فكر ماركس اليوم

حمودي عبد محسن
hamudi59@hotmail.com

2013 / 3 / 24


الحلقة الأولى
يواصل الباحث الماركسي لطفي حاتم تحليله واجتهاده في الجدل التاريخي على ضوء المتغيرات العاصفة السريعة التي حدثت بعد انهيار المنظومة الاشتراكية ذات النموذج السوفيتي وقد اختفت الشعارات ونسيت الكثير من المبادئ الأساسية التي تشكل جوهر الشيوعية التي دعى لها ماركس في البيان الشيوعي عام 1948، وتجلى ذلك أيضا باختفاء الطلائع الشيوعية التي آمنت بالشيوعية كمنقذ للبشرية من الاستغلال إذ أن بعض هذه الطلائع لبست ثوب الليبرالية الرأسمالية وصارت من الأثرياء وأخرى تسللت إلى دهليز القومية المظلم كالصين، ولم يعد يهمها الشعار الأممي الشمولي الذي يوحد البشر لأنه في نظرها صار من الماضي فهو أشبه بلوح مسماري في متحف أو أيقونة في معبد لأن هذا الشعار لم يناسب الطبيعة البشرية، وهذا ما أثبته التاريخ في انتكاساته، وسيبقى العالم الكوني في حروب من أجل مصالح رأس المال، وسيبقى الاستغلال أزلي لا يزول، وهناك طلائع أخرى وإن كانت قليلة تمسكت باسم حزبها الشيوعي سواء كان ذلك معيارا أخلاقيا لحقبة السنوات الطويلة التي اجترها مناضلي الشيوعية في بطولات لا توصف وهم يصعدون إلى مشانق الموت ويهتفون باسم الشيوعية، ويتقبلوا الموت بمأثرة مثلما صمدوا بجبروت في وجه آلة تعذيب الجلاد وقضوا أعوام العمر في السجون والمعتقلات وهم أوفياء لمبادئهم، لا شيء آخر يبتغوه في الحياة، تزهدوا في الدنيا، ولبسوا الخشن، وعاشوا فقراء لا يطمحون إلا برغيف يسد رمق جوعهم، ومنهم من مات برصاص غدر الطغاة في ساحات النضال سواء في مظاهرة أو انتفاضة أو ثورة أو حركة أنصار، ولم لا أن يكون في التاريخ معيار أخلاق، هذا المعيار الذي شغل بال الفلاسفة الأوائل، وراحت الأديان تفسره وتخوض بمدلولاته ما بين الإله في السماء وعبده على الأرض، وما بين العباد أنفسهم، وما بين العباد والطبيعة، إذن معيار الأخلاق سبب جدي أن يبقى الاسم الشيوعي بالرغم من تغير برنامج الشيوعي ليكون إصلاحي يدعو الشعب بالذهاب إلى صناديق الاقتراع ليدلوا بصوته، هذا يهمنا جدا خاصة وإن تجربة الكثير من بلدان أمريكا اللاتينية صار الشيوعي فيها يذهب إلى صناديق الاقتراع، حدث ذلك بعد عهود من نضالات مريرة قاسية سواء كانت تلك في نضال العنف أو النضال السلمي، المهم قد توج ذلك النضال بنجاح للوصول إلى الحرية والبرازيل خير مثال، فلم تعد للامبريالية لها سطوة على هذه البلدان أو تحدث انقلاب في هذا البلد أو ذاك أو تتدخل بشكل سافر في شؤونها الداخلية، فقد اختارت بلدان غير قليلة في أمريكا اللاتينية طريقها نحو الديمقراطية بفضل نضالات الشيوعيين والقوى اليسارية الأخرى.
