التاريخ الاجتماعي لما قبل الاحتلال الأمريكي للعراق وبعده

محمد لفته محل
free_thinker1978@yahoo.com

2017 / 4 / 9

2003/4/9 يوم نقف عنده طويلا طويلا (الذكرى14على احتلال العراق)، يوم بلغت فيها ذروت الخراب والانهيار للعراق، حيث النيران تلتهم المؤسسات وبغداد محترقة من كل الجهات وتضيء ليلا وهي بدون كهرباء من شدة النيران، وأعمال السلب والنهب تطال كل شيء بلا حرمة بما في ذلك المستشفيات والمدارس والمتاحف، في حالة من الفوضى والفلتان، وأسلحة الجيش متروكة بالشوارع والمقذوفات غير المنفجرة تصيب كل من يتقرب منها بالخطأ. هو يوم يجب أن لا تمر دون مراجعة وتحليل ونقد ذاتي، ومحاكمة صريحة وصارمة للذات العراقية بدءً من السؤال الأول: كيف وصلنا إلى هذا الوضع المأساوي المرير؟ من استبداد وفساد سياسي وحروب وحصار واحتلال البلد؟ في عشرين يوم فقط يفر الجنود أبناء الوطن ويستقتل الآخرون (المقاتلين العرب) للدفاع عنه!! حزب يتبخر بلحظات وهو من كان المهيمن لثلاث عقود؟ شعب يهب لنهب الدولة دون اكتراث للمأساة؟ دعونا نتخيل ونعود بالزمن لتلك اللحظة عام 2003 حتى نستذكر الحدث كما عشناه لنتعامل معه بتفاعل وحيوية. هي محاولة لمراجعة ما حدث وتحليل ونقد له من رؤية اجتماعية بعيداً عن السياسة تماماً؛ لان المجتمع سيكون الموضوع الأساسي لها، تحديدا الرأي العام، من خلال ذاكرتي ومعايشتي للأحداث اليومية من عام 1991 إلى عام 2007، في بغداد تحديداً، والاستعانة بالشهادات الشفهية لأشخاص عاشوا الأحداث من الأصدقاء، واستخدام الهوامش الكثيرة حتى لا تكون الحوادث مزدحمة مملة. وما يفرق عالم الاجتماع عن المؤرخ ليس الآونة التي وقع فيها الحدث مادياً، بل الآونة التي يمارس فيها تأثيره. أي ما يؤخذ بعين الاعتبار ليس الزمن الفلكي، زمن التقويم، بل الزمن الاجتماعي، أي علاقة التسلسل الزمني من حادث إلى حادث آخر من طبيعة ذاتها.(1) ويقال في المعنى نفسه:"الأسطورة أصدق من التاريخ" وهي على جانب عميق من الحقيقة لدى علماء الاجتماع. فعندما تنتشر أسطورة أو خرافة بين فئة اجتماعية ما، وتغدو مقبولة لدى المجتمع، يكون أمراً قليل الأهمية أن يكون أساسها غير صحيح، فيتم كل شيء كما لو كنا أمام مصدر للحق صادق وواقعي.(2) وسأتخذ من التصورات الشعبية والإشاعات والنكت مصدرا نفسيا اجتماعيا لفهم الرأي العام وتغيره زمنيا من زمن صدام إلى زمن الاحتلال، لأن هذا الجانب لم يتم التركيز عليه.(3) فمثلا يمكن تفسير الإشاعة كأداة للتعرف على تحركات وانفعالات الجماهير، فهي في حد ذاتها ليس لها دلالات ذات معنى معرفي بل هي تعبير انفعالي.(4) وهي مظهر من مظاهر التعبير عن الاتجاهات ويكون تأثيرها في الرأي العام كبير في ظل نظام تسلطي، فمن خلال الإشاعة يمكن التنبؤ بخصائص الرأي العام ومشكلاته، لان الإشاعة وقت الأزمات لها القدرة في تغيير مجرى الرأي العام.(5) وترتبط الإشاعة بالنكتة والفكاهة الشعبية لان ما يبعث على الضحك يسمح بتحديد معالم ما تعده الجماعة محظوراً.(6) هي محاولة لكتابة تاريخ اجتماعي مختصر لمرحلة اجتماعية وفق رؤية مدرسة الحوليات الفرنسية التي انتقدت التاريخ التقليدي لأنه اهتم بصورة خاصة بالأفراد والفئات العليا من المجتمع، وبنخبه (الملوك والقادة) وبالوقائع (الحروب والثورات) وبالمؤسسات وقادتها، بينما التاريخ الاجتماعي الذي اهتمت به الحوليات يهتم بالكتل الاجتماعية التي بقيت على هامش السلطة، أي تاريخ الناس المهمشين (الفلاح، الجندي، الخادم الخ)(7). واعتمدت على التاريخ الشفهي ولم يكتفوا بالوثائق.(8) فالتاريخ العراقي المعاصر وما آلت إليه الدولة العراقية من إنهيار أمام الغزو الأمريكي تحتاج إلى تطبيقات نظرية وميدانية يقترب من منهج الحوليات بإعادة دراسة مشروع الدولة العراقية المعاصرة برمته منذ تأسيسها 1921وحتى عام2003، ودراسة كل ما يرتبط بها من بنى إقتصادية وإجتماعية وفكرية ربما هي التي كانت مسؤولة عن الإنهيار وليس العوامل السياسية لوحدها.(9)
ظروف ما قبل الكارثة
استطيع أن اعتبر سنة احتلال الكويت والحرب التي جرت جراء ذلك هي نقطة البداية في تحول موقف الشعب من الحكومة من الولاء لها إلى شيطنتها. فبعد النهب والسلب الذي طال الكويت ثم الحرب التي سحقت الجيش العراقي، حتى أن الناس راحت تتحدث بمبالغة عن أسلحة غريبة لدى الأمريكان، وتحميل الحكومة مسؤولية ما جرى، وهذا كان واضح في الحديث عن "رحمة الأمريكي" بالحرب! كالقول أن الأمريكان كانوا يضربون الجسور حين تكون خالية من المارة والسيارات! أو أنهم يطلقون علامات تحذيرية قبل قصف أي هدف لإخلاء المدنيين!(10) الخ وهذه كانت العلامات الأولى للنهاية المفجعة. عندما فُرضِت العقوبات الاقتصادية على العراق من الأمم المتحدة، اعتقد الناس أن الحصار لن يطول في سنته الأولى، فكانوا مع كل خبر بالتوصل لإنهاء الحصار يهبوا لإطلاق العيارات النارية، وبعد أن ظهر كذب جميع هذه الأخبار،(11) بدأ اليأس يدب مع ازدياد قوة الحصار، الذي زاد من انفصال الناس عن الدولة بدرجة عالية، فكانوا لا يثقون بها ويعتبرونها أشبه بالعدو، والإشاعات التي كانت تحاك عليها مصداق لانعدام الثقة، فالناس كانت تعتقد أن الحكومة تجوّع شعبها عن قصد كي يلتهي بهمومه ولقمته فقط(12) وان الحكومة تصادر المساعدات الغذائية الخارجية وتبيعها في السوق السوداء، فشاعت رواية الدجاجات التي تبرع بها الرئيس (معمر ألقذافي أو حافظ الأسد لان الروايات متضاربة) إلى الشعب العراقي بعدد نفوسه، ثم قامت السلطة ببيعها، في وقت كانت الدجاجة حسرة على كل عراقي، وأن صدام يأكل لحم الغزال ويُطعم السمك(13) بيضا، والأسود لحماً، بينما العراقي لا يستطيع تبضعها! (أي أن الحيوان عند السلطة أهم من الإنسان العراقي!)(14) وإنه في احد خطاباته لمّح لأغناء الفلاحين وتجويع المدينة. ظهرت هذه الإشاعة عندما اغتنوا الفلاحين وقت الحصار وكانوا يركبون احدث السيارات وقتها (البيك آب). واعتقد الناس (نتيجة للإشاعات) إن صدام يمد إسرائيل بأنبوب نفط من العراق يصل لموانئها، وانه باتفاق مع أمريكا يجوعون الشعب العراقي لأنه وقع معها في حرب الخليج تنازلات سرية لو علم بها الشعب لجن، وإن الحكومة تطفئ الكهرباء في أوقات الامتحانات لكي يرسب الطلاب، بل أنها تصدر الكهرباء للأردن وتطفئها على الناس.(15) والذي زاد الطين بلة أن صدام يعتبر توزيع الطحين الأبيض بالحصة التموينية للشعب "مكرمة" منه، فكانت الناس تسخر منه بالقول (لو كان الهواء بيد الحكومة لوزعته الحكومة على الناس كمكرمة او بالحصة التموينية). وحين اشتد الحصار ظهرت قصص انتحار بعض الناس وأشهرها قصة الرجل الذي باع سترته الأنيقة ليشتري دجاجة لعائلته، ثم دس السم بها واكلها مع أطفاله، مما أدى لوفاة جميع أفراد الأسرة.