مهزلة الذوق الفني في مهرجان فرق التربية الثامن 2017

عباس منعثر
abbasmuna1971@gmail.com

2017 / 4 / 14

في نسخته الاولى التي اقيمت في كركوك، كان (مهرجان فرق التربية) يبشر بخير. وبالفعل بعد دورتين أو ثلاثة تحول الى كرنفال فني مهم، لا على مستوى قسم النشاط المدرسي فحسب؛ بل على مستوى المسرح في العراق. ورغم ما رافقه منذ دورته الاولى حتى الثامنة من مؤشرات واخفاقات هنا وهناك؛ إلا أنه اصبح متنفسا ابداعيا وملتقى لتبادل الخبرات والتجارب والمعرفة.. في هذا النسخة من المهرجان تضخمت جميع العيوب السابقة وانفجرت كلها في لحظة اعلان النتائج 13-4-2017، وإليكم التفاصيل:

1- ان القائمين عليه يسنون قوانين وأعرافاً تنطبق على بعض المديريات ولا تنطبق على بعضها الآخر، وحسب العلاقات. لنضرب مثلا واحدا، هو العرض المسرحي الخاص بتربية الديوانية الذي اعتمد على اللهجة العامية بشكل يكاد يكون كاملا ولو أن مديرية أخرى استخدمت اللهجة بحدودها الدنيا لتم استبعادها من الجوائز بحجة عدم مطابقة الشروط. بمعنى أن ثمة ازدواجية في التعامل والكيل بمكيالين.

2- غياب الطابع التربوي عن بعض العروض وبخاصة عرض تربية صلاح الدين، ومستواه الفني المتدني لا يمنع من أن يحصل على احد المراتب الثلاث الاولى بسبب المحاباة. فالعرض المذكور غير قادر على الصمود امام القراءة النقدية الرصينة لانتفاء أي طابع جمالي او حتى اكاديمي، بالاضافة الى تحوله الى قالب واحد وكان فوزه صدمة بمعنى الكلمة. لكن هذا الامر ليس بالجديد، إذ أن جميع عروض تربية صلاح الدين تقريبا هي دون المستوى، ولهذا السبب ولغيره (أي التوازن السني - الشيعي) تحصل على الجوائز دائما.

3- وجود عضو في لجنة التحكيم من مديرية معينة يحتم فوز هذه المديرية بالمرتبة الاولى. كمثال، وبدون الدخول في التفاصيل النقدية التي سنتناولها في مقالة منفصلة، لم يصل عرض تربية الديوانية الى مستوى يؤهله للتنافس، ولكن وبسبب وجود سعد هدابي كمحكم حصل العرض على المرتبة الاولى.

4- تعتمد الجوائز الخاصة بالمراتب الثلاث الاولى على معيارين: الاول: وجود عنصر مؤثر في المهرجان ينتمي الى المديرية س، الثاني: محاولة لجنة التحكيم اسكات اصحاب الالسنة الطويلة –بتعبيرهم- من خلال منحهم إحدى الجوائز. بمعنى آخر أن تربية ديالى وإن قدمت أجمل عرض في المهرجان – وقد حصل هذا سابقا- فإنها لا تنال أي مرتبة؛ بينما تحصل المديرية ص على احدى المراتب بصرف النظر عن مستوى عرضهم المسرحي، تماشيا مع مقولة (بس سكتونه فلان، تره لسانه طويل).

5- تعطى العديد من الجوائز للترضية ولإيهام الجمهور أن ثمة عدالة في التحكيم؛ وهي طريقة رخيصة لا تنطلي على الفاحص الذكي. ولم يحدث مرة واحدة أن حصد عمل ما معظم الجوائز كما يحدث في الاوسكار او مهرجان (كان) مثلا. فلجنة التحكيم تنثر الجوائز هنا وهناك كما تنثر النقود على رأس العروس حينا، وحينا تعمل وفق مبدأ (خطية هاي المديرية ما حصلو شي، انطوهم جائزة) وهكذا.

6- ثمة درجة تعطى للموسيقى من غير أن يكون هناك أي موسيقي متخصص في اللجنة وهو أمر غريب للغاية. وفي حين اجتهدت مديريات معينة في التأليف الموسيقي الحي والذي يشعرك بأنه عالمي ومسجل (ذي قار)، لم يرد اسمها حتى ضمن الترشيحات الثلاث.

7- تعتمد لجنة التحكيم –بسبب الكسل أو أهمية اسم المؤلف- على نص العرض لإعطاء جائزة افضل نص. وهي مسألة خطيرة جدا، إذ ان المخرج قد يحول نصا متماسكا وعميقا الى (نص عرض) سطحي وأفقي، وبالعكس، قد يحذف المخرج (25) صفحة من نص المؤلف ويكتب مشاهد من عنده ويقدم ويؤخر ويحيل نصا رتيبا ومملا الى نص مؤثر. اقرءوا النصوص يا لجان التحكيم في المرات القادمة رأفة بالانصاف!

