((المعرفيون وإشكالية المقدس في الفكر الديني والقومي))

ريبر هبون
reber.hebun@gmail.com

2016 / 7 / 17

إن القومية نتاج شعور جمعي بضرورة الاجتماع ، والضرورات حتماً ناتجة عن دوافع قسرية أو طبيعية ، كالشعور بالاضطهاد والتمييز العنصري أو الرغبة بتحقيق المصالح الضرورية ،ونتيجة الصراعات الدموية تجذرت المفاهيم القومية اللغوية ولا سيما في عصر القوميات في أوروبا وانتقالها للعالم العربي والاسلامي، وشاعت سياسات الانكار والصهر والإلغاء كتطور عن الصراع القبلي، والوعي بالجماعة وأهميتها وأهمية التماسك داخل النسيج الجماعي حاجة فطرية حيوية وطبيعية من خلال وحدة اللغة والتاريخ بحكم التجاور والتجانس في إطار البيئة ، والمعرفيون أمام طرح ذواتهم الأولى يبشرون بعلائق أكثر طبيعية وتجذراً مع كل تواق إلى الحب والمعرفة ،وتنقيب الوجود ، لأنهم يرون في الوجود النسيج الأشمل والجامع للبشرية، وذلك لأن روح العصبة لا تمثل حقيقة الحياة والغاية السامية ، ويرون في المعرفة قومية واسعة وجديدة لا ايديولوجية أو دين أو مذهب يفرِّقهم عن بعضهم كونهم يجدون في الحب سبيلاً لمعرفة الوجود الذي يمثل ذروة الانتماء الطبيعي و،لقد ظهرت مفاهيم الدعوة للاستقلال والتحرر وبناء الدول والأقاليم في مرحلة ما بعد المشاعية الطبيعية وبدأ استعباد الانسان من خلال استغلال طاقته الجسدية وحرم من حقوقه التي ضمنته له المشاعية من توزيع عام لوسائل الانتاج ، مما ظهرت الملكية الخاصة وساء توظيفها لتصبح حكراً على فئات معينة على حساب بؤس وتعاسة الفئات المنكوبة المهددة بقوتها، فتمادي الانسان بالملكية أدى إلى استفحال أوبئة الأنانية التي نجمت عنها حالات الجهل والأمية والجوع بأشكاله وأبعاده الاغترابية ، ورسخت المركزية الشمولية من حينها،مما جسد في نفسية الفئات المنكوبة مشاعر الاضطهاد والاغتراب المزمن والبدء بمحاولات قيام انتفاضات معرفية لاسترداد ما أمكن من حقوق مشروعة طبيعية مهضومة،فيما بعد وجدت هذه الفئات المنكوبة من مفهوم القوم ، والانتماء للأرض وسيلةمضادة للتهديد بالعبودية فأخذ مفهوم القومية يتبلور لصالح الجماعة المهددة بانتزاع مواردها،فيعتبر المفهوم القومي أعظم ثورة معرفية منذ التاريخ الأزل، والدين المتمثل بالعلاقة الفردية مع القوة الخفية (الله) تعد الفلسفة الجامعة المحافظة على أمن الوجود من عدم استقرار الطبيعة الكونية العالمية، تحث هذه الفلسفة الجمعية على تقوية الانسان واستمرار ارتباطه بوجود عدالة إلهية تقلص من الشعور برهبة الموت وتحث على تقوية النفوس لأجل خوض معارك الحق والكرامة فمع الحق والكرامة تنتج الخيرات وتعم الرفاهية ليصبح الانسان المعرفي أقرب إلى الجمال والسعادة بشعورالتماسك في ظل الجماعة