إذن صار برنامج الشيوعي سلمي إصلاحي ولم يعد من أجل دكتاتورية البروليتارية عن طريق الثورة البروليتارية وبناء الاشتراكية، لربما ـ في بلدان هذا الشيوعي لم تكن هناك بروليتاريا تدير الماكينة الصناعية لتتوحد مع بقية بروليتاريا العالم، فتكون في طبيعتها ثورية لا تملك وسائل الأنتاج وتبيع قوة عملها للرأسمالي، فكل شيء قد تغير في الأيديولوجية الشيوعية، وقد سكتت أيضا تلك الأصوات الماركيسية المهادنة التي كانت تدعوا إلى السلام الطبقي، وتهالك الكثير من المنظرين الماركيسين حتى بعظهم صار متدينا يعبد الإله ويؤمن بما وراء الطبيعة، هؤلاء الماركيسين تناسوا أن الرأسمال العالمي الاحتكاري كان يلجأ أحيانا إلى كتاب ( رأس المال ) لماركس في أزماته ليجد حلا أو يكتشف طريقا خفيا في القيمة الزائدة كي يخرج من محنته لأن عشرات آلاف المتظاهرين يحملون لافتات في الشوارع خطت عليها كلمات تفضح الاستغلال وجشع ركض البرجوازي وراء الربح، وفشل مؤامراته في خلق بؤر توتر وحروب بغية تصريف بضاعته ـ السلاح ـ ليكون الأبرياء ضحيته، وهو يسمع من بعيد أو قريب هتافات المتظاهرين :
أنتم سبب الأزمة يا برجوازيون
أنتم سبب محنة البشرية
أنتم مصاصي دماء الشعوب
أنتم مخططي الحروب
أنتم أول الوباء على الأرض
أنتم من يلوث البيئة
أنتم من يدمر كوكبنا البشري

والشيء الملفت للنظر أن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ـ الامبريالية المتوحشة الدموية ـ أوباما في حملته الانتخابية الرئاسية طرح في مناظرته الثانية مع رومني المرشح المنافس أنه يسعى أن يحد من الضرائب على الطبقة المتوسطة بينما لا يخفضها عن طبقة الأثرياء ، وهذه أول مرة في حملة انتخابية رئاسية تطرح قضية الفوارق بين الطبقات، وعندما قال رومني :
ـ أن في امريكا 47 مليون ضحية.
فسأله أوباما بحدة :
ـ كيف تستطيع أن تقول هذا الكلام، وأنت مواطن صالح ؟
فكان الجدال والحوار من يكسب الطبقة المتوسطة التي يبلغ عددها 47 مليون نسمة، وانتهى الجدال بين المرشحين إلى قدرة أوبابا في كسب الطبقة المتوسطة والفوز في الانتحابات حتى أن منظمي حملة رومني الانتخابية كانوا يدعونه للتقرب من الطبقة المتوسطة والكف عن الدفاع عن طبقة الرأسمال الاحتكارية، وهذا لم يحدث، وفشل في الفوز. وهذا دليل على نشوء طبقة جديدة ثالثة بالإضافة إلى الطبقة البروليتارية والبرجوازية، ومدى تأثيرها في المجتمع الرأسمالي، وقد أشار الباحث لطفي حاتم في مؤلفه ـ صفحة 65 ـ ما يلي : ( شكلت الطبقة الوسطى واحدة من الطبقات الرئيسية في تاريخ الصراعات الاجتماعية رغم انقسامها إلى شرائح اجتماعية متعددة وغياب وحدتها الطبقية ) ، ثم يوضح ذلك في الهوامش ـ صفحة 75 ـ ( تشكل الطبقة المتوسطة في الولايات المتحدة الأمريكية حوالي 52 % من المجتمع الأمريكي ولكنها تنقسم إلى أربع مستويات أهمها الفئة العليا من الطبقة المتوسطة التي تمثل 35 % من مجموع الطبقة بينما الفئة المتوسطة من الطبقة الوسطى تشكل 23% ).
ومن كل ما تقدم يدل أيضا أن فلسفة ماركس لم تندحر، وفكر ماركس لم يتلاش، وإذا كانت الشيوعية يتوبيا أو أن ماركس استمدها من أسطورة التوراة حول جنة عدن سواء سخرها في الشيوعية البدائية المتخلفة كأول تشكيلة اجتماعية أو سخرها كآخر مرحلة للبشرية وهي الشيوعية المتطورة فإن فكر ماركس لا يزال متداول، ولم تأت فلسفة أو نظرية أخرى تستطيع أن تحظى باهتمام مناضلي العالم مثلما ما تحظي فلسفة ماركس، وقبل سنتين كانت أكثر مبيعات الكتب في ألمانيا هو كتاب ( رأس المال ) لماركس وهي فترة اشتداد الأزمة الرأسمالية.
