الموجهات الفكرية في أسماء التحالفات الانتخابية في الانتخابات العراقية 2018

عباس منعثر
abbasmuna1971@gmail.com

2018 / 5 / 28

في الانتخابات العراقية لمجلس النواب العام 2018، تستوقف المرء علاقة أسماء التحالفات الانتخابية بالموجهات الفكرية التي انبثقت منها، او الرسالة التي يحاول العنوان أن يوصلها الى الناخب. ليس هناك شيء بريء من القصد او التأويل، وإن على مستوى اللاوعي. واختيار التحالفات لأسمائها يخضع الى هذه الفرضية اللابريئة أيضا.

نتيجة الى التمركز على الذات، والايمان بالخلاص الفردي على حساب الخلاص الجماعي، تشكلت نزعة محلية بدلا عن النزعة العامة، فغلب التمثيل المكاني المحدد على الفضاء الوطني العام مثل (تحالف بغداد) و (تحالف صلاح الدين). إن التحالف المناطقي كذلك، ينحصر في محليته وينفي التمثيل الشامل الى التمثيل الجزئي، وتبرز فكرة الاحتماء بالهوية المناطقية أيضا في تسميات منغلقة مثل (ديالى هويتنا، نينوى هويتنا، الانبار هويتنا).على المستوى نفسه، هناك ميل عام لإيصال فكرة مفادها أن هذه الكتلة او تلك ذات طابع وطني (الوطنية) مما يعزز من الفكرة الرائجة في العقل السياسي على العمالة عند الاخرين.

وفي الوقت الذي ينطلق الاسم المناطقي الى ناخب بعينه، ينفتح الخطاب العام الى المناخ الوطني، مثل (تحالف القرار العراقي وتحالف عراق الأرض)؛ لكنها تمثل نفياً لما هو غير عراقي، وتلمح الى ارتهان السياسة العراقية الى القرار الخارجي إقليميا او عالميا.
وتميل بعض التسميات بسبب أجواء القتال واستغلالا للتوتر العنيف على مختلف الجبهات المحلية الى استخدام المصطلحات العسكرية، مثل (بيارق الخير). فالبيرق مصطلح حربي، يتعلق بالراية او العلم، أي بالدفاع عن الوطن والانتصار له، وباقترانها بالخير تعطي انطباعين أساسيين أن الانتصار العسكري سيأتي بالخير معه أو أن الخير سيعم على يدي هذا الائتلاف. الغائب هنا أن الاخر لا يمتلك تلك البيارق، ولن يكون الخير قادما على يديه. كذلك، اعتمد تحالف (النصر) على ما تحقق من انجاز حربي على الأرض، بينما استند تحالف (الفتح) على الفتوحات الإسلامية، او الغزو تحت غطاء الإسلام. لا تخفي (الفتح) مرجعيتها الإسلامية من جهة ولا اتخاذها للسلاح او الجهاد عنوانا. إن الفصائل المسلحة قد اتخذت من الحشد الشعبي غطاءً، ومن الانتصارات التي تحققت على داعش مرجعا في التسمية، ناهيك عن الاية القرآنية (فتح من الله ونصر قريب). وفي هذه التسمية تذكير وإعادة تذكير بأننا نحن (الفتح) من فتح الأرض المغتصبة ودافع عنكم. في حين تعبر تسمية (النصر) عن الجيش النظامي الذي حارب اعداءه وانتصر عليه بقوة السلاح والنظام معا. بمعنى أنه انتصار رسمي، لا فتحاً دينيا او متشحا بدين ما.

أما (سائرون) فتتعلق بالمسير، والمسيرة، والمشي، والحركة، أي أن الطريق الذي سلكناه سابقا سنستمر في سلوكه لاحقا. والسير هو التقدم الى المستقبل والإصرار على الأهداف من اجل تحقيقها. وفيه ايحاء أن الخطوة القادمة حتمية بصرف النظر عن أي ظرف محتمل، ويحيل (عابرون) الى الاجتياز لمعوّق، والتحول من ضفة (سلبية) الى ضفة الخلاص والنجاة.

ونتيجة القناعة أن الثوب الديني والطائفي لم يعد قادرا على الحياة في المناخ الجديد، لجأت بعض التحالفات الى أسماء مدنية مثل (تمدن، التحالف المدني، الحزب المدني). ومن الزاوية نفسها تعبر (إرادة) عن العزم والمشيئة والتصميمٌ الواعي على أداء فعل معين قويّ. ونتيجة خلو الساحة السياسية من الإرادة والقوة على اتخاذ القرار او تنفيذه جاءت (إرادة) لتعلن عن هذا الغياب. وتعبر (كفاءات) عن القدرة والمؤهلات، التي تعد إحدى أهم معوقات النهوض والتقدم. وأيضا، هناك فكرة أن الرجل الكفوء لم يتسنم المكان الذي يستحقه حسب علمه ومقدرته على الأداء.

في حين، يحيل اسم (الحكمة) الى نقيضه. بمعنى أن الآخر (غير المنتمي الى حكمتنا) يفتقر الى المعرفة بالأمور في جوهرها؛ في الوقت الذي نتسم فيه نحن بالعقل والتفكير المتوازن، وكذلك يعيد الى الاذهان سلسة من الشخصيات (الحكيم) وتنتسب اليه عبر صياغة مشتركة ما بين التحلي بالعقل والرزانة من جهة او الارتباط بالمرجع الديني المعروف وسلالته من جهة أخرى.

بشكل عام، تحيل أسماء التحالفات الى ما هو غائب، الى المفتقد، والمستقبلي. بمعنى أن الحاضر يخيم عليه السلب ويغيب فيه الايجاب الذي تطمح التحالفات او توحي أنها ستطبقه إن فازت في الانتخابات. إن أي بناء سياسي ينطوي على هذه الغيابات: (الحكمة والإرادة والكفاءة والوطنية والقرار)، ومنطلقة من تمترس مكاني محدد، او تماهٍ بالحرب والعسكرة والسلاح، يعبر بشكل مجازي عن عمق الازمة الراهنة، وعن صعوبة او استحالة إنقاذ العملية السياسية من مخاطر الغرق او الفناء الماثل في الأفق.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World