(قال البعض انه اشترى سمكة سممها واكلها مع عائلته لأنه مثقل بالديون) وشهدت شخصياً حالة انتحار نجار ذبح نفسه بالمنشار الكهربائي في محله عصراً لعدم قدرته على إيفاء ديونه. الشيء اللافت أن الناس لم تدين المنتحر رغم أن الانتحار مرفوض اجتماعيا دينيا وأخلاقيا، لأن الإحباط والتشاؤم السائد بين الناس آنذاك رفع الحرمة عن قيمة الحياة. يقول (إميل دوركهايم) حينما يكون المجتمع مضطرباً معنوياً، فإن حالة عدم اليقين التي يوحي له بها نوع من التساهل إزاء القيام بأفعال شائنة، يظهر تلقائياً في كل مرة يدور الحديث فيها عن هذه الأفعال، تجعل المجتمع أقل حساسية تجاه الأعمال اللاأخلاقية. لأن التساهل الاجتماعي تُضعف النفور الذي ينبغي أن توحي به الأفعال اللااخلاقية.(16) ثم بدأت تظهر قصص عن نهايات الزمان وصار الحديث عن أيام الماضي (أيام الخير) بحسرة وألم ومرارة،(17) فشاع التدين بين الناس اعتقادا منهم بأنه عقاب رباني لهم لابتعادهم عن الدين ولأننا انتهكنا أعراض الكويت.(18) فراحوا يتحدثون عن علامات نهاية الزمان عند الشيعة،(19) وانتشر التوجه الوهابي عند السنة، وارتدت معظم النساء الحجاب، وكثر التدين بين الناس. وأتذكر انتشار كتاب (احذرو جهنم) يباع على الأرصفة. وركب النظام الموجة وأعلن (الحملة الإيمانية) بإغلاق جميع البارات والمراقص وإعدام العاهرات وإغلاق بيوت البغاء(20) وقص اللقطات الجنسية وشرب الخمر من الأفلام، وقطع بث مباريات كرة القدم أثناء الأذان (بعدما كان يكتب الآذان شريط أسفل الشاشة فقط أثناء البث) وسمى نفسه (عبد الله المؤمن). مع ذلك خاف النظام من المد الوهابي فقام بحملة اعتقال ضدهم وما حملته إلا للحلول محلهم لكنه فشل في ذلك. ضاق الحصار بالعراقيين حتى يئسوا من رفعه عنهم فظهرت نكات تسخر من رفع الحصار وأشهرها نكته عن خروف يضحك وهو منذور للذبح فسأله أقرانه عن سبب ضحكه وهو سوف يُذبح؟ أجابهم: اضحك لأني منذور حتى يُرفع الحصار. فرفع الحصار يُضرب به المثل، فالذي يقول واعدا (بسيطة من يرفع الحصار) يشابه المثل (اقبض من دبش) أو (موت يحمار لما يجيك الربيع). والناس تلعن الحكومة في سرها وتمدحها بالعلن خوفا منها، خوفا من المخابرات لأن (الحياطين الها آذان)، وكل من يمدح الحكومة بالسر والعلن، يعتبر غالباً مخابرات أو متملق، لأن كل سائق تكسي أو بائع سجائر ممكن أن يكون جاسوس أو مخابرات لصدام، حتى أن صدام تحرسه الجن. وعندما جفف صدام الاهوار راحت الناس تتحدث عن "الزئبق الاحمر" المهدور عمداً من السلطة لان الناصرية أو العمارة اغني منطقة بالعالم. هذه الإشاعات ما كانت لتنتشر أو تظهر لولا حالة الاغتراب بين الناس والسلطة التي ابتعدت عن الشعب وركزت على أمنها. وتحول الحزب إلى منظمة أمنية استخبارية واستغلال نفوذ، وصدام غارق في قصوره وخطبه وأقواله الوعظية ورواياته جاهلا بما يجري، يردد الشعارات القومية عن تحرير فلسطين والوقوف بوجه الامبريالية!.
التعليم انتهى بدءاً من تدني الرواتب الذي عوضه المدرس بالدرس الخصوصي وأصبح أداة قمع للطلاب الذي لا يدرسون الخصوصي لترسيبهم، وراح الطلاب يتسربون من المدارس أو يتركونها للعمل بسبب الحصار، وهبطت قيمة الشهادة اجتماعيا لتدني راتب الموظف بالنسبة للكاسب (العمل الحر) الذي راح يعيّر المتعلم (خلي شهادتك تفيدك) أو (خلي شهادتك توكلك خبز) وبذلك انقلبت المعايير بالعكس، وقبلها علو الفلاح على الموظف والمتعلم اجتماعيا كلها أنتجت حالة اللامعيارية. وأصبح التعليم لا قيمة له. وفي التسعينيات 1990 أجرى (د.قاسم حسين صالح) دراسة عن المكانة الاقتصادية للمهن في المجتمع العراقي زمن الحصار، تبين أن الحمّال تقدم على معلم المدرسة في مكانته الاقتصادية. وان مصلح الراديو والتلفزيون تقدم في مكانته الاقتصادية على الأستاذ الجامعي، مما اضطر عدد كبير من المعلمين إلى الاشتغال بأعمال مثل سائق تكسي أو بائع سجائر على قارعة الطريق.(21)
الشرطة المرورية استعاضت عن تدني رواتبها بالرشوة التي تمحي المخالفات المرورية، والشرطة المحلية كذلك تفتح محضر وتلقي القبض لمن يدفع أكثر أو نفوذه أقوى، ووصل البعض منها إلى الاتفاق مع اللصوص في السرقة كما كان حاصلاً مع لصوص الباب الشرقي الذين يسمون (قفاصه) يدفعون الرشوة عند اللقاء القبض عليهم ويخرجون. أما البلديات فكانت تتجاهل كل مخالفات البناء بالرشاوى وتعاقب الملتزم بالضوابط إذا لم يدفع لها! (البلدية ما ترجعلنا الميز والكرسي، إذا ما ننطيها هدية بسيطة) مقطع مسرحي انتشر وقت ذاك تلميحاً لفسادها. أما السيارات الحكومية فكانت عرضه للنهب من الموظفين الذين يستبدلون فراملها الجديدة بتالفة، أو قطع غيارها الأصلية بمستعملة الخ. باختصار كان الفساد ينخر الدولة وأخلاق المجتمع، وبعضهم لديه "فتوى" يحلل فيها سرقة الحكومة لأنها تسرق حقوق مواطنيها! وهذا ما كان ظاهراً لي وما تسعفني به الذاكرة، ويكفي وحده للتنبؤ بالانهيار المحتوم للبلد. لقد كان نهب الدولة مستساغا بدون أي تأنيب ضمير نتيجة الاغتراب عنها، وكانت ثقافة الغنيمة هي السائدة لكن على المستوى الأفراد وليس جماعياً كما حدث بعد الاحتلال، هذا عدى الأسباب الثقافية عن حرمة الملكية الشخصية عند العراقي وكيف ينظر للملكية العامة بلا حرمة، كون بيته/أرضه هي عرضه/شرفه التي يجب أن تكون طاهرة ولا يطأها الغرباء، أما المكان العام فكونه أرض بلا مالك، فهي بلا حرمة، كون مفهوم الأمة/الدولة حديث على نسقه العشائري المرتبط به، ولما كانت الحكومة هي المانع لظهور انعدام المعايير فإن سقوطها فجر كل هذا الكبت المسجون قسراً. هذا العراق قبل السقوط، ساقط بدون سقوط.
شهور ما قبل الحرب الأمريكية على العراق
تعمدت السلطة إخفاء الأخبار عن عزم أمريكا شن الحرب على العراق في إعلامها الداخلي، في حين كان وزير الخارجية العراقي (طارق عزيز) يصرّح بالخارج (ستكون معجزة لو لم تحدث الحرب) وصدام في خطاباته يرد على التهديدات بالقول (يجعجعون) و(سينتحرون على أسوار بغداد) وبعض الساسة يقول (أن العراق ليس كأفغانستان). وحتى في الأسبوع الأول للحرب، كان البعثية في منطقتي يقولون أن الحرب غلطة ستتوقف. ولم يكن للناس أي دور سياسي في كل هذه الأحداث في ظل نظام مستبد. ويكفي أن أورد هذه النكتة التي ظهرت قبيل الحرب لتكشف تقبل الناس للاحتلال أو عدم الاكتراث به والنكتة كالتالي (أب يتصل بأبنه من الخارج يقول له: دير بالك ابني خاف يضربوكم الأمريكان نووي.
الابن: خل يضربونه يابه.
الأب: خاف يضربوكم جرثومي.
الابن: خل يضربونه يابه.
الأب: خاف يضربوكم كيميائي.