في هذه الأجواء المضطربة فكريا، المتداعية سياسيا، المتراجعة فيها الحركة الشيوعية، والرأسمالية الاحتكارية تشتد وحشيتها، يخرج لنا كتاب فكري جديد من تأليف الباحث لطفي حاتم الموسوم ( التشكيلة الرأسمالية العالمية والشرعية السياسية للدولة الوطنية ) الصادر عن الأكاديمية العربية المفتوحة في الدنمارك بشكل سيء جدا إخراجا وطباعة لا يتلاءم مع اسم أكاديمية، وهذا شيء مؤسف حقا، فاعتقد أن من الضروري أن تقدم الأكاديمية اعتذارها للمؤلف لاسيما محتوى الكتاب مهم وقيم وغزير بالمعرفة ويعالج قضايا عقدية ضمن المنهج الماركسي المتطور، فيه جهد كبير بالمتابعة والمراجعة، وإنه مصدر هام للطلبة والباحثين، ويغني المكتبة العربية، فلا يمكن أن تتعامل الأكاديمية مع الكتاب بهذه الطريقة غير المقبولة عل الإطلاق، وها نحن بصدد تلك المواضيع العقدية التي يتناولها الكتاب في الفهم والتفسير والتحليل، فالمؤلف يلقي عليها وجهات نظره معتمدا الوقائع الحدثوية، والمؤلف يخرج باستنتاجاته المتميزة الفريدة، ولذلك نتوقف على الأمور الآتية:

أولا : سيرورة التاريخ
أن سيرورة التاريخ لم تنته موفقة إلى عصرنا الراهن سواء كان ذلك في الرأسمالية أو في المسعى السابق للاشتراكية السوفيتية المنهارة التي كانت توازي في قوتها الرأسمالية فجعلت من تلك الفترة حالة شبه توازن بين قوتين واحدة تحد من سيطرة الآخر على المجتمع البشري وهذه الحالة المتوازنة اطلق على فترتها بالحرب الباردة، عندئذ جرت بعد الانهيار السوفيتي نظريات منها أن أوربا سوف تأخذ دور المواجهة من مبدأ التنافس في مجابهة الغول الأمريكي لكنها لم تقدر بل ظلت في بوتقة الحلف الأطلسي، وتفرد الغول الشبح دائما يلوح بعصاه الغليظة القادرة للوصول إلى الكواكب الأخرى، فهو المتحكم بقوته الجبارة بمصير هذا العالم، يفتعل خديعة، ويخطط لمأرب، إنه وحده القادر على إصدار حكم الموت على من يشاء، وينظم جغرافية العالم، ويستبدل رئيس برئيس آخر ليس لشيء، لأن رغبته وحسه المتهكم بالآخر يتطلب ذلك، فالاستغلال واستعباد الآخر لا زالا قائمين، والجوع والأمراض لا زالتا تفتكان في قارتي اسيا وأفريقيا، والحروب تقتل الملايين من البشر، وكوارث طبيعية تهدد بين الحين والآخر فهذه بلدان تتصحر وتلك تغوص في مياه الفيضانات،وأخرى تطمرها الزلازل والبراكين، فالفقراء يزدادون فقرا والأغنياء يزدادون ثراء، فهذا العالم غير الموفق لم يسر في كل مراحله التاريخية في خط مستقيم للتطور أي أن هناك تطور غير متكافئ عبر التاريخ، فظهرت بلدان ثرية وأخرى فقيرة رغم أن الأرض ما تملكه من ثروات وخيرات تكفي لإعالة المجتمع البشري، بل ولمجتمع بشري آخر ربما ـ يعيش أهله في كوكب آخر بعيدين عن آلام كوكبنا أو لربما ـ ينظرون أحياءه من أعلى مستخفين مستهزئين من نظامنا الكوني المبني على التنافس والعداء والصراع، خاصة وإن ما تدخره أمريكا من أسلحة فتاكة كافية لأن تدمر كوكبنا الأرضي عشرة مرات، وما تملكه روسيا من أسلحة دمار شامل تكفي للتدمير ثلاثة مرات، وما بالك لو أحصيت ما تملكه الصين وبريطانيا وفرنسا والهند وباكستان وإسرائيل ...