عقيل علي ... الشاعر وصورته

عباس منعثر
abbasmuna1971@gmail.com

2007 / 11 / 25

من دون إحالة إلى الشاعر الحقيقي أو كيانه الاجتماعي ومن دون الاستعانة بالمعرفة به ستكون الصورة المرسومة هي صورة الإنسان الطالعة من الشعر، صورة الكيان الفردي الذي يمكن تشكيله من اضمامة البث الشعري و تخيل فرد بدم ولحم، و رؤيته لنفسه، لاحباطاته الخاصة التي يمكن مطاردتها من خلال الصورة واللغة والتعبير الخلاق عن الذات..

هي لملمة أطراف الوجود وصياغة الفرد على أساس لغوي.

أحلام اليقظة :
في نظرة جوهرية، تعتبر أحلام اليقظة إحدى سمات الرائي في طائر آخر يتوارى. ينعكس حلم اليقظة على علاقة الشخصية بممكناتها والعوائق التي تواجهها، فتجد الملاذ في النظر من الخارج للخارج أو التقوقع في الداخل... شخصية الحالم عادة ما تؤلف العالم وتركبه حسب نواقصها الخاصة. تمتلك مخيلة شاسعة، وصاحب الإقدام المعدوم يحلم بالقدرة الفائقة على الإقدام وبنوله إعجاب من يراه، والمحروم جنسيا يغرق في بحر الأجساد كتعويض أولي عن عدم القدرة أو الجوع العاطفي الداخلي لما يحلم به... الحلم الذي يبدو سكونا مطلقا هو واحد من أساليب الحركة. والمرء الذي لا يجد نفسه قادرا على مواجهة الناس سلبا والغضب منهم ولا يجد في داخله من العدوانية ما يمكنه من مواجهتهم والذي لا يمتلك المزاج الكافي للتحرك مع الناس وتحمل كل ما يراه خاطئا وعبئا، يلجأ إلى العزلة والهروب واجدا مكانه الحقيقي في أحضان أحلام يقظة قد تطول ممتدة إلى حياة بكاملها.
الأحلام في نهاية المطاف تعويض ما لا يمكن واقعا، بما يمكن تخيلا. ولأن حلم اليقظة وقتي ولا يؤدي إلا إلى إشباع مؤقت فإن تكراره يؤدي إلى الإرهاق من كون الواقع يسير بخطى متردية نحو الأسفل والحلم يرتفع سامقا في الفضاء، يقول الرائي:

لكنني من الأحلام تعبت..
أوزع أيامي ثم بهدوء انسل
اجمع وأكوم أسئلة. اسرق حاضرا،
وبابتسامة أزين ماضيا
اعد ما بقي من حرائق. ص24.

الرائي واع لما يقترفه من تشويه وما يمارسه على النفس من وهم، لا يؤدي أخيرا إلا إلى عدم التعامل بجدية مع الحياة. هكذا يغيب الهدف ولا يعود لشيء قيمة سوى اللحظة الراهنة، لان حلم اليقظة راهن فقط وفي كل راهن جديد متطلبات جديدة يتم إرضاؤها ثم الذهاب إلى متطلبات أخرى تؤدي إلى سرقة الحاضر وتزيين الماضي. والناتج شخصية وجودية تبوئر الذات حول نفسها وتصبح مركزا للعالم والرغبات غير المسيطر عليها. تذبل الشخصية على حساب نفسها، تضيع دون أن تتحرك لإنقاذها، لأنها وصلت إلى رؤية عدمية للعالم تتساوى فيها الأشياء في علوها وهبوطها وتلك ذروة ما تصله الذات من سلبية يعبر عنها الرائي بقوله:

سأترك كل شيء لحرارته
رافعا أو خافضا يدي، تبعا لما تريد
أما أنا
فالروح التي تنتظر ولا غير ذلك،
أتعفن ولا غير ذلك. ص33.

الكلام:
حالم اليقظة عادة لا يتكلم كثيرا. لقد استجاب إلى الصمت وصار بديلا للكلام. هو رومانسي الطابع، شفاف مع الأشياء. ليس عدوانيا تجاه الوردة، ولا هو قادر على زرعها، فقط يتمنى أن يسقيها، وينبه إلى الأيدي التي تريد العبث بها. لقد كان رامبو أكثر حالمي اليقظة صمتا، بل انه أنهى حياته الأدبية بالتجارة واضعا الحد للإغراق بالحلم بالسعي الجسدي المهووس وراء المال.
يرافق الصمت عادة وساوس الاضطهاد والإحساس بالمظلومية ، وهي حالة عصابية تتمظهر بالخوف من كل شيء والانسحاب إلى الداخل كلما كان الخارج أكثر قسوة:

ليكن الفضاء صمتك. ليكن التنزه هزيمتك.
لقد جردوك. بقيت وحدك تسخر من نفسك، مقطوعا
لا تمسك غير ظلال، هي في الأصل عدوتك. ص39.