الابن: خل يضربونه كلشي، بس لا يضربونا بوري)
(انضرب بوري=أنبوب حديد للمياه) جملة عراقية تقال للذي يخلف موعدا أو يحتال على شخص. مع ذلك كان لدى الناس معرفة جزئية بقرب الحرب عن طريق الراديوا. فبدأت بخزن مواد غذائية من الأسواق وإغلاق المحلات مبكراً تحسباً للحرب. وهناك إشاعات ظهرت قبيل الحرب أتصور أنها ذات مغزى اجتماعي، فقد أشيع عن وجود مغناطيس في حزام كان موضة الشباب يسمى (ابو التفاحة) يصيب بالعقم مصنوع في إسرائيل، استثار الخبر الرأي العام ومنع من التداول، ثم بعد فترة انتشرت إشاعة عن أفلام رسوم متحركة (البوكيمون) أسماء إبطالها إسرائيلية تهين الذات الإلهية، حتى اضطر وزير التربية لتكذيبها بالتلفزيون. ثم تبعتها إشاعة أخرى كانت حول تصميم جدران محطات انتظار الباص التي تشبه النجمة الاسرائلية قامت الحكومة على أثرها بحملة تعديل بناء النجمة بحذف أضلاعها المدببة. وآخر إشاعة عن فتاة تحولت لعقرب لاعتناقها دين آخر أو أنها قامت بإلقاء المصحف بالمرحاض، وزُعم أنها معروضة في حديقة الزوراء، وقال البعض أنها في قفص معروضة في سامراء حتى قامت الحكومة بالرد على هذه الإشاعة عبر أحد صحفها نافية الخبر. الإشاعات كلها تدور حول الخطر اليهودي، وكلها ظهرت قبيل الحرب، وبما أن أمريكا واليهود في زواج كاثوليكي، وعامة الشعب تعتبر أن الأمريكان هم اليهود نفسهم، بالتالي أن الإشاعات كلها أو بعضها لها ارتباط بالحرب لتحريض العاطفة الدينية بالتذكير بالخطر "اليهودي" الشيطاني للإسلام، والإشاعة كانت أشبه بالتعبئة الدينية لمواجهة الحرب غير المتكافئة بالاستعاضة بالإيمان كسلاح لتحقيق التوازن الحربي التقني المفقود. ولا استبعد أن تكون الحكومة قد بثتها، فهي نفسها قد أعلنت أن الرسول في الحلم كان مؤيداً للرئيس بالحرب. او قد تكون مخاوف الناس مسقطة بالاشاعات من الخطر الامريكي/اليهودي الغازي. عند بدء الحرب نزح الناس من المدينة للأطراف خوفا من القصف الأمريكي والقصف الصدامي لبغداد، لان الناس صدقت إشاعة أن صدام جهز أسلحة الكيميائي لضرب بغداد (ملص الكبسولات) كما سمعتها وقت ذاك أثناء القصف الأمريكي، أو أن صواريخ حكومية موجهة نحو المدن التي تستسلم، مستدلين من إشاعة أخرى سابقة تقول أن صدام قال في احد تصريحاته أنه (لن يسلم العراق إلا تراب) والبعض الآخر يعتقد أن صدام يضرب المدن لكي يتهم الأمريكان بضربها ويشوه سمعتها إعلامياً. بينما البعثيون يجوبون في سيارات ال(بيكم) المربوطة عليها رشاش (بكته) والجيش متغلغل مع مدرعاته بين الأحياء السكنية والناس خائفون من استهدافها فراح ينزحون من هذه الأحياء. وأثناء الحرب وبعدها كان هناك اعتقاد عند قطاع من الناس أن الحرب كلها لعبة بين صدام وأمريكا بعدما انتهى دوره كعميل، أو أنها ستعيده للسلطة، أو أن صدام استولى على صواريخ أمريكية نووية أثناء احتلاله للكويت قادرة على محو أمريكا ولأجله جاءت لتستعيدها منه بعدما رفض تسليمها لهم. وحتى عندما تم إلقاء القبض على صدام اعتبرت الناس انه مجرد تمثيلية لأنه كان عندهم منذ الصيف مستدلين من شجرة التمر في مشهد الفيديو لعملية القبض عليه، وبعض الناس اعتبره شبيه صدام. باختصار إن الناس شيطنة الحكومة فأصبح كل ما يصدر عنها خبث ومكر، حتى القرارات المفيدة فهي لا تختلف في رأيهم عن إغواء الشيطان للإنسان لتحقيق رغباته التي تعصي الله. وكما يقول عالم النفس (قاسم حسين صالح) عن الحصار (تحول إلى أن يجعل النظام أقوى وأغنى وأكثر شرهاً، والشعب أضعف وأفقر وأكثر شقاء)(22) في هذه الفترة أشعل صدام النفط الأسود لتظليل الطائرات عن قصف أهدافها، حتى أن ملابس الناس تسخمت جراء كثافة دخان الحرائق، ثم حدثت عاصفة ترابية قوية ترافقت مع قلق الناس وضبابية الصورة للحرب،(قال البعض أنها دماء ضحايا من الناس لان لون تراب العاصفة يميل للحمار) ولولا بث قنوات خارجية كقناة (العالم) و(العربية) التي تبث الأحداث مباشرة مستغلة ضعف النظام، لما عرف الناس الكثير عن الحرب بسبب منع استيراد أجهزة الدش/الستلايت من قبل النظام.
الهزيمة العسكرية
ما إن دخلت القوات الأمريكية البرية المحتلة للعراق حتى فر الجيش واختفى البعثيون من سواترهم بالمدن، ولم تواجه إلا جيوب مقاومة ضعيفة، ترك الجيش أسلحته بالعراء، ورفع بعض الجنود الراية البيضاء، أو لبسو الزي المدني، ولم يذكر لمعارك طاحنة إلا ميناء أم قصر بالبصرة ومعركة المطار(23) ثم احتُلت بغداد وأُعلن انتهاء الحرب. وماذا كان رد فعل الجنود على الهزيمة؟ أنكر الجنود الهزيمة لأنهم يتصورن الحرب على "الطريقة الفروسية" كما يسميها (جلال العظم) فقد اتهموا الأمريكي بالجبن كونه يستعمل الطائرات أكثر من البر! (لو هما زلم خل يواجهونة عاﻟﮕاع)! أي يطالبون من الأمريكي أن يرجع بالعصور إلى الخلف حتى يواكب نظرة العراقي المتخلفة للحرب! وهذا يعكس البعد الديني للحرب المستنبط من الحروب الإسلامية. بينما كان الجنود يفرون بلبس المدني الذي كانوا يرتدونه تحت البدلة العسكرية استعداداً للهروب قبل المواجهة! لعلمهم بالهزيمة المحتومة، أو كانوا يقايضون البندقية بزي مدني مع الناس للهروب مع المدنيين، ثم يقولون بعد ذلك (احنا بقينا آخر شي بالوحدة العسكرية)! أو (كتلنا منهم هواي)! وهذا الكذب لا يرجع لا سباب نفسية بحته بل ثقافية، لأن الهزيمة جبن وعار وإذلال في منظور العربي والعراقي كون حياته مبنية في معظمها على الغلبة، وهذا الكذب ما هو إلا دفاع عن ثقافتنا بتبرير الفشل خارج سياقها. لقد كان الاحتلال جرحاً نرجسياً بددناه بأوهامنا. ورحنا ننعت الجنود الأمريكان فيما بعد بالمرتزقة وان الأمريكان يدفنوهم ويخفون الجثث بسبب الخسائر الكبيرة، وان البعض ينتحر أو يفرون من الجيش بلبس الجلابيب إلى تركيا (لاحظ الإسقاط النفسي للعراقيين على الأمريكان، لان بعض الجنود العراقيون كانوا يلبسون الجلاليب أثناء الهروب من الجيش الأمريكي) التي ترافقت مع اشتداد المقاومة المسلحة له، ويمكن تفسير هذه الإشاعات بتضميد جروحنا النرجسية على الهزيمة العسكرية بقلب الهزيمة إلى نصر عبر الإشاعات.