إلخ من أسلحة دمار شامل، لا أدري لماذا هذا الخوف من الآخر من يسبق الآخر في تدمير كوكبنا البشري؟! إنهم يتسابقون في بدء التدمير، ويتعجلون على الفناء، خاصة ولنا شاهد على بشاعة الخراب والتدمير والهلاك، فهذه هوروشيما لا زالت تصرخ وتئن، ونزنزاكي قد محيت من الأرض خلال لحظات، وتلك تشرنوبل آثارها لا زالت تميت المصابين، وهناك إحصائية يابانية إذا لم يعالج تأثير اليورانيوم المخصب في فضاء وطبيعة روسيا البيضاء فإن أكثر من نصف الشعب خلال خمسين عاما سوف يهلك، وقبل سنة حدثت كارثة يوكوشيما في المفاعل النووية اليابانية لتي قضت على آلاف البشر، وهجرت عشرات الآلاف، وأسلحة الدمار الشامل راقدة في خزاناتها العملاقة سواء فوق الأرض أو تحت الأرض، سواء كانت معبأة في صواريخ عابرة القارات أو قنابل ترميها الطائرات،يا لمأساة البشر، بأيديهم صنعوا الآلة التي حذر عنها ماركس في ( رأس المال )، وبهذه الآلة صنعوا السيف والرمح والدرع، والبندقية والمدفع والقنبلة والصاروخ والطائرة الحربية ليس إلا ليقتل بعضهم بعضا، كم هو مسكين كوكب الأرض ! كم هو مسكين الانسان ! هذا الانسان الذي اشتقت كلمته من ـ الأنس ـ نقيض الوحشة لأن الناس يأنس بعضهم إلى بعض، وفي قول الشاعر :
وما سمي الإنسان إلا لأنسه ********* ولا القلب إلا أنه يتقلب
أجل، الإنسان صاحب العقل القادر على التفكير من بين كل الحيوات الذي يتفاعل مع بقية البشر، صاحب الحس الجمالي الذي يتذوق جمال الوردة وسجع الطيور في الرياض وفوق الغدائر، ويبتهج بأنسام الصباح في صبوحه، ويتوهج قلبه لرؤية القمر في اكتماله، أبيض في علوه، وضاء بين النجوم المتلألئة في قبة السماء، ينير ظلام الليل في أبهى صورة. مسكين هذا الانسان التواق للتعبير عن ذاته، وما يختلج في داخله من مشاعر جياشة يطلقها في قصائد شعر بلغة حسنة رشيقة توصف نهر عذب يرتوي منه، وهو يجري متناغما مع روحه المبتهجة عند حمرة الغروب، إنه يطلق كلمات حب سواء كانت تلك تتغزل في لحظة قبلة الحبيبة أو لقاءه فوق جسر هذا النهر، مسكين هذا الانسان الذي ينتشي قلبه في متعة سماع نغمة موسيقية تأتيه من خلف حاجز، هذا الانسان المبدع الفنان الذي تتملكه رغبة أن يفهم كل ما يدور حوله وما يحيطه من جمال، إذ عنده فضول في المعرفة والسماع والتبصر بغية أن يعيش سعيدا هنيئا في حياة منظمة متناسقة تملأها الطمأنينة ويسودها السلام، لكن هذا الانسان المتميز بعقله وحسه ووجدانه، المبدع الخلاق،التواق إلى الأحسن والأفضل، صاحب الإرادة والوعي، مشرع القوانين والدساتير ونظم الحياة، هذا الانسان هو أيضا مبتكر ومخترع بمهارته العالية المتميز بها عن بقية المخلوات خنجر القتل وآلة الموت والتدمير والفناء. إذن ماذا أوصلت النظريات أو الأيدولوجيات الكونية المجتمع البشري المتفاعل مع بعضه ؟!
