جوزيف

يوسف الخضر
Yousefal1@hotmail.com

2013 / 11 / 8

كان يحدق بالوجوه المتعبة بحذر، يدورها في كل زوايا البار ، يراقب حتى حبة الفستق أو كركرة الزجاجة وهي تحنو على الكأس الفارغ ، يلبي الزبائن بسرعة كالولد المطيع رغم بدانته. نادراً ما يحتاج إلى إشارة من يد كسولة ليلبي الطلب خاصة من الزبائن اليوميين .
طلاب جامعيون غرباء تربط بينهم لهجات تحتاج إلى تهجئة ، عمال وموظفون في أسفل السلم الوظيفي يترعون صدورهم بشراب الروح التي جفت في نهارهم أو بيوتهم .
مثقفون ثوريون يجرون نقاشات مصيرية . ضجيج على الطاولة الأخرى جمعت وجوهاً من ألوان الطيف المغبر ؛ شيب وكهول ترتفع أصواتهم فجأة وتنخفض مع بعض الانفعالات والاحتجاجات . لا شك إنهم يناقشون الكساد العالمي أو قضية ثورية ما وراء البحار. بعضهم صامت يكتفي بالموافقة بهزة رأس كممثلي الشعب .
على طاولة أخرى اثنان صامتان يمارسان اليوغا، النفسية .
لاشك أن جوزيف لاحظ ذلك ، أو تعود عليهما، يرقبهما بعطف ، يسارع باستبدال الزجاجات الفارغة بمليئة ، من غير أن يطلبا ذلك ، على مايبدو يعرف عيارهما اليومي، ويرقب احمرار وجهيهما المتناسب عكساً مع فراغ كأسيهما ، الوقت هنا ليس له حواف يسيل على الجميع بلزوجة تبطئ الإحساس بالساعات .
يقوم أحد الرواد محاولاً الاعتدال بسيره يصطدم بآخر عائد للتو من تفريغ خزاناته مع سيل من الاعتذارات والابتسامات الدافئة ، ولو حدث هذا الصدام في الشارع لكانت مشادة قد تنتهي بالضرب .
البيرة الوطنية مفيدة للكلى. وتهذب الأخلاق أيضاً.
تختفي بعض الرؤوس بغمام السجائر. تمادى البعض برفع صوته، يقترب جوزيف من الطاولة بحركة احتجاجية.
يبدأ بقلب بعض الكراسي على الطاولات التي ارتاحت من زبائنها، موحياً بموعد الإغلاق. يلتفت إليه صاحب الصوت العالي محتجاً على هذا التصرف. يشير جوزيف إلى ساعة يده باستنكار، الوقت قارب على الانتهاء والزجاجات لم تفرغ بعد، يهدئه أصدقاؤه ومع بوسة ذقن فينتشي من هذاالانتصار الذي يفتقده في عمله أو أمام زوجته ،
تأخر عامل المطعم المقابل بإحضار الوجبة الثانية من الفطائر، اقترح أحد شركاء الجلسة أن يأخذ الوجبة المتأخرة لأولاده، رفض في البداية لكنه لم يستطع أن يخفي سعادته بهذا الاقتراح .
طلب من جوزيف كيساً فيه بعض الأغراض على ما يبدو لأولاده ، وصحن بيض أودعه عند عامل البار في الداخل .
البار يتنفس الصعداء بعد أن بدأ الرواد ينسلون فرادى وجماعات ، خطوات متعرجة ثقيلة تغيب مع ظلام الشارع الفرعي الذي غالبه النعاس ، بانتظار يوم آخر.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World