مسرحية هو الذي رأى

عباس منعثر
abbasmuna1971@gmail.com

2014 / 11 / 2

هو

الذي رأى


المكان: (غرفة العجوز التي تتحرك بين المجاز والواقع، بين الغنى الفاحش والفقر المدقع)

الشخصيات


العجوز : أعمى لكنه يرى
المبشر : الحكيم الأخضر
المؤجر : الجار
الابن الأصغر
الابن الأكبر

المشهد الأول


العجوز : (لنفسه) أذهب؟ إلى هناك؟ أبقى، أبقى، هنا؟ لكن إلى متى؟ إلى أن يأتي؟ وافترض أنه تأخر؟ أو أنه بحاجةٍ إليّ..
(يلف، يدور، يتقدم، يتأخر، يرتطم هنا، يقع، يقف، يتجه إلى الباب بصعوبة)
(يدخل المبشر وهو شخصية مرحة تشيع جواً من الخدر في النفوس)
المبشر : (بمرح فائض) هيه
العجوز : من؟
المبشر : ناقلُ السعادات، ومُقرّب الجماعات، خادمُكَ المطيع خدّة بن خدر.
العجوز : أين كنت؟
المبشر : لا تسألني. تعلمُ إنّ عليّ أن أطرقَ الأبواب كلَّها، فالكلُّ يطلبني.
العجوز : تأخرتَ عليّ.
المبشر : تأخرت؟ حقي، أي والله حقي. الناسُ لا تعيشُ بدوني. كالذبابِ يطنّونَ فوقي. في الشارع المقابل مثلاً عجوزٌ صبيةٌ في التسعين، فقدتْ سنَّها الذهبيّة. يالقسوةِ قلبي إن لم أُساعدها. وجارُها ـ نعم صاحب القصرِ الفخم ـ لديه حكّة في الشرج منذ يومين.. المسكين.. أُضطُرَّ إلى اعتزال الناس، فالمسألةُ مخجلة، وجارُه، متخمْ. جمّعتُ الطلباتِ وهرولتُ إلى الحكيمِ الأخضر فبتَّ في كلّ مسألةٍ على حِدة.
العجوز : وتركتَ مُعضلتي!
المبشر : أنانيون. الكلّ يسرقُ النارَ لخبزه وللقير بخبزِ الآخرين.
الأنانيةُ تغلّفكم ـ للأسف ـ وهي كافيةٌ للقضاءِ عليكم أجمعين.
العجوز : دعني من هذا وقلْ لي: أين هو، ولدي؟ متى يعود؟ متى؟
المبشر : حيلك حيلك! أولاً عليك أن لا تسأل، لأنَّ الذبابَ الأزرقَ لن يعرفَ لك طريقاً إن سألتْ. ثانياً: كُنْ شفيقاً بي وبعقلك. لكي تحترمَ الإجابةَ عليكَ إن تسألَ سؤالاً واحداً، يتبعهُ سؤالٌ واحدٌ وهكذا تتفرقُ الأسئلة والأجوبة، وعليك ـ إن امتلكتَ القدرةَ والوقت ـ أن تجمعَ الإجاباتِ بعضها إلى بعض.. لو تذكرتها.
العجوز : أين هو؟
المبشر : (صارخاً) أطلقتُ هذا السؤالَ على الحكيمِ الأخضر.
العجوز : (مُنصتاً وفي كامل العمى)
المبشر : وأجابني قائلاً
الحكيم الأخضر: غادركَ ابنُك الأكبر قبلَ سنوات، وترككَ وحيداً للعثِ والبرد.. انتظرتَهُ طويلاً، حتى أخذتِ الدموعُ بصرَك، أكلكَ القلقُ واليأس، صرتَ تنافسُ الكلابَ على المزابل. لا أحدَ يمدّ يداً إليك، نتأتْ عظامُك وجفّتِ الروحُ فيك..
العجوز : صحيح.
الحكيم الأخضر: ابنُك يتنقلُ بين الأمكنةِ، يدخُل بلاداً عديدة، الأبوابُ تُغلق في وجههِ، ويرميهِ الصغارُ بالفضلات..
العجوز : يعاني مثلَ أبيه في شبابه.
الحكيم الأخضر: جابَ الطرقاتِ وحيداً، مُهملاً.. عملَ في أردأ الأعمالِ، ونامَ على الأرصفة، لكن..
العجوز : لكن ماذا؟
الحكيم الأخضر: لكنّهُ كافح. عرفَ الأسرارَ كلَّها، تكشّفَتْ له الظلماتُ ورأى. نعم هو الذي رأى كلَّ شيء وحفِظَ كلَّ شيءٍ، ولهُ على كلِّ شيءٍ يدٌ أو سلطان.