لماذا خسرنا المعركة؟ ولماذا ترك الجنود وحداتهم بينما بقي غير العراقيين يقاتلون؟ غالباً ما يكون الجواب على هذا السؤال رأيين الأول يعزوه للتفوق التكنولوجي الأمريكي والثاني يعزوه لخيانة القادة العسكريين. وكِلا الجوابين بالحقيقة هو مصدر الهزيمة لأنه يتجاهل الظروف التي سبقت المعركة وجهزت الميدان للانكسار والهزيمة، ويبرء النظام من مسؤولية خراب الجيش نفسياً ومعنوياً. فلنعد بالذاكرة للوراء ونرى أوضاع الجندي العراقي بعد هزيمته في حرب الكويت حين كان راتبه لا يكفيه إلا لأجرة الباص (الكروه) فإذا حدث نقص في أجرة الباص وكان هناك جندي راكب معهم التفت إليه الجميع كونه أفقر فرد ممكن أن يعجز عن دفع أجرته وكان يسمى وقتها (أبو خليل) (كانت تستخدم للسخرية) والجنود الفقراء ينامون بالجزرات الوسطية بالشوارع (العلاوي) لعجزه عن المبيت بالفندق (شاهدتهم بعيني أكثر من مرة)، أما طعامهم بالوحدة فكان صمون الجيش يضرب به المثل بصلابته التي تقارب صلابة الحجارة، وطعامه القليل الذي يتكالب عليه الجنود بدون مساواة أو تنظيم بالتوزيع مع الماء الغير نظيف، في حين أن الجنود الميسورين كانوا يدفعون رشاوى للضباط مقابل منحهم إجازات فاغتنى الضباط جراء ذلك، أما الأغنياء فإنهم يدفعون (البدل=مبلغ يدفع للحكومة مقابل عدم الخدمة العسكرية سوى معسكر تدريب 3أشهر) والمواطن مجبر على الخدمة مهما كان فقيراً إلا في حالت كونه المعيل الوحيد أو لأن جميع الأخوة في الخدمة العسكرية يستثنى واحد فقط للإعالة، وبهذه الحالة يصبح معيلاً للجميع الذين يعتبرون عاطلين بسبب تدني رواتبهم. فأصبح الجيش من الطبقات الفقيرة في عمومه. وكانت الناس تلبس البدلات العسكرية في المهن الوسخة كعمال البناء والبقالة وبيع الغاز وتصليح السيارات الخ كونها الملابس الغير مرغوب بها حتى منع النظام استعمالها؛ بمعنى كان الجندي هو الأكثر أهملا وضعفاً وفقراً فماذا تريدون منه غير الهروب بعد ذلك؟ يقول (صالح) (الجندي العراقي كان يعاني الإذلال والتمييز حتى داخل مؤسسته العسكرية عندما يقارن بينه وبين الجندي في الحرس الجمهوري مثلاً،)(فيما كان قادته الكبار وبعض صغار البعثيين من الاستخبارات العسكرية والحلقات الأخرى المرتبطة بقيادات النظام ينعمون بالخير الوفير)(24). (لقد كان جيشا فئويا جهويا طائفيا.) أما القادة كما يقول (ميثم الجنابي) (لم اسمع بأن جنرالا انتحر بعد كل تلك الهزائم المخجلة. بل نرى اغلبهم سرق ويسرق ويهرب إلى الخارج!! إلى جانب الفئات العليا من العائلة والقبيلة الصدامية والبعث المتهالكين على شراء القصور في الأحياء "الراقية" في مختلف الدول!)(25).
السقوط/ الاحتلال
عندما جاء الاحتلال استقبله العراقيون بالرايات البيضاء التي رفعت على السيارات لأن البعض كان ينظر أليه كمخلص والبعض يراه لعبة سياسية، والبعض يراه مؤامرة، وسماه عامة الشعب (السقوط) دون ذكر لبغداد أو العراق كنوع من التخفيف من الهزيمة بذكر الفعل/السقوط دون المفعول به/العراق/بغداد وهي ذات العبارة التي استخدمت في سقوط بغداد على يد الانكليز في بداية القرن العشرين (عهد السقوط)، واعتبره عامة الشيعة أن الله سلط على الظالم من هو اظلم منه، أما عامة السنة فقد اعتبروه خيانة القادة والمؤامرة الصهيونية الفارسية. ويوم انهيار السلطة هب معظم العراقيين لنهب مؤسسات الدولة وحرقها، وراحت الناس تتحدث بصدق ومبالغة عن سجون سرية تحت الأرض لم ترى الشمس من عقدين، والقنوات الفضائية تتسابق في كشف المقابر الجماعية وكشف ملفات المعدومين والمفقودين التي حصلت عليها من أرشيف المخابرات والسجون. المجتمع في تلك الأيام من غياب الدولة وانتشار أعمال السلب والحرق كان في حالة سماها عالم الاجتماع (إميل دوركهايم) اللامعيارية (=انومي) حيث كل شيء أصبح مباحاً بدون حرمة؛ فالقتل في باب المصارف المنهوبة كان عادياً، وقتل البعثيين ثأراً أو شبهة وارداً من الناس والميليشيات(26)، وبيع السلاح علناً في الأسواق بأنواعه، وسلب السيارات وقتل مالكها مباحاً حتى ظهر سوق للسيارات المسروقة مع وجود دم المقتول عليها! وهناك سوق كان اسمه (سوڴ الحرامية) يبيع المسروقات. ثم ظهر خطف النساء بعدها لفترة محدودة، وحتى مع فتوى المرجعية بحرمة ممتلكات الدولة التي ينبغي تسليمها للمساجد، ومع تسليم البعض للممتلكات البخسة إلا أن الكثير شكك بنزاهة الجهات الدينية وأمانتها في إرجاعها للحكومة بسبب بقاء حالة اللامعيارية وكان تبرير النهب (حصتي من النفط) لإسكات الضمير الذي لم يبقى داعم له سوى الدين الذي عجز بدوره عن النهي، أي أنهم يستعيدون حقوقهم ولا يسرقون، والناس كانت مصيبة بحجتها لكن أخذت حقها بطريقة فوضوية، وكان البعض يرد بموضوعية على هذا التبرير بأن "الحق" يجب أن يوزع بالتساوي بين الناس وليس بالنهب. لكن لم يكن هناك إذن تسمع في زمن اللامعيارية. وتدخل الدين كان طبيعيا في تلك الفترة من غياب القانون الضابط الرسمي للمعايير والقيم فجاء الدين كونه أحدى وسائل الضبط الاجتماعي ومصدر شرعية الحلال والحرام ليسد الفجوة الكبيرة التي خلفها انعدام الدولة، ولم تعود حالة المعيارية إلا بعد انتهاء النهب الذي أجهز على كل المؤسسات ودمرها، عندها بدأ الإنكار الجماعي وعلا صوت الضمير الاجتماعي مجدداً مع عودة بعض المؤسسات الأمنية بالتدريج، فراح الناس ينكرون ما فعلت أيديهم بعبارة مشهورة (والله مدخلت ابرة لبيتي) وراح الباعة يسألون عن مصدر الطحين أو الرز الذي يبيعه المواطن لهم هل هو مسروق من مخازن الحكومة أم انه حصته من البطاقة التموينية ويستحلفه باليمين. وصارت عمليات النهب تهمة توصف بالآخرين باسم (حواسم) وأصبح الغنى المفاجئ مصدر ريبة للآخرين (ﭼانو حفاي وطﮕو) وحتى الذين هبوا للسكن في أراضي الحكومة أو مؤسساتها بدواعي عدم امتلاك سكن، اُتهم كثير منهم بتأجير بيوتهم الخاصة والسكن في أراضي الدولة، وسميت بعض المدارس بأسماء الذين قُتلوا دفاعاً عنها من السلب، واتهمت بعض الدول الخارجية بالسلب مثل الكويت وإسرائيل. وهناك قصة مهمة اجتماعياً ظهرت بعد فورة السلب وبغض النظر عن صحتها تداولها الناس عن أبن قتل أبيه من أجل تقاسم المسروقات! كانت أشبه بصحوة ضمير اجتماعي لما اقترفه الناس بحق المجتمع وهي أحد آليات الضبط الاجتماعي لصيانة المعايير والقيم من الانحراف، فالأب مقدس يعادل الرب رمزياً فسمي (رب الأسرة) ورضا الله من رضا الوالدين، وقتله انتهاك لمحرم محظور يجب التكفير عنه، وهذه الإشاعة هي قصة رمزية لما فعله الأفراد/الأبن، من انتهاك محرمات/قتل، المجتمع/الأب. بعدها بدأ الحديث عن البلاء الذي أصاب الذين نهبوا حصة كبيرة من المال في مؤشر لعودة المعيارية وانتقام المجتمع من الذين خرقوها. وتمثل لوم الذات العراقية في رواية أخرى ذات مغزى اجتماعي فقد أشيع أن جندي أمريكي قال (أنهم كسروا أقفال المخازن الحكومية للأفغان كي يسرقوها فما كان منهم إلا أن أغلقوها ولم يسرقوها) وانتشر قول (احنا علي بابا) اللص البغدادي المعروف وأن الشعوب الأخرى تسمينا بذات الاسم،(27) واتهم البعض نظام صدام بالعفو الذي أطلقه للمجرمين قبل السقوط لكي ينهبوا البلد، هذا الكلام كان هو تأنيب الضمير الاجتماعي من أفراده الذين تمردوا عليه في لحظة ما.
ويمكن تقسيم الأحداث ما بعد السقوط إلى مرحلتين المرحلة الأولى (الفلتان/اللامعيارية) التي ساد فيها السلب والنهب، والمرحلة الثانية هي (الإنكار) بإنكار ما فعلته الأيدي. أثناء فترة الفلتان كان العراقيين يتسابقون على نهب المؤسسات ويدل بعضهم بعضا على أماكن النهب، أما بعد الفلتان وهي مرحلة الإنكار فقد تبرؤا من النهب وادعوا أنهم امتنعوا عن السلب بينما كانت بعض المؤسسات أمام بيوتهم وأنهم منعوا أولادهم أو إخوانهم أو أقاربهم من السلب. وثبتت تسمية (حواسم) كتهمة على الذين سرقوا أو تجاوزوا على أراضي الحكومة، وهي اسم المعركة الأخيرة التي سماها صدام (حواسم) ساخرين من التسمية التي اختارها، بقلب معناها عكساً لتكون (حواسم) انفلات وتجاوزات، مثلما استعملوا تسمية (الماجدات) للدلالة على العاهرات، التي كان يستعملها صدام في وصف النساء البعثيات. أي أن ممتلكات الحكومة بلا حرمة، كانت الكلمة اول ظهورها تورية فقط للمتلكات الدولة، وبعد عودة المعيارية صارت تهمة. يقول عالم النفس (د.قاسم حسين صالح) أن هناك فترة بعد السلب اسمها (النوادم) ظهرت بعد فترة (الحواسم) هؤلاء (النوادم) هم من ندم على استحرامهم السلب التي حدثت أول مرة. وشخصيا لم اسمع بها.
ومع انفتاح الاستيراد دخلت سيارات (منفيس) بغزارة عجيبة ما تسبب باختناقات مرورية مع غياب شرطة المرور وحتى مع عودتها سخرت الناس من شرطي المرور واعتدت عليهم كنوع من الثأر منهم (سحب احدهم النعال على الشرطي حين طلب منه إجازة السوق كما أشيع بين الناس) لما اقترفوه بحق الناس من ظلم بتسجيل المخالفات واشتراط إلغائها بالرشاوى، وبسبب بقاء اللامعيارية أيضا، كنت وقتها العن (برناردشو) حين ساوى بين العاهرة والشرطي بسبب الفوضى والازدحامات لعدم احترام شرطي المرور، وكانت الناس تسخر من هذا الوضع بالقول (هي هاي الديمقراطية) وتحتقر الذي اشتروا سيارات بعد انفتاح الاستيراد بوصفهم (عرﻨﺑﭽية=من يقود عربة حصان) وتسخر من تعدد الأحزاب حتى سمو حزبا جديدا وهميا (حزب الدﻴﭻ=الديك) وتقترح عودة الإعدام بالشوارع لإرجاع النظام للبلد، وكثير كان يردد (الناس تغيرت مو مثل ﮔبل، ﮔبل ﭽانت محنّة ومواصل، واليوم كلمن حاير بنفسه) وكل هذا الكلام نتيجة للامعيارية وخلق حالة من الاضطراب ألقيمي.
يقول الدكتور (عدنان ياسين مصطفى) أن الحروب تؤدي إلى هدم بعض القواعد الأخلاقية، ورفع المحرمات، بحيث تباح أعمال كان من المألوف تحريمها فتصبح مستحبة أو تفرض فرضا. وقد تظهر ردود فعل متوترة ذات طابع فردي أناني، وحوادث سلوك جمعي غير خاضعة للضبط والتوجيه، مما يؤدي لمضاعفة الآثار السلبية للأزمات، خصوصا في البيئات الحضرية.(28) فالأزمات والحروب تولد الفوضى والدمار وفقدان المعايير، ويطال العنف الذي تفرزه الحروب البنى المؤسسية جميعها(29) والدولة العراقية حين انهارت صارت الحياة فوضى وشاع الخوف بين الناس فلجأ الناس إلى مصدر قوة فرعية أو جماعية تحميهم، ويحصل ما يشبه العقد، يقوم على مبدأ الحماية المتبادلة. كان هذا هو التحول النفسي الأول للعراقيين بعد الاحتلال 2003. من هنا بدأت "ثقافة الاحتماء" وحدث تحول نفسي خطير، وهو إن الشعور بالانتماء صار إلى القوة التي تحمي الفرد(30). وقد سميت لحظة السقوط في مقال سابق كان بالذكرى العاشرة للاحتلال شبهت فيها النظام بالبالونه التي يفجرها اصغر دبوس. لكن للدكتور (سليم الوردي) وصفاً أدق حيث يشبهها بدمّلة ملتهبة، كان لابد أن تفقأ في يوم ما(31) للتخلص من قيحها. ويجب التنويه إن اللامعيارية لم تظهر من العدم بعد الاحتلال، لأنها كانت موجودة قبله كما بينت آنفاً، فنهب ممتلكات الحكومة أو إتلافها بالسر أو الحيلة على القانون، وعصابات القتل وتسليب السيارات كانت معروفة، وبعض العصابات كان ينتحل شخصيات أمنية، لكنها (اللامعيارية) مجرد أخذت حريتها بالكامل بعد الاحتلال، ويجب التنويه أيضا أن اللامعيارية لم تكن تطال الأخلاق الاجتماعية العرفية، باستثناء خطف النساء الذي استمر لأشهر واختفى. وكل حالات القتل كانت تدخل في باب الثأر المقبول اجتماعيا، ونهب الحكومة لا يعتبر عملاً لا أخلاقيا كبيرا في المجتمع العراقي إلا إذا بولغ فيه كما حدث بعد الاحتلال. لانه كان لدى البعض فتوى دينية (لدى بعض الشيعة) تبيح سرقة الدولة كحق مستعاد، وسارق الحكومة (الفاسد) كان ولازال يوصف باسماء ايجابية (تمساح، حوت).
المقاومة والحرب الأهلية الطائفية
بعد عودة المعيارية انتهى الترحيب بالاحتلال من المجتمع، وبعد تعرض الاحتلال لهجمات المقاومة فُرض أول حظر للتجوال وأشيعت قصة أيضا لها مغزى اجتماعي مهم جداً، وأحدثت تحول في الرأي العام، فقد قُتل شخص بقناص أمريكي وقت صلاة الفجر وهو متجه للمسجد بحيث أن قلبه خرج من صدره (وﮔﻊ ﮔلبه ﮔدامه)(طلع ﮔلبه من صدره) كما يصفه الناس وقت ذاك (القناص كان من الظهر) كونه خرج في وقت الحظر؛ أي أن يُقتل مسلم على يد مسيحي/يهودي غدراً من الخلف في وقت العبادة، فهو تحويل الاحتلال إلى قضية دينية وليست سياسية، واسترجاع الذاكرة التاريخية عن الصراع اليهودي الإسلامي. وراحت الناس بعدها تتحدث عن أن اليهود يشترون عقارات بأسعار باهظة حتى يجعلونا فلسطين ثانية، ويسمون السيارات المضللة (موساد) ويسمون الأمريكان (يهود) واعتبروهم نجسين فكانت بعض البيوت تُغسل بعد تفتيش الأمريكان لها للبحث عن السلاح. وبدأ الشك في المنتجات المستوردة أن يكون فيها دهن خنزير (كالقيمر والجبن). وتناقلت أخبار أن الأمريكان يزنون بالعراقيات من المترجمات ويغتصبون النساء المعتقلات، وهذه نقل الاحتلال إلى منطقة الشرف والكرامة التي تحظى بقدسية دينية أيضاً. وزاد الطين بلة عندما أعلنت الحكومة يوم السبت عطلة رسمية ثابتة، المتوافقة مع عطلة اليهود، فلم تعترف به المناطق السنية، وزادت المخاوف أكثر حينما أعلنت الحكومة عن عَلم الدولة الأبيض الجديد المشابه لعلم إسرائيل، فأصبح الكثير مصاب بفوبيا إسرائيل. بعدما كان الناس في البدء يتوقعون أن أمريكا ستعطيهم حصة من النفط في البطاقة التموينية،(32) واستغل هذه السذاجة المحتالون فوزعوا بطاقات من (49 أو50) مادة بحجة أنها البطاقة التموينية الجديدة باعوها على الناس بسعر ألفين دينار عراقي، وانتشر غيرها من شركات مزيفة لتشغيل العراقيين بالخارج مقابل إملاء استمارة بنفس السعر. أن شيطنة الاحتلال جائت بعدما فرغوا من شيطانهم القديم، وهي من آليات الضبط الاجتماعي التي تقرن الغريب بالشيطان والذئب (ماغريب إلا الشيطان، الغريب مثل الذيب) لرفض الاحتلال الذي قبلنا به أو لم نكترث به، وقد ملئت الميليشيات الدينية الفراغ الحكومي الذي خلفه السقوط، فراحت تمارس حكماً إسلاميا صارماً بمنع الخمور والموسيقى والسفور والحفافة للشباب (حملة قتل الحلاقين) ورفض التعامل مع شركات تأمين الحياة أو التي تبيع بالتقسيط واتهمت بالعمالة لإسرائيل، عندها أصبحت المقاومة/الجهاد على أساس ديني ذات تأثير اجتماعي ونفسي في كل فرد، لأننا كمجتمع متشكل من القبيلة والدين. وكان من الطبيعي في هذه الحرب "المقدسة" أن يكون الله في جانب الإيمان/الإسلام وأن يشارك في نصرهم، فحدثت معجزات اعتقد الناس بها، مثل مشاركة عناكب وجرذان وجراد في قتل الأمريكان وإن جثث المقاتلين العرب تفوح مسكاً (انتشرت في المناطق السنية) أو أن الهاونات والرشاشات (البكتات) ترمي من ذاتها لان ملائكة تستعملها، وان الأمريكان اعترفوا بان هناك أشباح كانت تقاتلهم؛ وان (الإمام المهدي) يقاتل معهم (انتشرت في المناطق الشيعية) وأصبح قتل المترجمين أو الذين يُتهمون بالتجسس للأمريكان مقبولا، حتى أفراد الجيش الذين دربهم وعينهم الأمريكان صاروا هدفاً للمجاميع المسلحة في المناطق السنية والشيعة إذا لم يتعاون مع المسلحين. (سمي ا"لحرس الوطني" بالمناطق السنية "الحرس والوثني") وحين بدأت العمليات التفجيرية تنتشر