اسلام السيسي واسلام شيخ الازهر

رفعت عوض الله
refaat.awadalla@live.com

2018 / 12 / 8

في كلمته التي القاها في الاحتفالية بالمولد النبوي الشريف قال الرئيس السيسي ان الله بعث محمدا رحمة للعالمين ، وهذا يعني الحرص علي إرساء مبادئ وقواعد التعايش السلمي بين البشر ،وحق الناس جميعا في الحياة الكريمة دون النظر إلي الدين او اللون او الجنس .
هنا السيسي يدعو لإسلام متصالح مع العصر وحقوق الإنسان ،وبرؤية ان الإسلام دين ، ودين فقط وليس دينا ودولة . الدين علاقة خاصة بين الانسان الفرد وربه ،تدفعه هذه العلاقة إلي ان يعيش مع الاخرين المختلفين عنه دينا في سلام في إطار ان من حق الجميع ان يعيشوا في كرامة بغض النظر عن التمايز العقيدي او العرقي او الجنسي .
فأذا كان هذا هو نهجنا في فهم الإسلام لأنتفي الإرهاب والتطرف والتشدد ورمي الاخرين المختلفين بالكفر او الشرك واستعداء المسلمين عليهم .
ولكي نصل لهذه الغاية المرجوة علينا ان نعيد قراءة التراث وغربلته والنظر إليه من خلال مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان وقيم الحداثة وحرية الانسان فنسقط منه المفاهيم والتصورات الماضوية العنصرية التي لا تحتمل التعدد والاختلاف ،والتي تنظر للاخر المختلف علي انه مشرك او كافر قتله واجب شرعي او علي الأقل إذلاله والتنكيل به وتجريده من كافة الحقوق .
ولكي نجد اماما اوشيخا او متخصصا في الدين يستطيع ان يبث هذا المفهوم المتصالح مع العصر للإسلام علينا ان نعد ونربي دعاة مثقفين بمعني اطلاعهم علي كافة التخصصات فيصبحون ملمين بالفلسفة وعلم النفس والاجتماع والاقتصاد والقانون ،فضلا عن تذوقهم للفنون والأداب مما يسمو به وبملكاته فيترفق ويتخذ جانب اللين والرحمة في عظاته وفتواه ويبتعد عن التشدد والغلو والتطرف والفهم الحرفي للنصوص .
هذا هو الإسلام الذي يدعو له الرئيس السيسي .
في مقابل هذا الإسلام المبتغي والمرجو يقف علي النقيض منه الإسلام الذي يمثله الشيخ احمد الطيب شيخ الجامع الازهر ورأس مؤسسة الازهر الدينية ،ومعه مؤسسة الازهر علماء وشيوخ وأئمة ومعاهد وجامعة الازهر .
في كلمته بنفس المناسبة " الاحتفالية بالمولد النبوي الشريف " شدد شيخ الازهر علي أهمية السنة النبوية المشرفة ووصفها بأنها تمثل ثلاثة ارباع الإسلام مما يعني ان القرآن الكريم الذي هو كتاب الإسلام يمثل الربع فقط من الإسلام ،وهذا يعني ان السنة مقدمة علي القرآن فهي وفقا للشيخ الطيب تمثل ثلاثة ارباع الإسلام .
والسنة هي مجمل احاديث واقوال وسلوكيات الرسول الكريم .. ولكن كيف وصلت وانتقلت من جيل لجيل عبر تاريخ الإسلام والمسلمين ؟ الرواية الشفاهية تناقلتها السنة الرواة ،من وعن ....ولكن هل نستطيع ان نثق في دقة وصحة روايات تناقلتها مئات بل الاف الالسنة عبر الزمان والمكان ؟ العقل يقول بالشك في صحة الرواية وتعرضها للحذف والإضافة ،بل ان الخلفاء طلبوا من الفقهاء تأليف احاديث ونسبتها للنبي الكريم تبرر افعالهم وتسوغ أهدافهم السياسية ...... فضلا عن الكتب التي جمعت احاديث الرسول الكريم مثل صحيح البخاري وصحيح مسلم وغيرهما شملت آلاف الاحاديث فهل يمكن نسبة الاف الاحاديث للنبي ؟ وهل كان الوقت والزمن يسمح له بأتيان الالاف المؤلفة من تلك الاحاديث ؟
الرسول كان قائدا دينيا ورجل يدير دولة ويحل مشكلات الناس فمن اين له بالفراغ حتي تصل احاديثه إلي هذا العدد الضخم !
وحين ندرس بعقولنا الناقدة الاحاديث المنسوبة للنبي الكريم نجد الكثير منها يجافي العقل والمنطق ،ونجد الكثير منها يحض علي قتل المختلفين ونعتهم بالكفر والشرك مما يتناقض مع كون الرسول الكريم مبعوث الرحمة للناس لكل الناس .
لا يتمسك شيخ الازهر ومؤسسة الازهر فقط بالسنة النبوية المروية عبر العصور ولكن أيضا بالتراث الفقهي الماضوي الذي انتجه المسلمون في العصور الوسطي حين كان أساس السياسة والحكم يقوم علي الدين ،وحين كان اتباع كل دين يسفهون الأديان الأخرى وحين كانت الحروب بين الدول والممالك حروبا دينية سياسية ،وحين لم يكن هناك حقوق لليهود والمسيحيين بل والشيعة في دولة الخلافة الإسلامية السنية ،وحين لم يكن هناك حقوق للمسلمين واليهود في دول وممالك الغرب المسيحي .
في ظل تلك الأجواء ظهر ما يسمي بفقه معاملة غير المسلمين وسُموا بأهل الذمة ووصفوا باهل الكفر والشرك ،وفرضت عليهم الجزية التي عليهم أدائها في مذلة وانكسار .
وتفيض كتب التراث الماضوي بقواعد مذلة مهينة لمعاملة اهل الذمة منها مثلا :لا يجوز بناء كنائس في المدن التي استحدثها الإسلام ،وما هُدم منه لايجوز ترميمه ،ولايجوز للذميين ركوب الخيل وعليهم ان يلبسوا ملابس معينة تدل علي ذميتهم واذا وقع عدوان عليهم او سلب او نهب او حرق لكنائسهم وبيوتهم فلا قانون يحميهم ولا حاكم يرد عنهم العدوان .
وكتب التراث هذه الماضوية هي الملهم والمعلم لكل تنظيمات الجهاد والإرهاب بدءاًمن الاخوان المسلمين وانتهاءا بالقاعدة وداعش فهي تطبق ما هو موجود بكتب التراث وتسعي من خلال ما تسميه بالجهاد لبعث دولة الخلافة بكل ما فيها من جهل وتخلف واستبداد وعصف بحقوق الانسان وتضاد مع العصر وقيم المواطنة والحريات والحداثة .
اتمني ان يسود اسلام الرحمة والتعايش السلمي بين البشر وحق الناس جميعا في الحياة الكريمة بغض النظر عن الدين واللون والجنس .... اتمني ان يعي الجميع ان الإسلام دين وليس دولة ، دين يكون بمثابة القناة بين الانسان وربه اما الدولة فهي نتاج العقل والإرادة والحضارة .



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World