العجوز : عرفَ الأسرار كلّها.
الحكيم الأخضر: لا يفعلُ إلا أن يمسَّ الشيء تُراباً كان أو هواء فيتحولُ إلى ذهب ذهب أصفر جداً جداً.
العجوز : (يرقص) ذهب ذهب...
الحكيم الأخضر: وهكذا تتحول الدروبُ إلى صُفرةٍ ناصعةٍ حين يمرُّ بها، والحقول إلى صُفرةٍ والجبال.. العالمُ أصفرُ أصفرُ يلمعُ بالذهب.
العجوز : هو غنيّ إذن.
الحكيم الأخضر: إلا أنّ يداً تمتدُّ في الخفاء، هزمتْها قدرتُه، تحاولُ أن تُعمي نورَه، تُحاولُ أن تطعنَهُ في..
العجوز : (ممسكاً بالمبشر) ولدي.
المبشر : ثم...
العجوز : (صرخة)
المبشر : صحا الرجلُ الأخضرُ من غيبوبتِهِ.
العجوز : أرجِعْهُ إلى غيبوبتِه، أرجعه.
المبشر : لا.
العجوز : أريدُ أن أعرِفُ ما حلَّ بولدي.
المبشر : الحكيمُ الأخضر ليس حماراً، إنه بشرٌ من لحمٍ ودم. له حقُّ أن يرتاحُ قليلاً. فمهماتُهُ شاقةٌ ويحتاجُ إلى طاقة.
العجوز : طاقُتهُ عليّ.
المبشر : طاقةُ الأخضرِ النوايا الطيبة. (يستدرك) وقليلُ الجودِ من الموجود.
العجوز : له ما يطلبُ..
المبشر : هكذا أعيدُ الرجلَ إلى غيبوبته التي تمتصُّ دمَه مجاناً.
العجوز : تقفُ بيني ورؤيةِ ولدي.
المبشر : الحياةً لم تنتهِ بعد، ومادام الرجُل الأخضرُ موجوداً وأنا موجود فإنه سيحلُم بابنكَ ويراهُ ولو كان في بطنِ الحوت.
العجوز : إنك تُخفي عني الحقيقة.
المبشر : أنا مجردُ رسول,, رجلٌ عاديٌّ مثلي مثل أي حذاءٍ قديم في أيّ شارع قذر.. مهمتي أن أنقلَ ذبذباتِ كلامِ الأخضرِ إلى الآذان. والآن عليّ أن أبشّر جارك الذي فقدَ أبناءَهُ الثلاثة.
(يغادر)
العجوز : ذهب ذهب
(يدخل الجار وهو صاحب البيت كما يدّعي)
الجار : لقد طفحَ الكيلُ بي، أنا الجارُ الأولُ ولستُ السابع، بي أن المسكين الطيّب الذي يُؤكلُ لحماً ويُرمى عظماً.
العجوز : ما بك يا صاحبي؟
الجار : لا صحبةَ في هذا العالم, إننا في غابة، الكلُّ ينهشُ الكلُّ دون رأفة.
العجوز : سيغيّر كلَّ شيء.
الجار : الإنسانيةُ تنحدرُ إلى الحضيض، تنكمشُ بالحروبِ والتجارة، وستتلاشى بساكنيها في آخرِ المطاف.
العجوز : هو يهتمُ بالكلّ، وسينقذُ الكلّ.
الجار : (يؤشر على العجوز) الجارُ يحوّلُ بيتَ جارهِ إلى مزبلة، أين حقُّ الجيرة؟
العجوز : (ذاهباً في حلم) كنا لا نعرف بيتَنا من بيت الجار، أطفالُنا ينامون حيث ينعسون، نأكلُ من القِدرِ نفسه، تتحلقُ الأمهاتُ أمام الأبوابِ والأطفالُ يطاردونَ الخنافسَ تحت أعمدةِ الكهرباء، كنّا نتخاصمُ ونتشاجرُ، لكنّه الحبُّ، ذلك الذي افتقدناه...
الجار : رحلَ الحياءُ عن قلوبِ الناس وتغيّرتِ المعادن..
العجوز : تشوّهتِ الأشياء...
الجار : لا يُفكرُ أحدٌ في أحد.
العجوز : إلاه....
الجار : ثمة عجوزٌ متمكنٌ مليءُ الكرشِ لا يراعي أن غيرَه لا يجِدُ الترابَ كي يلهمَهُ ولا يعرِفُ أنّ أناساً تأكلُ أظافرَها.
العجوز : ... يفكّر في الجميع.
الجار : كل يوم قناني لا نعرفُ لها أولاً من آخر. كل يوم زبالة تكفي عشاءً للموزمبيق كله.. وكل ذلك أمام عيونِ أولادي الصغارِ الجائعة...