قالوا الناس أنها أمريكا هي من تفجر فهي تطلق سراح الإرهابيين بعد تسليم الشرطة العراقية لهم، وأنهم يدفعون للإرهابي كذا دولار لكل رأس مقطوع يُجلب لهم، وان الناس ألقت القبض على شخص يقتل بالسنة والشيعة طائفيا على حد سواء مقابل دولارات، وبعضهم القوا القبض على أجانب متنكرين بزي عربي، وان الأمريكان يكتبون شعارات طائفية على جدران المناطق السنية، وإنهم يهجّرون الكفاءات، واكتشفت المناطق السنية أن تنظيم القاعدة يهود، عن طريق امرأة تزوجت قيادي بالقاعدة فعرفت في ليلة الدخلة انه غير مختون، واُتهِم الأمريكان أنهم ينقلون الأفغان بالمروحيات والهمرات للمناطق الشيعية، ويجلبون الإمراض والحيوانات الغريبة للعراق، فطالبوا بتسليم الملف الأمني للعراقيين بعدما شيطنوا الاحتلال مثلما شيطنوا صدام، لأنهم يعرفون بعضهم بعضا (احنا ولد اﻟﮕرّيه، كلمن يعرف أخيّه)، مع ذلك كان السنة يحملون إيران والحكومة مسؤولية الإرهاب، وكان الشيعة يحملون السعودية وسوريا والبعث مسؤولية الإرهاب. وبلغت ذروة الأحداث والتوتر بتفجير المرقدين في سامراء حيث انفجر المكبوت والموت من عقاله بالحرب الأهلية الطائفية التي أبحنا فيها لبعضنا أن يحز رقاب بعضنا، ونصرّح أن إسرائيل مسئولة عن هذه الفتنة وان العرب غير العراقيين هم من يقوم بهذه الأعمال! وان العراقي لا يفعل هكذا!! فهُجّر الناس واختُطفوا كفدية وعُذبوا وقُتلوا، واقتحمت ونهبت المساجد للطائفة الأخرى بحجة وجود مخطوفين وأسلحة ومخططات بداخله، وانقطع التواصل في المآتم والأعراس بينما كان الناس يقولوا (نحن لا نخاف من دخول المناطق الساخنة)! التي راحوا يحرسها أهلها بعد أن يئسوا من الحكومة، والأمريكان المشغولين بأمنهم فقط. ووصل الإجرام أن المستشفيات كان فيها قتل المرضى طائفياً! (سمعت أن بعض الجرحى السنة يوضعون في الثلاجة وهم أحياء لقتلهم أو لا يقدم لهم العلاج حتى الموت لأنها كانت بيد قائد ميليشيا في جيش المهدي، وان مستشفى (النعمان) فيه طبيب يحقن الجرحى بحقن قاتلة حالما يعرف أن الجريح شيعي) حتى أن الجثث لم يعد يستلمها إلا النساء كونهن مستثنات من القتل، وكان بعضهن يراجع المؤسسات الحكومية في المناطق الساخنة بدل الرجال خوفا من القتل. هذا التناشز المعرفي ما بين تحميل الاحتلال وتحميل الشريك مسؤولية الإرهاب يعكس اضطراب الرأي العام المحكوم بالنرجسية التي تأبى مواجهة النقد الذاتي وتهرب بالمؤامرة لتحمل الآخر مسؤولية فشلها من دون أن تستطيع إنكار الواقع الذي تعترف به أحيانا.
الحنين إلى الاستبداد
هناك فترة ما بعد الدكتاتورية سماها هنتغتون (الحنين إلى الدكتاتورية) بسبب التعود على نمط من الحياة يجعل الناس لا يألفون غيره بسهولة، وصورة (صدام حسين) هي نموذج لذلك، فصدام في حياته كان محبوبا بطلا في فترة الثمانينيات مكروها عميلا في فترة التسعينيات، أما بعد الاحتلال فقد أصبح رمزا طائفيا للسنة وعدوا طائفيا للشيعة، وقد شاع أن صدام سيعود للحكم في أول عيد ميلاد له بعد السقوط، وان الأمريكان بعدما رأو همجيتنا قالوا (تحتاجون لتو/اثنين صدام) وراحت الناس تقول (ما يفيدنا إلا صدام)(إحنا ما نجي إلا بالخوف والقوة) واستغلت جهات هذا الحنين وراحت تكتب على الجدران (حزب العودة) في تلميح لعودة حزب البعث، وحين استبدلت العملة الورقية بدل القديمة راح البعض يقول أن العملة الجديدة التي لا تحمل صورة صدام ليس فيها بركة. مع ذلك حتى قطاع من الشيعة يعتبر صدام (سبع، ما يخاف) لولا معاداته لطقوس الشيعة، وهذا ما جعلهم يجدون في شخص (نوري المالكي) صدام الآخر. إن السنة ينتظرون عودته (تمهيد صدام، أي جعله كالمهدي)، والشيعة يخافون عودة البعث(شيطنة صدام)(33) لكن كلاهما يتفقون على نهج صدام، وعبارات (احنا ما يفيدنا إلا القوي) (ما نجي إلا بالخوف)(ما يفيدنا إلا النظام الرئاسي)(ما يفيدنا إلا الحزب الواحد وإلغاء البرلمان)(إحنا مو مال سلطة، انطيها للسنة أحسن) وهي عبارات صريحة للرغبة بالعودة لسياسة صدام عند الشيعة، وترديد عبارات (جيش العراقي مال قبل شجاع) وليس جيش اليوم هي حنين لسياسة صدام؟.
بعد كل هذه الكوارث ماذا كان رد فعل الساسة على المأساة؟ كان منقسما طائفيا فقد سماه الساسة الشيعة "تغيير" وسماه ساسة السنة "احتلال"، واتهم بعضهم البعض مسؤولية الخراب وتبرئة الذات، والاستعانة بالخارج على الداخل. وهذه تكشف لنا أيضا أن تصورات الساسة عن المأساة هي جزء من أسبابها ونتائجها.
خاتمة
الخلاصة إن الرأي العام للشعب العراقي كان متأثراً جدا بالحرب والحصار والاحتلال وانعدام الأمن؛ نفسيا واجتماعيا بشكل إشاعات وتصورات رمزية أو دينية، كان لها دورا في تحديد المصير التاريخي للعراق، فبدءً من شيطنة الحكومة والاغتراب عنها وانتهاك قوانينها (الفساد والتجاوزات بكل أشكالها التي ذكرتها) والتعدي على ممتلكاتها، واللجوء للدين كنقذ لها، وعدم الدفاع عنها بالحرب، ثم نهبها وتدميرها، وبعدها شيطنة الاحتلال ومقاومته وتحميله كل مآسينا ثم تحميل الآخر الطائفي في الداخل والخارج (الدول المجاورة)، كلها قادت إلى ما وصلنا إليه من خراب. وعليه نتحمل جميعنا مسؤولية ما حدث بدرجات متفاوته، ونتحمل أيضا كلنا مسؤولية الخروج من هذا النفق. وهذه الوقائع ليست غرضها التوثيق فقط إنما هي درس للمستقبل لكل من يحكم العراق أن لا يستعدي الشعب حتى لا يشيطن السلطة التي ستجد نفسها معزولة ضعيفة إزاء أي تحدي أو مشكلة داخلية أو خارجية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1_هنري ليفي برول، سُوسيُولوجَيا الحُقوق، ترجمة عيسى عصفور، زدني علماً،83، منشورات عويدات، بيروت_باريس، الطبعة الرابعة1989، ص148.
2_نفس المصدر، ص150.
3_لعالم النفس العراقي الدكتور (قاسم حسين صالح) بحث نفسي مهم يغطي به أسباب السقوط وأحداثها من منظور نفسي عنوانه (ظاهرة النهب والسلب في مدينة بغداد بعد سقوط النظام شخصية (العراقي) وشخصية (علي بابا) في كتاب (الشخصية العراقية المظهر والجوهر).
4_د.كريم محمد حمزة، أ.د. هادي نعمان الهيتي، ناهدة عبد الكريم، الحرب المجتمعية، بيت الحكمة، سلسلة المائدة الحرة17، آذار 1998، ص33.
5_نفس المصدر، ص38.
6_نفس المصدر، ص42.
7_د.جعفر نجم نصر، الأنثروبولوجيا التاريخية، الأسس والمجالات في ضوء مدرسة الحوليات الفرنسية، الانتشار العربي، دار اوما، الطبعة الأولى 2013، ص63،200.
8_نفس المصدر، ص167.
9_د.محمود عبد الواحد محمود، مَدرَسَةُ الحَوليَّات الفَرنسيَّة وتجديد كتَابة التَّاريخ، محاولة للتأصيل في الفهم العراقي، الطبعة الأولى:2013، دار ومكتبة عدنان، ص33.
