عودة الى مفهوم اليسار الجديد

التيتي الحبيب
2021 / 7 / 10


يعود اصل هذا المفهوم او هذا النعت الذي التصق بنوع من التيارات الفكرية والسياسية الى مرحلة ثلاثينيات القرن العشرين مع ظهور ما يعرف بمدرسة فرانكفورت. وازداد بروزا مع رحيل وهجرة أبرز قادتها ومنهم هوركهايمر وادورنو وماركيز الى انجلترا والولايات المتحدة الامريكية. وأصبح مفهوم اليسار الجديد رسميا يطلق على اتباع هذه المدرسة ( خاصة اوساط الشباب) في جامعات فرنسا وامريكا وبريطانيا...
ومعلوم ان مدرسة فرانكفورت انطلقت في البداية كمشروع لتطوير الماركسية وأدوات ومناهج التحليل، انتهت الى التعارض التام مع الديالكتيك المادي الذي وضع ماركس أساساته وطورها لينين، وتبنت ما سمي ب"الديالكتيك التنويري" الذي يعتمد قانون النفي او النفي السلبي ( كما نظر له ادورنو) وانتهت هذه المدرسة الى التخلي عن الماركسية كنظرية للثورة البروليتارية، وسعت الى التوفيق بين الفرودية والماركسية. وفي الختام وفي اطار الحرب الباردة التحق زعماء هذه المدرسة وعلى رأسهم ادورنو وماركيز كخبراء في الجامعات والمعاهد العليا الامبريالية يقدمون خدماتهم التحليلية والمعرفية للأجهزة العسكرية والأمنية لأمريكا وغيرها ضدا على الاتحاد السوفياتي او الاشتراكية السوفياتية. ( معالم الهزيمة / مالك ابو علي)
انتقل مفهوم اليسار الجديد الى المغرب وخاصة بعد ظهور نفس الاتباع في صفوف بعض المثقفين او مناضلين انفصلوا عن تجربة الحركة الماركسية اللينينية المغربية. وللتاريخ يلزمنا الافادة بان الحركة الماركسية اللينينية المغربية لم تطلق على نفسها ابدا وصف اليسار الجديد ولم تعتبر نفسها جزء من هذا اليسار الجديد. كانت منظمة الى الامام في برامجها التكوينية الداخلية تصارع اطروحات وانزياحات هيربرت ماركيز. وعلى عكس ذلك اعتبر ت الحركة الماركسية اللينينية المغربية نفسها جزء من القوى التقدمية المتشبعة بالماركسية كتعبير عن ارادة ومصالح الطبقة العاملة في انجاز مهام الثورة ومن منظور وخلفية طبقية واضحة. لكن عندما انسلخ البعض عن هذه التجربة وتخلى عن المنظور الطبقي للتغيير؛ بدأت الدعوة والتحاليل تتجه الى ضرورة اعتماد منطلقات نظرية جديدة ( لا زالت هذه الحملة متواصلة الى اليوم في بعض الاوساط ) باعتبار ان الطبقة العاملة المغربية غير مؤهلة لقيادة الثورة ولأن التغيير له ادوات جديدة ليست هي تلك التي تطرحها الماركسية وما بالك الماركسية اللينينية لقد تجوزت ولم تعد تفي بالغرض وتجيب على التطورات. وجد هؤلاء في مدرسة فرانكفورت ضالتهم وسندهم في التخلص من النظرة الطبقية للتغيير، ساعدهم كثيرا في ذلك تعثر تجربة الحركة الماركسية اللينينية تحت القمع الرهيب الذي سلطه عليها النظام وكذلك تأثير مخلفات سقوط جدار برلين وما يحمله من معاني وسقوط الرمزيات.
إن الكلام اليوم عن اليسار الجديد بالمغرب تطغى عليه هذه الخلفية أي رغبة التخلص من الارث التاريخي للحركة الماركسية اللينينية والادعاء بأنها شاخت وتجاوزها الزمان ( ذهبت ادراجها مع الرياح بسقوط جدار برلين) وإعادة الاعتبار لها ليس إلا اعادة الروح لجثة متفسخة حكم عليها التاريخ. هناك من التيارات الوافدة او المستنبتة على الهامش من يستعجل اقبار التجربة حتى يتسنى له ان يقدم نفسه كبديل عن تجربة الحركة الماركسية اللينينية ويشتغل كنقيض لها بنقله كل الارث المعادي للتجربة الماركسية اللينينية على الصعيد العالمي.