بينما منطق الاستعداء والعداء موجود ضمن النصوص المقدسة للأديان الابراهيمية , الأمر الذي أعطى مسوغات شتى للعنف, والتاريخ يعج بالأمثلة , بينما التبريرات شرعت الأبواب للفتاوى واللعب على الحبال , الأمر التي كانت رجالات السلطة تجد من خلاله سهولة في إلهاء العامة وتعويدهم على الكسل الذهني والتحكم بالعقول وتجنيد البشر لغاياتهم , والأديان بقيت للآن , كونها دائمة الاستعمال والأكثر سطوة على النفوس, فمن خلالها يتم تلقين النفوس منذ الطفولة على مذهب الخضوع للتعاليم دون جدل , من هنا تتأتى الخطورة , فالإفراط في الإيمان مؤذٍ, وقد يشجع على العنف بأشكاله اللفظية والنفسية والجسدية التي تمثل النتيجة القصوى للعنف الإيماني, مما يعني أن التحرر من سلطة المقدس تمثل تحدياً كبيراً , مما لها من عواقب مجتمعية سلطوية , حيث ترى الأديان التقاليد الأدنى التي يمكن عبرها حكم المجتمع , فهي تستجيب للذائقة العامة مما لا يمكنها أن تتقدم فكرياً وتنتعش , فالتأثير الديني هو الذي استساغته عبر توافد الأجيال, وقد تم جلب الطقوس الدينية لكاريزما الأحزاب والخطابات الشمولية , فباتت الأفكار الايديولوجية مقدسة منزهة وكأنها منزّلة من السماء , وعلى غرار ذلك ترسخ المقدس وتلاقح مع الفكر القومي, واليساري الثوري, فنرى الشباب مقبلاً على التطرف الذي تجلى في انتشار الحركات الجهادية على طول رقعة العالم العربي والاسلامي مستمداً ظهوره بالجذور التاريخية والذائقة المحلية لتلك الشعوب التي درست جيداً التطرف عبر مدارس وجامعات ومساجد, فأضحى الربيع العربي مقبرة لذوي الطاقات بزجهم وقوداً لأجندات دولية , والتي نجحت في تجديد الصراعات المستمدة من إشكالات النصوص الدينية وتناقضاتها, حيث تم تجديد تركة الصراع الديني بما فيه من أعباء وخيمة تاريخياً , وذلك ينتج عن التشبث التلقائي التعويدي للمقدس عبر النص الذي من العصي الثورة عليه , كونه بات الداء الضروس والفاتك لكل مذهب مخالف مستنير يدعو لليقظة المعرفية وتنشيط الذهن الذي صدعته قوالب الإيمان الصدأة, فلو كانت العلاقة بين الفرد ومعتقده تتلخص بالتأمل المفعم بالطمأنينة تجاه الله , لما وجدنا تشنجات واصطدامات بين الديني والفئات المستنيرة غير المحقونة بفيروس الإيمان, لكنها تلك النصوص التي تقود نحو الكراهية التي يغذيها الإيمان الأعمى, والذي بدوره يفرض رهبته وتأثيره تجاه المعتقد به والتي تجعله قابلاً للاستعداء والاستفزاز لما لتأثيرات المقدس عليه.
لذا فالتعاليم الدينية تخضع إجمالاً للطبقة الحاكمة التي تسوس قطيع المجتمعات والتي تصنع الرأي العام, وتتحكم بالشعوب التي تعاني الفقر والتسلط والتي باتت ألعوبة باسم الحروب المقدسة باسم الجهاد والرب وما شابه , فالإيمان بات موجهاً نحو العنف , ولم يقتصر على العلاقة الفردية بين الإنسان والله, حيث نرى مئات الأقنية الدينية الإعلامية ومقابلها الحركات الدينية السرية منها والنشطة تتوجه حسب توجهات المتحكمين بالنفوذ, حيث تستغل وجود فيروس الإيمان الموغل بمنهجية داخل عقول فئات المجتمع , والذي من خلال وجوده يتم تجنيد الشبان وزجهم في صراعات مختلفة يغذيها الإعلام المرئي, فلو لم يكن ثمة هذا التأثير التاريخي المتراكم على المجتمع لما وجدت تلك القوى المتحكمة باقتصادات الدول ذريعة للحرب عبر التاريخ , فحقيقة النصوص المقدسة قادت للاغتراب الكلي عن الحاضر وأعاقت إمكانية إيجاد آليات وسبل تقويم وإرشاد وتعايش بين الناس , هذه النصوص التي تشربت الكثير من العنف والترهيب , لم تكن رهينة أحداث تاريخية فحسب , بل تم تداولها