السخرية:
بالإضافة إلى الإحساس بعدوانية الفضاء تجاه الذات ثمة سخرية متكررة من النفس كتعبير عن عدم ثقة وكوقاية من سخرية الآخر المحتملة. فأنت كي تكف هجوم السخرية الخارجي تقوم بفعل سخرية داخلي كاستباق وكحل مؤقت للصراع الذي تقع فيه في موقع غير الواثق من إمكانياته ومن وجوده ومن قدرته على الدخول انسجاما أو عدوانا في نسيج الآخرين. للسخرية من النفس طاقة تفيض على الوجود الخاص بالساخر لتعلنه موازيا لنفسه أو للساخر منه وعلى كفة واحدة، وغالبا ما يكون المحبط الفاشل في نظر نفسه ساخرا كبيرا. فيض التجربة القاسية يسيح على شكل تهكم عميق كما يحدث عند برنارد شو وسرفانتس.
ممارسة السخرية في احد وجوهها فعل عنيف تجاه الذات، هو عملية قسر وإرهاب داخلي لتحجيمها بل تصغيرها إلى اقل من حجمها الحقيقي. العنف الممارس داخليا بديل للعنف الموجه إلى الخارج غير القابل للإظهار، يوازيه عنف آخر سادي إلى درجة كبيرة ينفلت في نوبات غضبية غير مسيطر عليها. يؤدي هذا إلى سعادة تلقي الألم والإهمال والذل بقدرة ذاتية ووعي ذاتي. يداوم المرء تصغير ذاته وتحبيطها، يداوم التقزم، ملتذا بذلك. لكنه عارف بالفعل وما يؤدي إليه:

قريب من الكارثة إلى حد السمو..
لصيق بها إلى حد التلاشي
سأذل أي فكرة أخرى، بل سأسحقها جادا.

القوة والقدرة والطموح:
الأفعال الكثيرة التي تقوم بها الذات توحي بامتلاك القوة والمبادرة؛ لكن نمط الأفعال من قبيل ترك اليد لتفعل ما تريد، تسقط أو تمسك الأشياء، وهو فعل سلبي معاكس لقوة الفعل التي ترسمها الذات عن قدراتها. الفاعل يذل، يسحق يحطم يقود يتخلى وكأنه قادر على كل شيء، بينما لا يفعل إلا انه لا يفعل. هذا الكف السلبي هو جوهر حركة الشخصية. فهي لا تفعل إلا أن تمنع الفعل فتكون علاقتها بالطموح عكسية. الطموح شكل أناني من الوجود والذات لا تملك كما تعتقد ما يبرر لها أن تطمح، أن تحلم بالرفقة. ونظرة الرائي لنفسه ساخرة محبطة مصغرة ومحقرة. هنا تمارس السادية على النفس بأشد الأشكال إيلاما فهي المكان الوحيد الملائم لأنها لن تعارض لن ترد الممارسات، هي ملكية فردية يمكن تعذيبها بحرية مطلقة:

لا اعرف طموحا، لا اعرف رفعة، لا شيء..
دون هوادة أصدع انحطاطي. لا تلتفت، بل استمع لقهقهات الأشباح،
دون هوادة انتقم للجهود النادرة
أتريب
أدهور طموحي واركله.. ص 55

كأن ثأرا قديما بين الرائي ونفسه يستمر بالتغذية من دم المرء ومن تصغير طموحه والضحك منه أو البكاء عليه.

الصداقة:
يضاف مرتكز جديد هو العلاقة بالأصدقاء. الرائي وحيد – هل يتطلب ذلك حلم اليقظة؟- وإحساسه بالحاجة إلى الآخر نادر، هو مطارد بالاضطهاد:

بعيدا ... بعيدا، أخذتني أسباب الصداقة
ولقد تخلصت من سكر ذلها. ص45

ولكي تكتمل الدائرة (حلم يقظة مستمر+العدمية+انهيار الطموح+ غياب الصداقة والحب..) يصور الرائي لنفسه مصدقا تلك الوجوه السلبية من الحياة؛ فالابتسامة مهما كان نوعها هي سخرية والنظرة مهما كانت ودية تخفي بغضا كامنا، والتصرف مبني على الريبة وسوء الطوية دون النظر لأي وجه آخر بديل. فيتحول كل شيء إلى مفترِس ومفترَس، مضطهِد ومضطهَد، فاعل ومفعول، لا تكاملية ولا تعادلية وللشيء وجهه الواحد الأبدي.