هنا إذا عبرنا مرحلة ما قبل التاريخ أي العصور الحجرية وتوقفنا عند المرحلة التاريخية التي تبتدئ بالتدوين والكتابة وتعود إلى 3200 قبل الميلاد، وهو العصر القديم لسومر، إذ من الوركاء يبدأ التاريخ، لكن السومري كان يعتقد بحضارة سبقته قديمة جدا، لا حزن فيها، لا خوف ينتاب مجتمعها، لا أمراض تفتك بشعبها، لا حيوانات مفترسة تقلق وجوده حيث كان يتآلف معها برفق، وذلك المجتمع كانت لغته واحدة يتحدث بها الجميع، ذلك كان مجتمع متطور يعيش البشر فيه بسلام ومودة، والسومري لم يكن إلا ورثته أو تركته الباقية، وقد أطلق على زمن تلك الحضارة التي تصورها ـ العصر الذهبي ـ هذا العصر كان يشمل الكون كله، تعمه السعادة والتكافؤ والعدالة والمساواة والحرية والخير، إنه عصر جميل لماض مزدهر، لذلك ابتدع السومري اسلوب الإنتاج الآسيوي الذي تكون فيه الآلات الزراعية وآلات تنظيم القنوات والسواقي راقدة في مخزنها داخل المعبد وعندما ينهض السومري في الصباح إلى العمل، تسلم له الآلة من كاهن المعبد الذي يوزع أدوات العمل ويشرف على مجريات الحياة اليومية، وعندما تعطي الأرض نتاجها والأشجار ثمارها، والحيوانات لبنها وصوفها وكانت وفيرة تكفي للجميع توزع كثروة سومرية بالتساوي وحسب الحاجة.

أن بعض الأديان ترجع بدء تاريخ البشرية إلى آدم سواء ان طرد من جنة عدن الأرضية أو طرده مع حواء من الجنة بعد معصيته الأكل من الشجرة المحرمة التي هي في جنة عدن شجرة الخير والبشر، وشجرة الخلد في الجنة السماوية بعد إغوائه من قبل الحية، بينما بعض الكهانة ترجع حقيقة البدء إلى شاهدة القتل وسفك الدماء حينما قايين أخاه قابيل بحجر وقتله، ثم تركه، وعندما رأى غرابين يتقاتلان، وانتهت المعركة الدنيوية الأولى بحفر القاتل الأرض بمخالبه ودفن القتيل، فعاد قايين إلى أخيه ودفنه لأنه آنذاك لم يكن يعرف فن الدفن، وهذا البدء لم ينته إذ يتواصل الثأر والانتقام ،فتلد حواء شيث (شيت ) الذي يشبه بحسنه وجماله قابيل، فيوصيه آدم الأب بمطاردة الابن قايين لينتقم لأخيه، فتذرف الأم حواء الدموع فاقدة حنان الأمومة لتبارك هذا القتل، وهذا ما يحدث في بدء التاريخ المشيد على العدوانية والدموية والانتقام، فيسير إليه شيث متقلدا سيف أبيه آدم، فتقابلا واقتتلا حتى انكب قايين عل وجهه بمساعدة الملائكة، ويسوقه أسيرا بأغلال حديد ـ وربما سلسلة من سلاسل جهنم، وقد غلوا يده إلى عنقه مذلا مهانا إلى عين الشمس المغرب، وشيث يستمع إلى توسلات أخيه:
ـ يا شيث احفظ الرحم بيني وبينك.
فرد عليه شيث:
ـ لا رحم بيننا بعد أن قتلت أخاك ظلما.
فمات قايين دون مغفرة ورحمة مواجها الشمس. ثم يتواصل الانتقام بين ذرية شيث وقايين حتى يلتقي في البرية لمك ( لامك ) وهو من ذرية قايين قينوش التي هي من ذرية قابيل، وأهم ما يمتاز به لمك إنه إذا ضرب شجرة عظيمة بيده يقتلعها من جذرها، فتلد نقيش نوح في غار خوفا من بطش ذريتها لأنها تزوجت بمن ليس منهم، وعندما وضعته، قصارت تردد:
ـ وانوحاه .
فتوفى أبوه لمك، وبقي في الغار أربعين يوما، ثم حملته الملائكة إليها ففرحت به فرحا عظيما. وصار راعيا، ثم صار بطل الطوفان.