هل حقا هكذا هو الوضع؟ هل حقا هذا هو حكم التاريخ؟
حتى لا نرجع كثيرا للوراء في ما يتعلق بالتجربة التاريخية ببلادنا نكتفي بالوقوف على درس حركة 20 فبراير الذي يقول ان الازمة البنيوية للنظام ببلادنا قابلة للتحول الى ازمة ثورية، لأن الشروط الموضوعية مجتمعة او قريبة من ذلك لكن الشرط الذاتي الذي يسمح للمحكومين برفض سلطة الحاكمين وبالتالي ينظم المحكومين من اجل الاطاحة بسلطة الحاكمين هو شرط غائب اوغير مبلور كفاية.
في الجواب على سؤال الشرط الذاتي انقسمت القوى المناضلة الى اتجاهين اثنين: + الاول، اتجاه اصلاحي يخاف من الهبة الثورية ويعتبرها مغامرة قد تعصف بالمغرب وتضعه بين ايدي الاسلام السياسي، ولذلك يسعى هذا الاتجاه الى التحالف مع الاستبداد المتنور مع الرهان على اصلاحه وتحويله الى ملكية برلمانية. يعتبر هذا الاتجاه نفسه هو اليسار ويجادل في يسارية الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية وفي نفس الوقت يضع اشتراطات في وجه أي تحالف مع التوجهات الثورية التي يصفها بالمغامرة. يرى هذا الاتجاه الاصلاحي ان الوسيلة الاساسية للنضال هي العمل من داخل المؤسسات، ولذلك يعترف بالدستور الممنوح، ويشارك في الانتخابات عمليا بدون قيد او شرط رغم الخطاب الملقى على عواهنه حول تخليق الحياة السياسية رفعا لكل حرج.
+ الاتجاه الثاني، فهو متشبث بالقطائع التي توصلت اليها الحركة الماركسية اللينينية المغربية وخاصة منظمة الى الامام. يرى هذا الاتجاه ان النظام القائم اجهض معركة تحرر شعبنا من الامبريالية وسيطرتها وهو غير قابل للإصلاح الامر الذي ازداد وضوحا في العقدين الاخيرين، وينطلق هذا التوجه من المبدأ القائل بان التغيير هو من صنع الجماهير وله مضمون طبقي، ويقع على الطبقة العاملة المغربية واجب قيادة هذا التغيير لما تتوفر لها الشروط الذاتية ومنها بناء ادوات التغيير الثوري وعلى رأسها الحزب المستقل وجبهة الطبقات الحليفة لأخذ السلطة.
من خلال هذا التشخيص لواقع القوى التقدمية ببلادنا يتضح ان الكلام عن اليسار الجديد بمضمون انخراطه في المنظومة الفكرية والأيديولوجية لمدرسة فرانكفورت او اتباع النظرية النقدية ومشتقاتها " المجددة" للماركسية ومنها الشعبوية اليسارية التي تتبنى خطاب شعب اليسار والحركات الاجتماعية كبديل عن الصراع الطبقي وبناء ادوات التدخل الواعي للطبقات الاجتماعية وعلى رأسها الطبقة العاملة؛ فان هذا المفهوم لليسار لا يمكن تعميمه على مجمل القوى التقدمية المغربية وفي طليعتها القوى الماركسية اللينينية الثورية.
في المغرب شأنه شأن العديد من البلدان يجري اليوم الفرز بين توجهين اثنين: توجه تقدمي اصلاحي، وتوجه تقدمي ثوري. ففي التوجه الاول نجد تيارات كثيرة تبدأ من الاصلاحي القابل للاندماج في بنية النظام وتوجه اصلاحي جدري وتوجهات بين بين. هذه التيارات تعتبر نفسها يسارية بالنسبة للنظام في مواجهة تيارات وقوى اخرى يمينية. هذه التيارات اليسارية تسعى الى بناء خط شعبوي يساري يريد ان يعبر على شعب اليسار تماما كما تفعل الشعبوية اليمينية التي تدافع على قيم اليمين في الدولة وامتداداته داخل الشعب. وهذه التيارات تقبل بان تنعت او تنتمي لما يسمى باليسار الجديد.