والتماهي بها وبمدلولاتها حتى باتت متحكمة في طبائع المتدينيين وسلوكياتهم وعوائدهم وبات لهم استعداد غريزي للعداء فنرى ضيق الأفق , وكذلك الرد المستفز الذي يكشف عن مدى تأثير الدين على ذائقة وأسلوب حياة المؤمن فهو على استعداد تلقائي للعنف , فأمام هذا الكم الهائل من النصوص الدينية القاسية لا يمكن إعداد جيل مسالم, إنما سيعتبر كل منتقد ملعوناُ حسب أوامر كتابه ويجب قتله إن أمكن ذلك , فالإيمان بتلك النصوص بتمامها بأنها منزلة من الله بوحي ووساطة يكشف عن ثبات المشكلة والعلة , حيث أن ذلك يقف حائلاً بين إمكانية إيجاد حوار سلمي حقيقي مفعم بالفكر ونابع عن مراجعة ما كان على مدى طويل من المسلمات التي لم تكن تحتمل الشك , فإنتاج المقدس وإعادة تجديده , كبَّل العقل الشرق أوسطي بسلاسل قاسية, لذا يعمل المعرفيون على تحرير الله من مفاهيم بشرية تم عبرها أنسنة الله بطريقة تحرّض على العنف والكراهية , فلا يمكن في ظل ضيق الأفق لدى المؤمن المنعزل الدعوة لحوار عقلاني موضوعي , حيث نجد المزيد من انتاج الأحقاد الناتجة عن الفرق الدينية العنصرية التي تتغذى من الطائفية على نحو هائل , وتمجد الأشخاص ممن يتحلون بملكات التأثير الغوغائية , ويبررون كل قمع فكري واجتماعي بنظرية المؤامرة المزعومة والمشتقة من الصراعات التاريخية بين الأديان بوجهها السياسي وتنافسها لأجل المركز والمحور , تلك الصراعات المتولدة من ذهنية العصبيات القبلية التي اعتاد امتهانها البداة في الصحراء , والتي ولأجل التخلص من حياة قائمة على التقشف وبؤس الحياة وجدت في الدين الاسلامي وسيلة ناجعة للامتداد السياسي والاقتصادي والتنافس على الهيمنة التجارية فنلحظ النص القرآني الذي يتقاطع من النصوص التوراتية فثمة تواشج في روح الاسلوب بين الخطابين , الأمر الذي يدفع بالمؤمن بالنص بحرفيته للانعزال والكبت , وعدم قبول المختلف معه , لأن النص يدفعه دفعاً للتصادم العنفي , وأمام ذلك هل من خيار آخر , يعتمد على تجديد آليات الخطاب الديني للتحكم بالجماهير وتلهيتها عن مطالبها الطبيعية في حياة تعتمد على المساواة والرفاهية والتمتع بالحريات وكافة الحقوق؟!!
لقد استنسخت الأديان عقولاً لا تتقبل العيش في مجتمعاتها , وأمامها ذريعة أن العالم يهاجم معتقدها , وذلك قادها للشعور بالكراهية , فالعداء ثقافة قائمة لدى الشخص المحقون دينياً وطائفياً , والمقدس هو عنف اعتيادي ممنهج , حيث يتدخل الدين في تكوين النظرة القومية الأصولية أيضاً فنظرة العربي المسلم لغير العربي مختلة ومضطربة فهو يرى أن القرآن نزل بلغته, مما معناه أن غير العربي رقيق الدين, بمعنى أنه يشعر بعلو منزلته وفهمه الأكبر لمقتضيات دينه ومركزيته كونه البوابة لانطلاقة وتمدد الدين السياسي, ولاشك أن الأديان مطية سهلة وجاذبة وتمهد لاستنزاف الأمم عبرها بإشغالها بالهيمنة وصهر الشعوب الأخرى عبرها, فيكفي أن تغلف كل فكرة بغلاف ديني , حتى ترى جموع الناس تلتف حولك وتتبعك على نحو قطيعي وأعمى, حيث كان الإسلام مقدمة لرسوخ مفهوم القومية العربية قبل بروز الإسلام العثماني ومحوري الإسلام الأخيرين المتمثل بالسعودية السني وإيران الشيعي.
لاشك إن تبادل الاتهامات التي لا تنتهي أبداً , بين الديانات عموماً والسماوية خصوصاً , ولو لبست لبوساً مثالياً , ونجحت في إغواء غالبية الرؤوس المطأطئة , إلا أنها لا تستطيع أن تبث الطمأنينة والحب بين البشر لأمد طويل , لوجود العنصرية في تعاليمها وأحكامها, فعبرها استطاعت السلطات عبر التاريخ أن تشرعن وجوديتها بالتحالف مع رجال الاقتصاد, فالاسلام عقيدة تجارية استفادت في ظهورها من تجربة محمد والسلالة القريشية في التجارة وتسيير القوافل, فنشهد العديد من الآيات التي تعج بالمفاهيم التجارية ,فاعتناق كبار قريش للإسلام ساعد كثيراً في التمدد والتوسع كما الوهابية لاحقاً والقاعدة حديثاً , فالخلاف الابراهيمي بين الأديان السماوية نابع من النص وكل دين يتهم الآخر بالضلال والانحراف وأصله التنافس الاقتصادي وسيادة المركز , فأصل الصراعات اقتصادي بحت وبستار ديني , رغم اعتقاد الفئات الأمية أن التنافس هو عقائدي , وهكذا دفعت البشرية الثمن منذ الغزوات الاسلامية والصليبية والمغولية والعثمانية على الشرق الأوسط , اتخذت الهويات والعقائد مادة رئيسية للحرب.
إن الشرق الأوسط يرزح بين فكي كماشة النزاع التاريخي المقدس بين الطائفتين الاسلاميتين ووجود إعلام ديني مرئي يتحكم بطرائق الصراع ويقوم بتغذية الجماهير الشابة لتبقى وقوداً عبر النصوص التي تقدس إراقة الدم , فقد وقف رجال الدين ضد المعرفيين وعلومهم , ووقفوا على خلاف نقيضٍ مع الفلسفة , ولاشك أن لذلك تبعاته على المجتمعات والأمم, فأمست المجتمعات الإسلامية تعيش في قطيعة عن الحاضر المتمدن, إذ سرعان ما باتت ضحية للساسة المتسلطين في عموم الشرق الأوسط, فقد وجدت السلطات القامعة عبر التأثير الديني ضماناً للسيطرة والبقاء في الحكم , حيث تنحاز مجمل النصوص الدينية السماوية لتمجيد الحكم , فهي تعطي للحاكم المركزي الشمولي مسوغات مقدسة للهيمنة ودوام التحكم وشرعنة الفساد الفئوي.
لقد أفسدت التأثيرات الدينية المصطبغة بمآرب الساسة عبر التاريخ , الحياة الطبيعية التي نشأت عليها المجتمعات منذ نشوءها كتجمعات, وجعلت الحياة قالباً متحجراً مميتاً غير قابل للحياة, وعمت ظاهرة التقديس والاضطراب الإيماني كافة مناحي المجتمع وسلوكياته عبر المراكز والجمعيات الدينية , مما جعلت النفوس المتدينة في حالة تنويم شاملة , واغتراب كلية , فأمسى الإنسان الديني ماقتاً لمن حوله من الذين يختلفون معه , مما يتحول إلى صلفٍ مغترِّ وينحدر باتجاه تفكير سادي متمثل بأن العالم يعج في ضلال , وإنه موكل بإنقاذ العالم عبر كراهيته لمن هم خارج دينه , مما يصبح فريسة سهلة وجيدة لقوى تعمل على تجنيده في خضم حركة تحارب لأجل أغراض خفية غايتها الهيمنة على البقاع المحتقنة بفعل الأنظمة الاستبدادية وقمعها المستمر.
فالخطيئة التي يلوح بها أرباب الأديان لتكون المطرقة الساحقة لكل دماغ مستنير باتت الوسيلة الناجعة لترويض وكبح جماح المجتمعات الشرق أوسطية, فصراع الطوائف اللبنانية مثالاً , وأزمة الأماكن المقدسة وحرم القرم , وإبادة الأتراك العثمانيين للأرمن والأقليات المسيحية وإبادة الإيزيديين في شنكال لمرات متتالية تاريخياً تصل إلى 75 مرسوم إبادة بحقهم , لقد تم توظيف مفهوم الخطيئة بشكل متقن دينياً لتصف كل الذين تم تدجينهم في خانة الضحية , مقابل أفراد وجماعات تم تجنيدها لقتل المدجنين بالسذاجة والفقر, والعزلة التاريخية , فتغذية الصراعات عبر الطائفية تمويهاً للغاية الحقيقية وهي السيطرة وتغيير خارطة الطريق , كل ذلك برر الغاية من بقاء الأديان لتغليف كل الحروب التجارية بها ويتم إعادة ذلك عبر التاريخ بطرائق مخزية.
لقد كانت الأديان ربيبة الميثولوجية , الوسيلة السهلة والسلسة لشراء نفوس الطبقات الفقيرة , وأداة قوية لخلق الصراعات والتحكم بالموارد ,والذريعة الأفضل للتدخل في حياة الناس والإبقاء عليهم في عزلة عن الحاضر ومثالاً المجتمعات الإسلامية في باكستان وأفغانستان وإيران والسعودية , وغيرها من البقاع المتخمة بالصراعات والفقر والمجاعات, حيث فقدت هذه المجتمعات أدوارها بالبناء عبر عملية عزلها عن الحاضر وسبل التنمية والانتاج, الأمر الذي يكفل بقاء مواردها بيد الفئة الحاكمة, صاحبة الثروة والحكم , مما تتوطد دعائم الأنظمة الاستبدادية والملكيات الأبوية , وينشأ الشرخ الاجتماعي وتنعدم المساواة بين الرجل والمرأة, وتغيب العدالة الانتاجية وتضطرب المؤسسات , ويصبح القضاء التشريعي سلاحاً مسلًّطاً لملاحقة المعرفيين , أصحاب الملكات الطبيعية, هذا كله بتأثير الأديان السياسي, وعجزها عن الأخذ بالمجتمعات إلى التنمية والرفاهية.
حيث نلحظ بروزاً واضحاً لمد ونشاط الحركات الدينية والإعلام الديني, باتجاه العنف , وهو مؤشر خطير يوحي بوجود تحديات في طريق رواد النهضة الخالصة , الأمر الذي يقع على عاتق المعرفيين والمعرفيات بتجسيد الاتحاد العملي لمواجهة تأثير الأديان السياسي على المجتمعات لما لها من نتائج وتبعات خطيرة على الأجيال.
فحينما يغدو الإيمان حاجزاً يكاد يلغي الروابط السليمة بين المجتمعات , يصبح ذلك إشكالاً حقيقياً يقف حائلاً بين الاندماج الحضاري القائم على التعايش السلمي الديمقراطي , فلابد من تطعيم الإيمان تجاه المعتقد بثقافة جلية تتلخص باحترام الاختلاف وممارسته دون إكراه أو تعسف , عبر ما يخفف من استبداد النص الديني على المتلقي فكراً وسلوكاً وذلك ما يسعى المعرفيون في كافة مناخات بيئاتهم وطبيعتها وطبائع فئاتها , لتبقى تلك النظرة تجاه الله طبيعية تنم عن طمأنينة وحب وميل تجاه المعرفة وإقبال على الحياة برحابتها وتنوعها, حيث يكتمل الإيمان الروحي تجاه أي معتقد باحترام سلمي طوعي لانتماءات الآخرين التي يوجب الحفاظ عليها طالما لا تنزع إلى العنف والكراهية
إن تأسيس الحياة على قاعدة المعرفة هو تأسيس للإنسان من خلال تحرره من أمراض النعرات وتخليصه من سلطة الأقوى وعودة لقيم الحضارة مجدداً، لوعي جديد وحياة فضلى لكل الناس وتنظيم يليق بالوجود المتقن والمنظم الجميل، الذي يربي القيم في الموجود البشري، فكان الحب بمثابة الرب والمعبود، لشتى القيم التي استنبطها الانسان في الوجود عبر رحلته الطويلة الشاقة..