العجوز : سيتغير ذلك كلُّه...
الجار : هل تحولتَ إلى إذاعة‍‌‍! كل شيء جميل ورائع، ما بك، إنني أقصدُك.
العجوز : وما شأني؟
الجار : ما شأنك.. أنت من حوّلَ بيتي إلى مزبلة.
العجوز : غيري من حولَهُ إلى مزبلة.
(تسقط الفضلات من بيت الجار إلى حوش بيت العجوز)
الجار : غيري، غيري.. الكلّ يقولُ غيري. هل سمعتَ بمجرمٍ امسكوه مُتلبساً ولم يقل غيري هو الذي قتل.
العجوز : وأيُّ جرم اقترفتُ غيرَ ضعفي؟
الجار : يدهُ ملطّخةٌ بالدم ويظنُّها بيضاءَ كعباءةِ زوجتي.
العجوز : كُنْ مؤدباً.
الجار : نحن عنوانُ الأدب. إن الأدبَ نفسَه يتعلم الأدبَ من آدابنا.
العجوز : نعم، والدليل: الحجارة التي يرميها أولادُكَ على زجاج النوافذ.
(الحجارة القادمة من بيت الجار تكسر النوافذ، يتعالى صياح الصغار ابتهاجاً)
الجار : صدفة. صدفة إنك وُجِدت في المكانِ الذي استقّرتِ الحجارةُ فيه.
العجوز : صدفة! وكل يوم!
الجار : اسمح لي لو لم تكنْ في المكان، لما كانَ الزمان، هكذا سمِعتُهم يقولون.
العجوز : أتصدق نفسَك.
الجار : لو أنّ عاقلاً يحكمُ بيننا لأقرّ بأنك تتجنى على الصغار. الأطفال تعودوا على العراك. هذا يهمشُ هذا، وذاك يدمي أَنفَ ذاك. أحدَهم يمزق ملابسَ أحدِهم، وتهطلُ الحجارةُ كالمطر على النوافذ.
(تهطل الحجارة كالمطر)
العجوز : أطفالك سينحرفون.
الجار : يكبرون غداً ويعقلون.
العجوز : وزوجتُك؟
الجار : ما بها؟ (رابطاً ذِكرَ زوجته بالانحراف)
العجوز : تَلقي عليّ ماءَ الغسيل.
الجار : نظرُها ضعيف.
العجوز : عيون البقر وتشكو البصر!
الجار : الرؤية بالقلب وليس بالعين يا أعمى. مسكينة، ستقتلها الهموم.
ثم تعال هنا أتتهرب من الموضوع بأشياء تافهة كهذه؟
العجوز : (بصوت خافت، متذكراً ابنه الأكبر) ما عذرك حينما يأتي؟
الجار : اسمع، أعطيك يومين كآخر مهلة ثم أرمي بك في الشارع. كفى استغلالاً لطيبتي.
(يغادر)
العجوز : لو عَلِم بما تفعله بأبيه الحبيب لضربك ضرباً مبرحاً، لعلّق أطفالك الشياطين من رؤوسهم بالأشجار، وسلخ جلد الحيزبون زوجتك. اللعين، يمتص دمي ويتباكى.. مع أن البيت بيتي!
(يدخل المبشر)
المبشر : البشرى، البشرى.
العجوز : جاء!
المبشر : حتماً.
العجوز : (متلهفاً للسماع، مرتعشاً)
المبشر : حلمتُ به وكأنه يركب على حصان أخضر × أخضر، يدخل في دروب خضراء خضراء، والناس خضر يمشون وراءه.
العجوز : أكملْ.
المبشر : فهرولتُ إلى الحكيم الأحمر.
العجوز : أحمر!
المبشر : ابتسم وقال:
الحكيم الأخضر: خاتمة خير، لقد صبر العجوز حتى ظفر.
العجوز : قرُب الظفر.
الحكيم الأخضر: دعْ العجوز يقدّم العطية حتى تصح الرؤية.
العجوز : هو في الطريق.
المبشر : كل شيء في الطريق، الحياة والموت..
العجوز : سأستعد.
المبشر : جاحد، عليك أن تشكر أصحاب الفضل أولاً، فلولاهم لضلَّ الطريق وأكلته السباع.
العجوز : شكراً لك.
المبشر : ستحل بكم اللعنة لأنكم ترفسون النعمة بأرجلكم.
العجوز : لا تغضب، فطاقتك في القلب.
المبشر : يفضّلها الحكيم الأخضر في الجيب.
العجوز : غداً يأتي، ها؟
المبشر : العجالة تقودكم إلى الخسران دائماً. فما أن يقترب أحدكم من زوجته حتى يتعجل فيفسد اللذة، وما أن يخطط لأمر ما حتى يتعجل فتضيع الفرصة. المتعجلون إخوان الخسارة الفادحة.
العجوز : حقي يا رجل، ابني ولم أره منذ (15) عاماً، بل ربما (20) عاماً بكاملها.
المبشر : يا عجوز.
العجوز : نعم.
المبشر : عندما ترفع يديك إلى السماء بالدعاء، وتريد مطراً من الغيوم، كم يستغرق الوقت بين يديك وهطول المطر؟
العجوز : لا أدري.
المبشر : ها! ترسل الشمس أشعتها إلى البحر أو النهر أولاً. يتبخر الماء، تأتي الريح وتحمله إلى مكان ما، يتخلخل الضغط هناك، يتكثف البخار، وبتأثير برودة الهواء يتحول إلى قطرات تسقط من أعلى... قدّرْ المسافة بين اليدين والغيوم وستجد أنني لم أكذبك القول.
العجوز : يعني...
المبشر : اطمئن.
العجوز : سأطمئن.
المبشر : وصفّي النية.
العجوز : متى تصفو النية؟
المبشر : الأمر متعلق ببياض قلبك، وصفاء سريرتك.
العجوز : هي كذلك.
المبشر : إذا رجع فالفضل للأخضر، وإذا لم يعد ففتش في نفسك وطهرها من أدرانها.
العجوز : أثمة علامة؟
المبشر : حينما يخضرّ الغسق.
العجوز : حينما يخضر الغسق..
(يغادر المبشر، من اليمين)
العجوز : حينما يخضر الغسق. جميل، ليت لي عينين حتى أرى المنظر. هو أخضر والناس خضر والغسق كذلك، يا لروعة اللون. قلت لهم سيرجع...
(يتجول في المكان، يحاول تنظيفه وتجميله، يكنس فيزيده وساخة، يرش الماء يغني مبتهجاً)
العجوز : لم يصدقني أحد، لكنهم حين يرونه أمامهم، يرتدي الأخضر، والناس من حوله خضر خضر، يعرفون إنني لم أكن مجنوناً.. سيوقفهم عند حدّهم: لا الانتهازي الحقير يتجاوز، ولا ابني يطردني ويضربني أمام الناس، ولا ابن الشارع يضحك عليّ..
(يدخل الابن الأصغر، وهو رجل نحيف وكئيب)
الابن الأصغر: أليس لذلك نهاية؟
العجوز : رحّب بأبيك أولاً.
الابن الأصغر: بم أرحب وقد جعلتنا علكاً في أفواه الناس!
العجوز : سمعت الخبر وجئت تلقي التحية.
الابن الأصغر: رجعنا ثانية!
العجوز : هذه المرّة فقط، لا أوهام ولا أحلام.
الابن الأصغر: قلتَ ذلك من قبل ومن قبل ومن قبل...
العجوز : انظر إلى نفسك تجد الدليل، ألست أخضر مثلك مثل الباب والسقف والحائط.
الابن الأصغر: أيها العجوز، أنت عظم انحشر بالعرض في بلعومي.. ابتلعتك كالموسى، فلا أنا قادر على الشكوى ولا أنا قادر على السكوت.
العجوز : يكفي.
الابن الأصغر: لن أكتفي حتى أفضحك أمام نفسك. كنت وما زلت جباناً تخاف من ظلك، من يصفعك على الخد الأيمن تقدّم له الأيسر ومن يركلك تُقبّل قدمه... وهكذا رضعنا الذل.
العجوز : كنت أبيتُ في العراء كي تكتسوا، كنت ألهث كي تعيشوا بكرامة.. أسهر كي تناموا، أجوع كي تأكلوا...
الابن الصغير: أشبعتنا وهماً، وقيّدتنا بالحلم تاركين العالم يعصف ونحن نتمنى، الأرض تمور ونحن مسمار في لوح... الدنيا تتغير بسرعة وأنت مجرد أسطوانة قديمة.
العجوز : لا بأس، لا بأس.
الابن الأصغر: لا شغل لك إلا أن تحلم بالغد: غداً، غداً... ولا شيء أتعس من الغد... تشكو من الجار وبيتك ينفرد عن كل البيوت ويقع على حافة الدنيا، تشكو من المؤجر وبيتك ملكك، تشكو ممن يطاردك بينما لم يرك أحد منذ سنين!
العجوز : قد يعلم أخوك بما تقوله...
الابن الأصغر: لن يعلم، ولا يهمه أن يعلم. لقد هرب منك ومن حماقاتِك. استغلّك وأخذ كل ما تملك وذهب وراء ملذاته، وربما قُتل كما قالوا أو اختفى أو عمل في التهريب...
العجوز : لا تسِئ إلى سمعته.
الابن الأصغر: أي سمعة، هو مجرد لص قذر يطفر على بيوت الناس. ياما سبّب لنا المشاكل وأودعونا السجن بسببه.
العجوز : اصمت.
الابن الأصغر: لقد أعماك تماماً. ألا تذكر أنه رمى بك من فوق السلّم وأصبتَ بالعمى.
العجوز : أنت فعلتَ ذلك.
الابن الأصغر: لدي هموم تُحني ظهري، لدي من الدخان ما يكفي لخنق الكون كله... إنني ألهث ككلب. إياك أن تطلبني ثانية...
(يهم بالذهاب)
العجوز : صدّقني هذه المرة وسأكون كما تريد.
الابن الأصغر: أصدقك، وقد طردتني في ليلة مظلمة، ممطرة، عرّيتني أمام البرد والبطالة... أتريدني أن أكافئك على ما فعلت بي... الآن أردّ لك الإهمال.
العجوز : أنا فعلتُ ذلك؟
الابن الأصغر: كنتَ تملك الكثير، لكنك لا تملك العقل، بذّرت أموالك وأعطيته لهذا وذاك حتى ضحك منك الجميع وفرّوا من حولك بعد أن فقدت الجاذبية.
العجوز : ألن تنتظر أخاك؟
الابن الأصغر: حتى إن جاء، أتمطر ذهباً، أم يطير البعير، أم تثمر النخلة اليابسة؟
(العجوز يسمع طرقاً على الباب، فرحاً يهرول)
العجوز : (للابن الأصغر) أخوك، أخوك. لن أخبره بما قلت، لكن كُن عاقلاً.
(العجوز يحضن الهواء، يشمه ويقبله، يظن أن الابن الأكبر قد سمع الحوار السابق، وهو غاضب الآن من الابن الأصغر، يتصور معركة حامية بين الطرفين، ويقف حائلاً بينهما)
العجوز : ليقبل كل منكما الآخر.. هيا.. ما هذا؟ إنه أخوك الأكبر.. كفى يا أولاد.. ليس بينكم.. (للأكبر) أعلم أنه عاق، وأنه يشتمني، ولم يساعدني بفلس واحد منذ غادرت إلى المجهول، لكنني أسامحه فهو لا يقصد، (للابن الأكبر) كفى أنت الآخر، إنه أناني نوعاً ما لكن قلبه كالحليب. وأنت (للأصغر) لا ترد على أخيك الكلام. ماذا، ستتقاتلان أمامي. اتركْ أخاك الأصغر، وأنت، لخاطري، لا تضربه، لا ترد الضربة، سيتعقل، لا، لا، ألا تحترمان وجودي؟
الابن الأصغر: انقطع آخر سلكٍ في عقلك. حضّرْ أشياءك، اذهب إلى دار العجزة، ومُتْ هناك بالسرطان.
(يغادر)
(يبحث العجوز عنهما، يصطدم بالجدران، لا أحد)
العجوز : رحلتما معاً.. ابقيا معي فلم يبق لي الكثير.. هي أيام معدودة وأغادر أنا الآخر، أيام معدودة أعيشها بسلام، بعد أن شابت الروح والجسد، أليسَ من حقي أن أعود طفلاً كما كنت، طفلاً أتدلل على أطفالي.. أنتم تعلمون إنني لا أملك سوى التعب ولم أر إلاه... (مخاطباً الابن الأكبر) لِمَ ذهبت سريعاً.. لقد انتظرتك، انتظرت أن تهلَّ مع القمر في ليلي الحالك، انتظرت أن تريح شيبتي وتُقيل عثرتي، انتظرت أن أتكئ عليك في عجزي... انتظرتُ.. انتظرت...

**
المشهد الثاني

(يتحرك العجوز بين الباب والنافذة، متأملاً مرة، ويائساً من قدوم أحد مرة.. يسمع صوت (المبشر) وهو يصيح: البشرى البشرى، يتلاشى الصوت ثم يعود، يخفت الصوت ويتلاشى، يضع العجوز يداً على كل خد ويضيع في دوامة الصمت)

(يدخل المؤجر من اليسار والمبشر من اليمين)
المؤجر : لملمْ أغراضك، هيا، سأرميك إلى المستنقع الذي خلف المدرسة.
المبشر : أبشرْ، فقد حلمتُ البارحة.
المؤجر : تمصُّ الناس دمكم ليل نهار، وما أن يطالب صاحب الحق بحقه حتى تتهربون.
العجوز : (ببرود) يقول إنه حلم..
المبشر : نعم حلمتُ.
المؤجر : ماذا سأقبض من مجرد صورٍ صامتة؟
المبشر : ابنك يعبر البحر الآن، أمامه اليابسة وخلفه القراصنة.
العجوز : تباً!
المؤجر : تباً لك.
المبشر : وصلَ اليابسة، مُحمّلاً بالحقائب.
العجوز : حقائب؟
المؤجر : حقائبه فارغة دائماً.
المبشر : وحين سألتُ الحكيم الأزرق...
العجوز : ألم يكُنْ أخضر...
المبشر : اللون ليس مهماً، قال:
المؤجر : أي لون أيها الأحمق...
العجوز : إنك مخادع..
المؤجر : أتسمّي المطالبة بالحقِّ خداعاً؟
المبشر : أنا، لا. قال:
الحكيم الأخضر: إذا لم يأت اليوم فسيأتي بعده بيوم، أو بعده بيوم، فليطمئن العجوز ولتتحرك يده، حتى يأتي عيده...
العجوز : لم تترك لي فراشي حتى..
المؤجر : هذه تهمة، من أخذ فراشك؟
العجوز : السنون تمضي ولم يحصل ما قلت.
المبشر : الصبر الصبر.
العجوز : لقد مللت.
المبشر : خطر عليك هذا الكلام.
العجوز : كل يوم تقول شيئاً جديداً، مغرياً، لكن لم يتغير شيء.
المبشر : ولم تريد تغيير كل شيء دفعة واحدة، العافية بالتدريج..
العجوز : سيرميني الصبر والتدريج إلى القبر.
المؤجر : يا ليت.
المبشر : يقول الأخضر: إذا سعى الإنسان وراء نزواته، فقد حياته.
العجوز : أنا ذاهب.
المبشر : وتكسر أوامر الحكيم.
المؤجر : وحقي؟
المبشر : قال الأخضر: فلينتظر، لا يذهبنَّ إلى أي مكان، الانتظار خير له. ليبق حيث هو حتى تجيء الرؤيا.
المؤجر : حقي يا ناس، إنه يأكل حقي..
العجوز : (للمبشر) وقد لا تأتي.
المؤجر : سأغلق الباب.
المبشر : إذن هي الداهية. قفْ مكانك. لو خرجت من هنا تموت: أنت سمكة مكانها حوض الماء. ثِقْ بي وبالأخضر.
العجوز : لن أثق بغير نفسي.
المؤجر : حقي.
المبشر : لقد حلم أخيراً...
العجوز : الأحلام تولد أحلاماً وتموت أحلاماً.
المبشر : صدقني.
العجوز : كذّاب.
المؤجر : لا تتجاوزْ.
المبشر : ولدك يحمل لوناً من كل لون...
المؤجر : لا تخرج..
المبشر : انقلبت الدنيا، أنت هرم لا تستطيع أن تذهب، هنا على الأقل تجد المأوى.
المؤجر : أعطيتك المأوى الذي يفتقر إليه الآخرون، أهذا جزائي؟
المبشر : قفْ، الحكيم الأخضر، لديه نصيحة أخيرة لك، أنصت إليه، إنه يغضب: يحمرُّ غضباً، يصفر، يخضرّ.. سينفجر الحكيم.
المؤجر : سيفجر المكان..
العجوز : أتظنانني ضعيفاً.. إنني قوي، قوي.
المبشر : جُنَّ العجوز.
المؤجر : الحقوني!
المبشر : الحقني أيها الأخضر.
العجوز : أُخرجا من بيتي.
(يطاردهما، ويهربان كل في الاتجاه الذي أتى منه)

