يويمات شهيد

لؤي الشقاقي
SUSUMY85@YAHOO.COM

2019 / 2 / 6

لقد توفيتُ منذ قليل ولا اعرف كيف انتقلت لهذا العالم بتلك السرعة فلم احسُ بشيء سوى اني اطير في الهواء بعدها سمعت دوي انفجارٍ هائل ودخان كثيف ونار تتصاعد وصراخ اصدقائي وهم يستنجدون بالاسعاف لكي تسرع ،احسست بثقل في جسدي وبرودة كاني اسبح في بركة ماء قرمزي اللون والكل من حولي يحاول انقاذي ..انقاذي ؟؟ مم فإنا مرتاح مع مجموعة من الملائكة و آخرين لا أعرف من هم يلبسون جلابيب بيض مخضبة بالحناء، توسلتُ بهم أن يعيدوني إلى الحياة من أجل زوجتي التي لا تزال صغيرة و ولدي الذي لم ير نور الحياة بعد، ولكن اتتني الاجابة بأني قد استشهدت دفاعاً عن وطني ولا رجعة لي، لقد كانت زوجتي حاملاً في اشهرها الأولى، مرت عدة دقائق أخرى جاء أحد الملائكة يحمل شيئاً يشبه شاشة تلفاز، أخبرني أن التوقيت هنا يختلف كثيراً، الدقائق هنا تعادل الكثير من الأيام هناك، قال: تستطيع أن تطمئن عليهم من هنا، قام بتشغيل الشاشة، فظهرت زوجتي مباشرةً تحمل طفلاً صغيراً، الصورة كانت مسرّعة جداً، الزمن كان يتغير كل دقيقة،رأيت كبار الضباط وقيادات الدولة ينعمون ويعيشون برفاهية لم احلم بمثلها ولم ارها الا في الجنة ، ورأيت زوجتي وكم كانت تتعذب كلما ذهبت لأكمال اجراءات عدي شهيدا وتجاهد لكي تحصل على قطعة ارض مكافأة الشهادة، رأيت كم كانت الحياة صعبة وقاسية وحزينة لا يكسرها الا فرحي بابني الذي يكبر و يكبر، كل شيء يتغير، استطاعت زوجتي اخيراً أن تحصل على راتبي التقاعدي، دخل ابني المدرسة، تزوج اخوتي الواحد تلو الآخر، واستغربت انني رأيتهم جميعاً الا امي، أصبح للجميع حياته الخاصة، مرت الكثير من الحوادث، و في زحمة الحركة والصور المشوّشة، لاحظت شيئاً ثابتاً في الخلف، يبدو كالظل الأسود، مرت دقائق كثيرة، ولا يزال الظل ذاته في جميع الصور ، كان هذا الظل يبكي فأبكي معه ، ومرت سنوات والظل يصغر و يخفت، خمسة عشر عاماً ولازال الظل يبكي فيبكيني، ناديت على أحد الملائكة، توسّلته أن يقرّبه لي حتى أراه جيداً، لقد كان ملاكاً عطوفاً فعرض المشهد بذات التوقيت الأرضي الذي استشهدت فيه، كنت لا أزال هناك قابعاً في تابوتي الخشبي الملفوف بالعلم الوطني، والناس من حولي في وضع هستيري، ورأيت اخيراً هذا الظل ولم يكن سوى أمي وهي جاثية فوق التابوت صامته لاتبكي، لم تحتمل الدنيا بعدي فلحقت بي، ماتت منذ ان سمعت خبر استشهادي، وإجلت ميتتها حتى تحتضن التابوت وتتخضب بدمي.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World