إن دوام الرحلة الشاقة للإنسان الحضاري هو دوام رسالة الحب والسمو بالمعرفة وإن كل بناء لا يتأسس على تكامل الحب والمعرفة هو بناء شكلي يكاد يكون هدماً بصورة ما، فلا بد من العودة للحب والمعرفة والعناية بالوجود لكي يبقى الموجود وإتمام الحب من خلال ترسيخ الاخلاق التي تحفظ للإنسان نسله ومنجزاته، وهذا يتحقق بالعناية بالبيئة من خلال وقف الحروب والتلوث البيئي..
المعرفيون يؤمنون أن الجمال في الخير لذا يعملون على تبديد مصادر القلق، ويؤمنون أنه لا مهرب من تجاوزه ، ويزرعون الجميل في الخير الذي يشعُّ فيهم ، ويرون في توافه الأمور أشياء تنضب بإيجاد الأفكار الطبيعية ، لذا فهم يجدون في الطاقة الداخلية الأمل الوحيد في تجديد الذات بالمعرفة .
المعرفي يرقى إلى الابداع دوماً فهو يجد في الابداع علم ممارسة الحرية، وطريقة جديدة في استخدام الأدوات والأشياء بجودة وعناية ، تكشف عن مخزون الجمال والسحر لديه, فهو يقبل عن جمال وروح صافية نحو تغيير ما تأخر تغييره ويؤمن دوماً بضرورة التأن في الخروج بالقرارات ،إنه ينهض بالحياة كونها جميلة بطبيعتها ويراها أجمل حين يقوم بأخذ لمساته عليها.
إن المعرفيون طبيعيون في ممارستهم للحياة وتوغلهم بالمؤسسات فهم يجدون أنفسهم الأجدر في تحويل المؤسسات والأحزاب والتكتلات إلى نواة جديدة تمثل روح الوجود والمعرفة والحب ،إنهم يرون أن كل تنظيم أو نظام اجتماعي أو اقتصادي لا يضع المعرفة لأجل الحب والوجود الشامل غاية قصوى لها عبارة عن قوى ظلامية تعمل لأجل المزيد من الاحتقان والفوضى والكراهية وضخ الحروب التي تمت للجهالة والتخلف والتعصب الذي يشوه قيم الجمال والخير والحق..
فتوافد الصراعات عبر التاريخ أبعد الانسان عن خصائصه الطبيعية التي هي ركائز أولية لبقاء الانسان كائناً حراً اجتماعياً ومتفاعلاً معرفياً ، وإن تمتع الانسان بكافه حقوقه الطبيعية وممارسة واجباته هو من خصائص ممارسة المعرفة والحب والاقتراب من الحقيقة المعرفية المتمثلة في وحدة الوجود
إن الثورة الحقيقية كامنة في ممارسة الحب الطبيعي الأسمى للوجود، والعناية به ، و الايمان الحقيقي بمبدأ التعايش السلمي بين الشعوب فالقتل هو قتل للانسانية وبتر لفضائلها وإحجاف بمنجزاتها، والاستبداد انكارٌ للعيش الرغيد وتواطؤ مع الكارثة في انتهاك الجمال والسحر النابعين عن قيمة الكرامة، التي هي مبعث إخلاص الانسان لنفسه والآخر وللوجود برمته، والإجرام هو جهالة عمياء وآفة كبرى تقف اليوم في وجه الباحث عن الارتقاء الفكري النفسي الاخلاقي ، من هنا كان الوجود والحب وكانت المعرفة..
ومن طليعة مهام المعرفيين هو أن يكونوا حماية لكل من افتقد للطمانينة العالمية والشعور بالأصالة التي تكمن في الحب الآزلي الجديد للحياة والأرض والجماعة التي يرتبط بها الموجود فطرياً ،والتلاحم بين الجماعات ضرورة حيوية للارتقاء بالجمال , والمعرفة تعمل على توحيد الانسانية لتتمتع بخصائصها المتعددة في ظل الحياة..



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World