8- يلهث هذا المهرجان في اعطاء الجوائز خلف الاسماء البراقة (وإن أراها باهتة اللون)، وإذا حصل أن اسما معروفا اشترك (في النص، او التمثيل او الاخراج) فإنه سيضمن الجائزة اوتوماتيكيا قبل بدء المهرجان أحيانا. لجنة التحكيم العادلة لا تخدعها الظواهر ولا المسميات، وتتسم بالشجاعة وتعطي لكل ذي حق حقه.. لكن ما يحدث أن اللجنة -أو مسئول شعبة المسرح في الوزارة احيانا- تبحث عن الاسم اللامع لكي يلمع المهرجان حين يذكر كفائز، وهي عقدة يصعب على من لا يتسم بالصدق الداخلي والامتلاء أن يتخلص منها.

9- اشتركت مديرية تربية ذي قار بنص لعلي عبد النبي الزيدي، لكننا نفاجأ – نحن مديرية تربية ذي قار- أن المؤلف سحب نصه من التنافس من غير علمنا. ومع محبتي الخالصة للصديق الزيدي فإننا لم نكن ننتظر منه هذا التصرف الذي حرمنا من جائزة مهمة وكنا نعول عليها لتضاف الى رصيدنا في حالة استحق النص ذلك..

10- تكاد تكون المراتب الثلاث الاولى شبيهة بلعبة الكراسي بين مديريتين قبل أن تنضم مديريات بغداد الى القافلة وهي : ديوانية-صلاح الدين، وفي المهرجان التالي: صلاح الدين – ديوانية. ومهما قدمت هذه المديريات من عروض مهلهلة فإنها ستنال احدى المراتب، او تسترضى بجائزتين او ثلاثة على اقل تقدير. ربما هناك استثناءات قليلة جدا، ولمن يريد الدقة -التي تعوزني الآن- أن يَجْرِدَ المراتب الثلاثة من المهرجان الأول حتى الثامن ليجد أن كارتلا معينا يسيطر على الجوائز، يمثل شبه لوبي مقرب من رحيم الموسوي المسئول عن الشعبة المسرحية في الوزارة.

11- بلغت المجاملات حدا لا يوصف لأصحاب الاسماء المعروفة، واهمالا يثير الرثاء لأسماء اخرى. أبدأ بالعريف الذي أخذ يوزع (الابداع والتألق والكبير) حسب رغبته، ولا اظنه يفعل ذلك حين يعرف بـ(بريخت) او (ستانسلافسكي). ليتنا نتعلم ثقافة التواضع ونسمي الاشخاص باسمائهم دون القاب او تضخيم. من جهة اخرى، ذهب نقاد العروض والمعقبون في اتجاهين مهيمنين: الاتجاه الاول يجهل او يتناسى أنه يمارس نقدا تطبيقيا سمته الرئيسية تحليل العرض وليس التنظير عنه، وسمته الاخرى اللصيقة بالنقد أي الوضوح وراح يتعرج في مسالك لغوية لا تنتمي الى لغة النقد. أما الاتجاه الثاني فنقد مجاملة واطراء ومجانية بطريقة تفتقر الى التوازن، وهو الامر الذي اسميته (سيكولوجيا الاطراء عند الجلوس خلف المايك). اما الاتجاه غير المهيمن فهو الذي يذكر هنات وحسنات العرض بطريقة موضوعية، وتكاد الاسماء تقل عن اصابع اليد الواحدة في هذا السياق.

12- لأن بعض المديريات والاشخاص لا يجاملون أو يتملقون او يعمرون موائد منتصف الليل، او بسبب موقف شعبة المسرح الوزارية من بعض المديريات -خاصة ذي قار- فإنها تستبعد من المراتب حتى ان استحقتها. وفي الماضي القريب حدث هذا اكثر من مرة؛ بل ان الامر وصل بمسئول شعبة المسرح والمنظم الاول للمهرجان ان يخاطب وفد ذي قار بقوله ((انتم ما تفوزون)) قبل ان يبدأ المهرجان بثلاثة أشهر!

13- وبسبب سوء الادارة من قبل (رحيم الموسوي) فإن اعلان وفاة هذا المهرجان لن تكون بعيدة ما لم يتم تدارك الامر من قبل الوزارة؛ لأن الكثير من المديريات لن تشارك مستقبلا، او تشارك كاسقاط فرض للاسباب المذكورة أعلاه..

14- انصح لجنة التحكيم ونقادنا المبجلين، بالاضافة الى التحلي بالخلق الفني والصدق، بمراجعة قدرتهم اللغوية، فقد ارتكبوا من اخطاء مخارج الحروف أكثر مما قالوه من كلمات.

15- وللأمانة، لا ينبغي اغفال كياسة ورجاحة عقل الاستاذ الشويلي في التعامل مع موضوع الجوائز، الامر الذي نتمنى أن يتحقق حسب رؤيته للموضوع.


وللحديث تتمة...



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World