اما التيارات التقدمية الثورية فهي في تناقض تام مع النظام وتتكون من توجهات ماركسية وماركسية لينينية وفعاليات او حساسيات اناركية وبعثية/ناصرية..
نقطة ضعف التوجهات الاصلاحية والثورية هي ضعف القاعدة الشعبية والعجز الفادح للتحول كتعبيرات سياسية عن مصالح طبقية وبخاصة الطبقة العاملة المغربية.
تقع نقاط التماس بين التوجهين الاثنين في النقابات والجمعيات الحقوقية والمدنية وفي الحركات الاجتماعية والجبهات الميدانية ...
ما يعتبره اليساريون فرزا وسطهم يعتبره التقدميون الثوريون تفاقم التناقضات بين الاصلاحيين وتعبير عن تعاظم الازمة البنيوية للنظام الغير قابل للاصلاح ويدافع التقدميون الثوريون على وجهة نظرهم من اجل فضح اوهام الاصلاحية وكشف طبيعة النظام الغير قابل للاصلاح بالبت والمطلق. يسعى التقدميون الثوريون الى ارشاد الجماهير الى ان الشعبوية اليسارية تخدم استمرار الاستبداد والاستغلال وأنها تعمل على تلطيف الاستغلال وليس القضاء عليه وعلى سلطة الكتلة الطبقية السائدة.
في اللحظة الراهنة نرى ضرورة كشف وتوضيح المشهد الطبقي والسياسي العام وتوضيح قوانين الصراع الطبقي وما هي الطبقات الاساسية فيه والى اين يتوجه تطور هذا الصراع. هذه الرؤية الطبقية ستمكننا من ازالة هذا الغبار المثار في ساحات جانبية وهامشية عن الساحات والمجالات الحقيقية لحسم الصراع الطبقي.
وحتى نتوخى الكثير من الدقة والموضوعية، لا بد من الاقرار ان القوى التقدمية الثورية تعاني بدورها من الوهن وضعف الايمان بالمصالح الطبقية للطبقة العاملة وبالدور القيادي والرسالة التاريخية الملقاة على هذه الطبقة العاملة. مرد هذا الوهن وضعف الايمان يرجع لسببين رئيسيين: اولهما ضعف الارتباط والعمل الدائم والمتواصل مع ووسط العمال والكادحين، والثاني وهو عدم ربط الممارسة النضالية بالنشاط والتفكير والعمل النظري حتى توجه النظرية الثورية الممارسة النضالية وحتى ترسخ الممارسة النضالية القناعات ودروس النظرية الثورية.
ولذلك نخلص الى ضرورة بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة المغربي ليلعب ادواره الاستراتيجية كهيأة اركان قيادة الطبقة العاملة في صراعها الطبقي ضد العدو الطبقي الغير القابل للإصلاح سواء من الداخل او من الخارج؛ وكمربي يعلم المناضلين ويرشدهم، وهو ايضا كطالب للعلم والمعرفة والتربية من الطبقة العاملة ومن الجماهير الشعبية.
ان تجربة شعبنا ودروس حركة 20 فبراير وما رافقها من سيرورات ثورية بالمنطقة والنهوض العالمي للبروليتاريا تؤكد ان التغيير الثوري يقع على كاهل الطبقة العاملة المسترشدة بالماركسية اللينينية، وان هذا المشروع تعرض لمحاولات الاجهاض او التخلي عنه بمبرر انه فشل وان سبب فشله هو ذلك التشبث بالمرجعية الماركسية، باعتبارها منهجا للتحليل ونظرية للتغيير الثوري وتطويرها دون المساس بحجرها الأساس الذي وضعه ماركس وانجلز وبأن البديل هو التخلي عن هذه المرجعية أو تحريفها بالانفتاح على تجارب اخرى عبر العالم ترتكز إلى فكر مدرسة فراكفورت وفكر ما بعد الحداثة.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا