرث الخاص توفر مورداً جديداً عميقاً للقيادة في كل مكان"، وهو أمر يختلف عما ورد فى قصتنا عن "النجاح الكافى" الذى يخاصم الطموح فى الترقى وجودة العمل والإنجاز. وهو لايقصد أنه يكفيك تحقيق نجاحاً لتتوقف عن الطموح، إنما يقصد ألا تصبح مهووساً بالطموح فتهمل حياتك الإنسانية. وهو لايربط الطموح بالطمع، إنما يربطه بما يدعمه من أسس وقدرات وإمكانات، حيث العديد من مشاكل النجاح اليوم يمكن إرجاعها إلى التوقعات والمفاهيم الخاطئة غير الواقعية حول ماهية النجاح وما الذي يشكله. وهذا واضح من عنوان الكتاب " “Just Enough: Tools for Creating Success in Your Work and Life
وأنا أترجمه بطريقتى: " فى مديح مايكفى – أدوات لتحقيق النجاح فى حياتك وعملك" بينما يترجمه الآخرون "النجاح الكافى" ويكرسونه ربما عن غفلة أو سوء قصد لضرب الطموح و "بارك الله فيما رزق" وهو أمر لايتمناه لنا إلا من بيت شراً أو ممن حسنت نيتهم من الحمقى والمغفلين. وفى تقديرى فإن الطموح لايكون مصيدة إلا فى مديح مايكفى، فلا تقرءوا القشور



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World