**

المشهد الثالث

(في لحظة ما يجد المرء الوحشة وقد خيمت على العالم وعلى نفسه، حينها قد يفكر في أن يتخلص من كل ألمه الممض العميق، وقد يمشي في درب يجد في نهايته نبتة خضراء أو حنظلاً... العجوز، وحيداً، تحيطه بقعة الذاكرة، حيث تمر عليه أيامه السالفة، متداخلة، عشوائية، بلا هدف... شريط كامل يمر أمامه، طفلاً، وشاباً وكبيراً، صغاره وزوجته، الناس، والليل، والحرمان...)

العجوز : لن يعود.. لن يقبلني ويدعوني إلى مسامحته، لن أرتمي باكياً في حضنه، يكفكف دموعي، يعاقب أخاه على عقوقه، ويصالحنا، يعيد شمل العائلة، يُرمّم المكان الذي خربوه... لن..
(طرق على الباب)
(الابن العائد يقف في وسط الباب، طويل، نحيل، مترب)

العجوز : جاء. ولدي الحبيب. هو. تعال... (يحضنه) أجل أكثر، أكثر...
الابن الأكبر: (لا يحضن أباه بل يقف كالتمثال) تعبان.
العجوز : (يركض في كل مكان) تعبان، مِنْ حقه، عليه أن يرتاح... فلذة كبدي.
(يدخل الابن ويضطجع، يحاول الأب احتضانه، فيقول)
الابن الأكبر: جوعان.
(العجوز مهرولاً من جديد، لا يجد طعاماً، يخرج إلى الجار، نسمع صياحاً وضجة، يبدو أنهم يضربونه ويطردونه يرجع وقد أدماه الضرب)
العجوز : من السفر، حقه، حين يرتاح من التعب ويشبع من الجوع، سيرتمي في حضني ويفتح الحقائب.
الابن الأكبر: نعسان.
(مهرولاً كي يوفر الفراش، لا يجد، يخرج إلى بيت الجار، نسمع جلبة أقوى من سابقتها، يعود العجوز وهو يتصبب دماً ويعرج)
العجوز : فراش.
(ينام الابن الأكبر والعجوز واقف على رأسه وقد هده التعب)
العجوز : لقد تغيّر، هو نحيل جداً، ومُتْرَب.. من السفر. لكن السفر لا يفعل ذلك. لا. أكيد تعب السفر، السفر ليس لعباً، إنه مشقات تتلوها مشقات، غربة وذل وخوف. (صمت). لم يقلْ لي كيف حالك، ولم يبكِ على صدري. هو لا يحب البكاء، يقول: لا أحب الضعف وأكره كل ضعيف. نعم لقد قال أنه لا يحب الضعيف. هو ضعيف الآن. لا. بل هو سمين جداً، حتى إنه لم يدخلْ من الباب إلا بالقوة بعد أن فتحته على مصراعيه. والحقائب، نعم الحقائب أتعبته. يقال أن أربعةً لم يستطيعوا حملها، بل عشرة. مَنْ صبر ظفر وها هو يومي.. الآن ظهري قوي...
(يستمر في الهمهمة التي تنخفض شيئاً فشيئاً، يرتعش ويسقط على الأرض بالقرب من ابنه الذي يشخر، النوبة تتصاعد

ويتصاعد ارتعاشه مع تصاعد موسيقى غريبة وشخير الابن وتصاعد الضوء الذي يخرج من مكان ما إلى أعلى فأعلى، ثم....)
(إظلام)
(انتهت)
* * *
• من كتاب (مأساة روما) الصادر عن اتحاد الكتاب العرب 2003



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World