10_للتذكير "برحمة الأمريكي" قامت طائرات أمريكية أثناء حرب الخليج الثانية بقصف ملجأ العامرية وقتل 400 مدني فيه، مع علمهم بأنه ملجأ مدني بحجة أن صدام كان فيه. وارتكبت "رحمة الأمريكي" جريمة افضع بقصف الجيش العراقي أثناء الانسحاب من الكويت وقتل ما يقارب 2000 جندي. وضرب الجيش العراقي باليورانيوم المنضب، وجراء الحصار الأمريكي على العراق مات مليون طفل بسبب قلة الدواء والغذاء، واكل الآلاف العراقيون خبز النخالة المعجون بفضلات الصراصير وحبوب التمر. وبعد الاحتلال سُحقت الفلوجة باجتياح بري لأنهم حرقوا 4 أمريكان، وحُصرت مدينة الثورة 10 وقصفت بيوت ناس مأهولة لأجل جندي أمريكي مخطوف.
11_عام 1995 هبطت الأسعار بقوة ومفاجئة نتيجة شائعة تقول أن "الحصار قد رُفِع" فاخذ البعض يرقص فرحا، وأفلس بعض التجار، ثم تبين أنها اتفاقية النفط مقابل الغذاء. بعض الناس كان يعتقد أن الحصار لن يتجاوز 3سنوات تشبها بالحصارات التاريخية على بغداد.
12_ظهرت نكته وقتها تعبر عن ظن الناس بالحكومة مفادها: (عزت الدوري) طلب أن يستلم السلطة من (صدام حسين) فعرض عليه الأخير أن ينجح باختبار. والاختبار هو فك فئران من كيس في غرفة مغلقة ثم جمعها في الكيس مجددا. ظل (عزت الدوري) يحاول عبثا جمع الفئران يركض في كل الجهات حتى فحط وخارت قواه. ابتسم صدام وقال له هذا الحل: قام برج الكيس بقوة قبل تحرير الفئران، ثم أطلقها فنزلت مصابة بالدوار وقام بجمعها بكل بساطة. وهذا يعني أن صدام يعامل الشعب كمعاملة الفئران (أي تكرار لإشاعة الحكومة تجوّع شعبها). النكتة الأخرى على كره الشعب لصدام وهي كثيرة جدا؛ صدام يوزع أنواط شجاعة لمجموعة من العسكريين وعند آخر عسكري تنفذ أنواط الشجاعة. يُخيّر صدام العسكري بأمنية أخرى يطلبها منه؟ فطلب العسكري منه تمثال لصدام بحجم طبيعي. فرح صدام كثيراً واعتبره وطنيا وحقق أمنيته، بعد فترة من الزمن يسأل عن هذا الرجل، فجائت أخباره بأنه أصبح غنيا جدا بعد الهدية. ما يجعل صدام يستدعيه ويسأل عن سر ثروته. الرجل يطلب من صدام الأمان للإجابة عن سؤاله، وبعد إعطائه الأمان يقول الرجل: أخذت التمثال للميدان وسعّرت التفله (البصقة) على التمثل بربع، والجلاق (الركلة) بدينار، فتهافت الناس على البصق والركل. وهذه النكتة أيضا تعبر عن كره الناس لصدام في تلك الفترة. والنكت هي المتنفس الوحيد المتاح بعدما أغلقت كل وسائل التعبير والتنفيس أمام العراقيين وكونها لم تصدر من شخص بعينه فلا مسؤولية على تداولها سراً. النكات ضد عزت الدوري بالمئات لأن الجميع يعلم أن دوره كنائب مجرد ديكور وان السلطة تورث لقصي صدام ذو الشخصية المخابراتية على حد تعبير الناس. وهذه نكته تتكلم عن توريث السلطة: شخص يجمد نفسه ليعيش للمستقبل، بعد خمسين سنة يصحوا ويخرج بالشارع، فيسمع هتافات (هلا هلا بأبن بأبن بأن حلا) المقصود أحفاد حلا صدام. ولا ننسى أن السلطة ذاتها استخدمت النكتة ضد خصومها إذ أطلقت نكات ضد الأكراد والشروڴ والدليم تتهمهم بالغباء.
13_إشاعة تدولها الناس وكان لها تأثير نفسي كبير في وقت الحصار عندما أصبحت طبقة البيض غالية جداً ولا يستطيع شرائها الفقراء. والإشاعة حبكت كالتالي: سيارة حكومة أخذت عمال بناء من (المسطر=مكان عام يقف فيه عمال البناء للتكسب) لبحيرة اسماك في احد القصور الرئاسية وطلبت منهم تقشير بيض مسلوق يملئ شاحنة والقائه في البحيرة لإطعام السمك. المغزى السياسي واضح للإشاعة وهو أن الحيوان عند السلطة أهم من الإنسان، وان السلطة لديها الطعام وتمنعه عن الشعب، وهو تأكيد أن السلطة تجوع شعبها. وأكثر ما أزعج الناس وأثار استهزائهم هو التبرعات التي قام بها صدام لفقراء الشعب الأمريكي على حين أن شعبه يموت جوعاً.
14_أصبح أكل العراقيين المعتاد بالحصار، الطماطا المقلية والباذنجان الذي لقب لذلك (وحش الطاوه) وانتشرت قصيدة شعبية له (اللون بسواد الليل والزلف أخضر، واللمعة روغان والريحة عنبر) وهي تسخر بالتورية من مجاعة الشعب، فالمدح معكوس بالقصيدة (المدح المذموم) مع ملاحظة أن الباذنجان يُشبّه بالحذاء لتمرير رسالة أن الشعب يأكل (نعل) وهو مثل معروف شعبيا (ياكل نعل) علما أن التشبيه بين الطعام والحذاء محرم دينيا وأخلاقيا. وللطماطة قصيدة أيضا (اهلا وسهلا ﺑﻴﭻ يم ثوب الاحمر، القلب من فرﮔاﭺ طڴ وتمرمر) وتعني العكس أن القلب طق وتمرمر من أكلها المتكرر. لأن اللحم والبيض كان غال الثمن، وطابور شراء طبقات البيض يضرب به المثل كالقول (قابل سره مال بيض) التي تقال لكل طابور مزدحم متدافع. والسلطة نفسها بدأت تحث المواطنين عبر برامج تلفزيوينة على الإقلال من الشاي صحيا! لقلة السكر. وتُعلم الناس على استبدال مصفي (حَلفَه) المبردة التالف بنبات ال(عاﮔول)! بدل نشارة الخشب. والشعب نفسه ابتكر وسائل تقشف لتسيير حياته. استبدال ماء التمن (فوح) بدل حليب الطفل، مزج ال(نشا=مسحوق اذرة مطحونة) أو الطحين مع البيض حتى تُشبع، تقديم (ﭽما=فطر) بدل اللحم في بعض الأعراس، لتشابه الاثنين ورخص الأول، استخدام حزام أمان السيارة في تصنيع النعالات (شحاطات)، إعادة غلي ورق (بثل) الشاي مرتين، واستخدام التمر بديلا عن السكر في تحلية الشاي، قلب القميص وخياطته مجددا بعد استهلاكه من الخارج، استعمال البطانيات (قماصل) بعد تفصيلها.
15_ظهرت نكتة وقتها كالتالي: المخابرات العراقية ابتكرت شجرة الكترونية فيها اسم كل عراقي وعنوانه على أوراقها، تسقط ورقة إذا ما تكلم أي عراقي بسوء عن صدام، فيلقى القبض عليه. جلبوها لصدام ليختبرها بنفسه، وبعد تساقط عدة أوراق منها، تفاجئ صدام باهتزاز الشجرة وسقوط كثير من الأوراق! سأل صدام عن سبب الاهتزاز؟ أجابوه المخابرات (سيدي يمكن طفت الكهرباء). لان العراقيين عند انطفاء التيار كانوا يشتمون صدام (نعله على والديك) الذي يكنى (العنب الأسود) عند البعض. مثلما كان الأمريكان يسمون تورية (أبو ناجي) وقد سمعت أن هذا لقب البريطانيون سابقا.
16_إميل دوركايم، الانتحار، ترجمة: حسن عودة، الهيئة العامة السورية للكتاب، دراسات اجتماعية4، 2011، ص154.
17_رأيت شخصا في منتصف العمر نائم على الأرض يئن في مجمّع للمعامل بمنطقة الفضل دون أن يقترب منه احد، سألته متعاطفا مابك؟ قال: انه مريض وليس لديه مال يعالج نفسه. ويظهر انه صاحب سيارة حمل من نوع(صلاح الدين) تنتابه نوبات صداع كل فترة، والناس تركوه لأنهم تخاف أن يموت فتتحمل مسؤولية موته أمام الحكومة بسبب الخوف منها.
18_شاعت قصة بعد انتهاء فترة السلب بالكويت أن جندي لم يسرق أي شيء سوى "آية قرآنية" جلبها للعراق، ثم تبين بعد فترة أن إطارها ذهب خالص، واُعتبرت جزاء الهي على هذه "السرقة" الحلال في مقابل "السرقة" الحرام! حيث أن البعض حاول جلب المسروقات من الكويت بتابوت وكشفته السيطرة الحدودية، وتم إعدام من قام بذلك كما أشيع. وهي تشبه عملية الإنكار التي حدثت بعد السلب والنهب الذي حدث بُعيد الاحتلال.
19_عام 1995 تقريبا ظهرت إشاعة ظهور صورة (العباس) داخل الضريح أثناء وجود أعداد من الزوار، مما أثار ارتباك الناس واستدعى تدخل الأمن الذي أخلى الضريح. قال البعض أن صورة (العباس) كانت تبكي دم، أو تنظر للأعلى، وقال البعض انه ظهر راكبا جواده فوق القبة، ولما طالبت تفاصيل الصورة من احد أقربائي الذي ادعى أنه رأى الصورة بعينه، ارتبك بالوصف بحجة أن الصورة كانت شفافة لكنها تشبه الصورة المتداولة في بيوت الشيعة. وسمعت أن احد أفراد المخابرات رأى الصورة بعينه وسخر منها، وما أن نام حتى ظهر له بالحلم شخص قائلا بقوة بوجهه (أنا العباس) فما كان من هذا الشخص إلا الخروج من غرفته عاريا راكضا مرعوبا يلتفت وراءه. من الواضح أن هذه الإشاعة مساندة لفكرة الظهور لدى الشيعة وصورة (العباس) وهو يبكي دماً تعبير عن بكاء الشعب المضنوك وغضبه المسقط على الصورة التي ترتجي من العباس أن يلعن السلطة بالبلاء، أما إشاعة الحلم فهي لتخويف كل من يشك بها بشخصية ذات غضب فوري لا يحلف بها كذبا (العباس ابو راس الحار)، ومن غير المستبعد أن يكون احد الإيرانيين استخدم مصباح كهربائي فيه صورة (العباس) على غرار القداحات التي ظهرت بعد الاحتلال التي بمجرد ضغطة زر فيها، تظهر صورة رمز شيعي ضوئية على أي جدار.
20_الناس لم تصدق حملة النظام الإيمانية لأنها تعتقد أن إعدام العاهرات يستثني من يدفع الرشاوى ومن تعطي نفسها للمسؤول الأمني مقابل استثنائها من القتل، ومعروف لدى الكثير أن البغاء كان ينسق مع الأمن قبل المداهمات بدفع مبالغ أشبه بالإتاوات الشهرية لكي يسكت عن عملهم. ثم أن مسابقات (التوتو، اللوتو) هي نوع من القمار المحرم دينيا تتناقض مع الحملة الإيمانية. سمح النظام في الفترة الأخيرة من حكمه بممارسة الطقوس الشيعية كالطبخ وتشغيل الأناشيد الدينية (اللطميات) وبيعها بالتسجيلات.
21_ أ.د. قاسم حسين صالح، الشخصية العراقية المظهر والجوهر، (تحليلات سيكوسوسيولوجية)، الطبعة الثانية، ضفاف للطباعة والنشر والتوزيع_بغداد، ص177.
22_نفس المصدر، ص189.
23_أشيع أن صدام شارك بنفسه في معركة المطار مع ابنه قصي الذي كان يناوشه ذخيرة (RBG) التي يصوبها صدام ضد الأمريكان الذين قتل منهم الكثير بالآلاف على يد الجيش، حتى اضطروا إلى استخدام نووي أو سلاح غير معروف محرم دولياً الذي حسم المعركة لصالحهم. وأتصور أن الشق الأول من الإشاعة مصدره بعثي (أي مشاركة صدام) والشق الثاني مصدره اجتماعي، لتخفيف صدمة الهزيمة بالادعاء أن الأمريكان لولا السلاح الحديث لن يهزمونا بالمواجهة المباشرة، بالتالي "نحن أشجع منهم". والسؤال المضحك المبكي هل توجد محرمات بالحرب؟ وهي ذاتها من تبيح انتهاك المحرمات. ومن يقرر هذه المحرمات؟ أليست أمريكا ذاتها؟ وهي الخصم والحكم.
24_أ.د. قاسم حسين صالح، الشخصية العراقية المظهر والجوهر، مصدر سابق، ص190.
25_ميثم الجنابي، التوتاليتارية العراقية، تشريح الظاهرة الصدامية، حوار وتقديم: يوسف محسن، الطبعة الأولى2010م، دار ميزوبوتاميا_بغداد، ص323.
26_شاع بين الناس اسم (سندباد) وهو لقب شخص اغتنى من سرقة المصارف، وصار شخص مسلح يقتل أي شخص لأتفه الأسباب ويدفع ديته مهما كانت عالية دون أن يأبه، حتى اغتيل على يد إحدى العشائر ثأراً على جريمة قتل ارتكبها. سمعت انه من أهالي منطقة الحسينية وسمعت اسمه في مناطق أخرى. ثم اخبرني احد حراس السجون في (ابي غريب) انه كان مشرف على زنزانة (سندباد) واسمه الحقيقي (صائب) من أهالي الكفاح، حيث كان يجمع الناس حوله ويسألهم (أنا احسن؟ أم صدام؟) ولما يسمع (انتَ أحسن من صدام) يلقي عليهم الدولارات (شدات/دفاتر) وهي التعبير العامي عن عشرة الآف دولار، وتهمته انه صفى أفراد عصابته فاشتكى أهلهم عليه. بعد انتشار السلاح استسهل استخدامه بسبب اللامعيارية، وشهدت سحب مسدس لمجرد مضايقة بين سيارتين! وأخ صديقي قتل بمسدس لمجرد صرخ على سائق بلل بنطاله بماء المطر جراء سرعة سيارته.
27_ظهرت إشاعات يمكن تفسيرها "بإعادة احترام الذات" بعد جلدها، ترافقت بعد عودة المعيارية. كانت تتحدث عن أن المطرب العراقي (كاظم الساهر) وبّخ المغنية اللبنانية (نانسي عجرم) في لقاء تلفزيوني، واصفاً إياها (ارتست) كونها قالت ما معناه (لو أنها تعلم أن الشعب العراقي يسمع أغانيها، لما غنت، لان العراقي علي بابا)، والشائعة الأخرى كالتالي: المطرب العراقي (حسام الرسام) شنق مواطن كويتي بالعلم العراقي على المسرح أثناء الغناء، كونه سخر من العلم العراقي، وسجن على أثرها بالكويت. والشائعة الأخرى: فيديوا انتشر على الهواتف الذكية اسمه (العراقي ابو الغيره) فيه شخص يتعارك مع ثلاث أشخاص يطرحهم أرضا واحدا تلو الآخر بقبضته، زُعم انه عراقي في تركيا أو سوريا. والإشاعات كلها تتحدث عن عراقي يأخذ ثأره من كل من ينتقص من كرامته في الكويت أو سوريا أو أي دولة عربية، وهي جميعها كان لها دور سلبي تجاه العراق. ثم انتشر قول "العراقي ابو الغيره"، وان الإسلام موجود بالعراق فقط مقارنة بغيرنا. تجدر الإشارة أن فترة انتشار التدين بفترة الحصار كان فيها حملة ضد المطربين المسموعين شعبيا، فقد أشيع أن كاظم الساهر التقى الخطيب (أحمد الوائلي) وسأله عن مدى شرعية ماله الذي يدفع جزء منه للفقراء؟ أجابه الوائلي: نحن نبني طابوقة واحدة، وأنت (أي كاظم) تهدم خمسة طابوقات. وكان لها صيغة أخرى لجواب الوائلي: ارم مالك من مكان عالي في مكان عام، ثم انزل وخذ ما تبقى من المال غير "المنهوب" حتى يحل مالك عليك. وأشيع أيضا أن المغني (علي محمود العيساوي،و عبد فلك) تركوا الغناء وأصبحوا قراء حسنيين. (المطربين لم يتركوا الغناء إنما استغلت الإشاعات غيابهم المؤقت) وواضح مغزى هذه الإشاعات التي تحث على التدين بجعل المغني يعترف بخطئه ليحث معجبيه على تقليد هذا السلوك.
28_أ.د.عدنان ياسين مصطفى، المجتمع العراقي وديناميات التغيير، التحديات والفرص، بيت الحكمة، بغداد2011، ص163،164.
29_نفس المصدر، ص191.
30_نفس المصدر، ص30.
31_أ.د. سليم الوردي، ضوء على ولادة المجتمع العراقي المعاصر، كتاب الصباح الثقافي15، سلسلة تصدر عن جريدة الصباح تعنى بشؤون الثقافة والفكر والادب، بغداد 2009، ص15.
32_حدثني صديق انه رأى هو وأصدقائه شخص يسرق مولد كهربائي عام 2003، فتعجبنا ماذا يفعل به والأمريكان سوف يوفرون الكهرباء لنا. وهذه صورة تقريبية لتفائل الناس بالأمريكان. لأن الناس كانت تشيع ان الكويت توزع من حصة نفطها لكل طفل يولد، تُحفظ بالبنك لحين بلوغه ليتصرف بها.
33_راجع مقالي (صورة صدام بين الأمس واليوم) التي نشرتها بالذكرى العاشرة على إعدامه.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World