كنت أتملص من الأكف التي تخنقني..
أزوغ من النظرات التي
تأكلني.
كنت انفجر مقروحا لاعقا السنين بنهم.

تتأصل العدائية بين الفرد رائيا وبينه مرئيا. وما دامت زاوية النظر سوداوية فلن يكون للأكف ولا للأصدقاء إلا الفعل السلبي ذاته. ومع أن الحالم هو باحث في الأصل وإن مجازيا إلا أن بحث الرائي يعيد نسخ الصورة ذاتها فيهرب إلى المكان الذي يريد الهرب منه. وتكون حينئذ الصيغة الوحيدة لكسب التعاطف أو ممارسة دور النعامة هو زيادة جرعة إذلال الطموح من دون تأمل وهو الوجه الايجابي الفعال لحلم اليقظة. لن يعود هناك وقت لمساءلة اليد عن اخفضاها ولا عن الأسئلة المكومة عن أجوبتها، ولا الخلاص عن منفذ أو كوة. ستتماشى الذات مع أذواق الآخرين ورغباتهم عبر عدم التصادم معهم والابتعاد عنهم

في كل مرة
أتقدم وانطق بما لا أريد. ص 24

خارجيا، أما داخليا فلا ضير من ممارسة أقوى أنواع البطولة أمام المفعول به السلبي والمتلقي السمح لكل أنواع الإذلال: ( النفس):

سأخلع قلبك يا نفسي..
سأقتل فضولي اللامجدي
هكذا احد من تنفسك،
مهما يكن فليس بصعب التهرب منك
بوهن سأطلق نداءاتك الواهنة..
لن أتأمل ما وصلت إليه. ص 57

المازوخية:
والحل كما تراه الذات في قلب آخر، رغم كل الزيف الذي يحيط جميع القلوب. لكن المازوخية وصلت إلى حيث لا يمكن للمرء أن يعود منها. ثمة ادمانات نفسية لا تقل انتشارا عن الإدمان المعروف على الكحول والمخدرات والسجائر هو الإدمان على الفعل السلبي، على جملة مرتكزات تعودها المرء لمواصلة الحياة. لا يمكن لمن يعد ذاته في الطليعة إلا أن يسقي شعورها بالغرور باستمرار ويجلد الآخرين بسياط كان يمكن أن توجه إليه. هي حيلة لمداومة السلوك، وهكذا لا يمكن لذات أدمنت جلد نفسها إلا أن تستمر في الجلد، وكالحبوب يمكن البدء بجلدة واحدة للذات ولكن لا ينتهي الأمر إلا بتكديس أطنان الحبوب في المعدة رغبة في الأثر المطلوب. وبذلك يقلد المرء ذاته، وسوطه الذي يجلد به نفسه؛ رغم بعض الآمال التي تنتهي إلى أحلام اليقظة والتي تقفز إلى الوعي لأنها أضحت ادمانات نفسية أيضا.

لا أخاف ركاكتي
أنا الذي يقلدها طوال أيامي المتردية نحو الأسفل..
فتش عن قلب إن أمكن
أيها الأبله. ص 59

شخصية كهذه مسحوقة بفراغ الطموح، التعبة من الأحلام والمبتلة ثيابها من لعاب القصائد ماذا يمكن أن تفعل غير الانتظار وترك الأمور تجري حيثما تشاء لها الريح؟ هذه السلبية المطلقة إلام تقود؟ هذه الريبة العميقة بدءا بالنفس والآخرين والأصدقاء وانتهاء بالشعر ما الذي يمكن أن تعززه؟ وما الذي يمكن أن يحققه عمر بدأ وسيزول في حلم يقظة؟ يجيب الرائي بتكثيف عن جوهر المأساة:

مؤكدا .. مؤكدا إنني مسحوق بفراغ الطموح،
لأنني لم انته بعد
اهرع إلى أعدائي الأكيدين..
ألوذ بهم..
استنجدهم،
ومع ذلك
فإنني احلم واحلم، لذا أتعذب.. ص 60



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World