فهذا الربط غير المحكم وغير الموفق الذي ترويه الأسطورة الدينية على أن التاريخ البشري نشأ من معصية لا تعلل حتى لو اعتبرنا تعليلها كما يأخذ في ذلك بعض الباحثين والمؤرخين أن مقتل قابيل الراعي من قبل أخيه المزارع قايين لا يمثل سوى الانتقال من الرعوية إلى الزراعة مثلما حدث في الديانات الطبيعية التي انتقلت الأقوام من عبادة القمر في المرحلة الرعوية إلى عبادة الشمس في المرحلة الزراعية لكن لو تمعنا في أساطير الخلق والنشوء الدينية نجدها مستمدة من الاعتقاد السومري خاصة فيما يتعلق بالجنة، فالسومري كما قلنا يعتقد بوجود ـ أرض الخالدين ـ وهي أرض دلمون التي تقع في نهاية التقاء دجلة والفرات والتي تشكل بحرا عظيما آنذاك والذي يسمى اليوم بحرين، فأرض دلمون خالية من الأمراض والأوبئة والأحزان والخوف، فالدلموني لا يمرض ولا يشيخ ولا يموت، وشيدت جنة دلمون بعد هبوط الإلهة الأم ننبرساج ـ إلهة الأرض ـ واتخذت مسكنها فيها ، وكذلك هبوط الإله أنكي ـ إله المياه العذبة ـ واتخاذ مسكنه فيها ، ثم زواجه من ننبرساج، فهذا المجتمع الدلموني مجتمع سعادة ورفاه تتآلف فيه الطيور على مختلف أصنافها وكذلك الحيوانات مع البشر، فهنا يكمن العقل السومري وحسه الأصيل الذي بنى أسطورته على الذوق الجمالي الذي حوره الكهانة نحو الكره والعداوة والقتل والحروب. وإن ما ورد في تلك المرويات عن الطوفان لم يكن سوى إنها مأخوذة من الأساطير السومرية والبابلية التي لا تغفل على أحد لو راجع ملحمة جلجامش.
إذن التاريخ البشري قد بدأ من سومر مثلما تؤكده آلة الإنتاج والقوى المنتجة، وهذا يعني أن كل الأشياء تطورت في العمل سوى العقلي أو اليدوي الذي ارتبط بالحاجة، حاجة العيش المتآلفة الجمالية سواء مع الطبيعة أو بين الناس أنفسهم أو ما وراء الطبيعة، وهذا لا يختلف إطلاقا مع فكر ماركس في المادية التاريخية على أن مراحل التطور البشري قد بدأت أمومية ثم استبدادية رجولية أي انتقال السلطة إلى الرجل وقد بدأت بالتشكيلة الاقتصادية الاجتماعية في المشاعية البدائية ثم العبودية ثم الإقطاعية ثم الرأسمالية ثم ( الاشتراكية ) الشيوعية . وبالمناسبة أن الكثير من المكتشفين في مختلف العلوم يشيرون بتحفظ على نظرية داروين النسبية في أصل النشوء والتطور، وحدوث الطفرة التاريخية بالتحول من القرد إلى الإنسان، خاصة وقد وجدت آثار أقدام بشرية تعود إلى ما قبل حدوث الطفرة التاريخية إلى آلاف السنين. هذا وهناك من يدرج المراحل البشرية على كونها ابتدأت من الصيد ثم الرعي ثم الزراعة ثم التجارة ثم الصناعة. وبالمناسبة فقد استطاع العلماء أن يجسدوا الشكل الجسدي لرجل النيردرتال على عظامه المتوفرة لديهم والتي تعود إلى سبعين ألف سنة عبر أجهزة متطورة، وقد اكتشفوا إنه لم يكن يمشي على أربعة كما كان يعتقد سابقا بل كان يمشي على أثنين والمقصود هنا على قدميه. لكن هنا بودنا أن نشير أن المواد الأولية البحثية سواء تخص الآثار أو علم الأصول التي اعتمدها ماركس لم تكن كما هي اليوم أي أن ماركس اعتمد بالدرجة الأساسية على التاريخ الإغريقي والروماني في صياغة التشكيلات الاجتماعية خاصة اسبرطة بل في وقته لم تكن مكتشفة السومريات ، ولم يطلع إلا على معلومات قليلة من الاكتشافات الأشورية ، ولم تكن غزيرة في ذلك الوقت.

حمودي عبد محسن
24 / 03 / 2013



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World