خرافات وهلاوس وهذيان وهبل بالعبيط

سامى لبيب
2021 / 10 / 2

- لماذا نحن متخلفون (84) .

في هذه السلسلة من :"لماذا نحن متخلقون " نخوض في أسباب تخلف شعوبنا العربية , لأعزي هذا التخلف في تلك السلسلة التي تجاوزت ثمانون مقالاً وبحثاً إلي الثقافة الإسلامية والعربية , فهذا الإرث الثقافي هو الذي شكل وكون ملامح وجذور تخلفنا .
لا تكون إثارتي لكلمة ثقافة كما يتبادر للذهن تعني سعة وحجم المعارف والمعلومات بل أعني بالثقافة منهجية تفكير وسلوك أي طريقة تفكير وأداء وتعامل مع الأفكار والأحداث ومشاهد الحياة وذلك بإستدعاء المخزون المعرفي والتراثي القديم الذي يتعامل مع هكذا أمور لتكون له منهجية وطريقة خاصة في المعالجة ونمط التفكير .
إذا تفحصنا مجتمعاتنا العربية الإسلامية بنظرة تحليلية موضوعية سنلاحظ حالة من التسطح والتشوش الفكري التي يعيشها المواطن العربي والتي أصبحت جزءًا أصيلاً في تكوينه وسمة تميز شخصيته , ومن هنا نتلمس حجم التشوش الفكري وإزدواجية المعايير والسلوكيات , وهذا نتاج إرث وتراث ثقافي إسلامي عروبي نحت وشكل الشخصية بكل عوارها , ومن هنا دعونا ننثر بعض الخواطر والتأملات التي تتعامل مع الشخصية والنفسية والذهنية الإسلامية من خلال الإيمان بفكرة الحسد لتبرز أن ملامحها وقسماتها تعود إلى ثقافة إسلامية عتيدة .

- الحسد هو أن يتمنى الحاسد زوال نعمة المحسود وهو حرام وفق عقيدة الإسلام حيث أنه اعتراض على الحق سبحانه ومعاندة له ومحاولة لنقضِ ما فعله فدره وإزالةِ فضل الله عمن أهَّلَه له .

- الدكتور محمود شلبي أمين الفتوى بدار الإفتاء قد أكد أن الحسد والسحر ذكرهما الله تعالى في كتابه , موضحاً أن الحسد والسحر يكونان بلاءً من الله أو ابتلاءً موضحاً أن الابتلاء يكون للعبد الطائع الذي يريد الله أن يختبر صبره وإيمانه وأن البلاء يكون بسبب ذنوب العبد وتقصيره ليكفر الله بالبلاء عنها استنادًا لقوله تعالى: «نَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ» , كما قالت دار الإفتاء المصرية إن العين لها تأثير على الإنسان من خلال الحسد كما ورد في القرآن والسنة .

- هذا التعريف يقع فى إشكالية وتناقض كبير فإذا كان يعزي الحسد إلى إعنراض على الله ومعاندته وقدره ونقض ما فعله وإزالة فضله , فوفق الإيمان الإسلامي نفسه , فالإصابة بالحسد والسحر لا يكون إلا بقضاء وقدر الله , فلن يصيب العبد إلّا ما كتب الله عليه فلو إجتمع جميع البشر على أن يصيبوه بشيءٍ لا يمكن لهم أن يصيبوه إلّا بما قدره الله له , ومن هنا نقع فى إشكالية وتناقض فالحاسد ليس صاحب فعل ولا إرادة حرة فهو أداة لتنفيذ إرادة ومشيئة الإله , فلما يتم ذم وإدانة وتأثيم الحاسد والساحر !!
أتصور أن سبب هذا التناقض يرجع إلى الفكر الإسلامي الإيماني الذي يعتقد أن الإله يحمل كل الصفات المتناقضة معاً , فهو الضار والنافع , والمعز والمذل , والمنتقم والرحيم , والودود والمتكبر ألخ لذا فالإبتلاء من الحسد هي إرادته ومشيئته .

- لا يكون توقفنا أمام تلك المشاعرالقميئة للحاسد , فالأمور تتعدي تلك المشاعر لتعلن أن الحاسد وعينه لهما تأثير ضار على المَحسود فهو يصيبه بالأذي والضرر , ولا تعرف كيف يؤثر الحاسد على الأحداث وكيف تكون الأمنيات والنوايا لها هذا الشر والفعل , ولكن هذا يزول كما أوضحنا فالله هو الذي يفعل ويرتب ويقدر , ورغم هذا يظل الحاسد المسكين مداناً دوماً في عيون المسلمين .

- المهم أن الحسد ليس تلك الأمنيات الشريرة للحاسد فنحن أمام خرافة كبيرة تجد حضورها في ذهنية ونفسية مليار ونصف المليار في عقول المسلمين , فالحاسد يضر ويؤذي ويؤثر على الأحداث فلن تجد واحد من المليار ونصف ينفي هذا ليستوي العَالم مع الجاهل والمثقف مع العامة ! فللأسف الشديد لن تجد واحد يرفض خرافة الحسد والعين لتدرك كم نحن متخلفون !

- الطريف أنه لا يوجد أى إستثمار وتطبيق للحسد والحساد طالما بهذا الحضور والتأثير , فلما لا تتفتق العقلية الدينية بتسخير الحسد والحساد لمواجهة أعدائنا وخصومنا , كأن نحشد كتيبة صغيرة من الحساد على الحدود مع إسرائيل أو نرسل فرق صغيرة من الحساد إلى أمريكا وأوربا لتجيبهم الأرض .

- لا تكتفي المصائب بالإعتقاد بتأثير الحاسد على الأحداث لتتناسل الخرافة والوهم وتتجذر وتستفحل فى عقول المسلمين بتلك الفتوي الشاذة الصادرة من دار الإفتاء المصرية التي ترسخ الخرافة وتخلق مناخ من الرهبة والفوبيا , وذلك أنها إستهانت بالعقل والعلم وسمحت لنفسها أن تذكر أعراض مادية للمس والسحر والحسد بلا دليل لتحشر أنفها فى العلم والطب والتشخيص .

أعراض السحر أو المس أو الحسد .
إليكم تلك الفتوي الغريبة الشاذة التي تثبت حجم تخلفنا فقد حددت الإفتاء عدة أعراض إذا ظهرت على الشخص كان محسوداً أو مسحوراً أو ممسوساً وجاءت على النحو التالي :
- صداع متنقل
- صفرة في الوجه
- كثرة التعرق والتبول
- ضعف الشهية
- تنمل أو حرارة أو برودة في الأطراف.
- خفقان في القلب
- حزن وضيق في الصدر
- ألم متنقل أسفل الظهر والكتفين
- أرق في الليل
- انفعالات شديدة من خوف وغضب غير طبيعي.
- كثرة التجشؤ والتنهد
- حب الانعزال
- الخمول والكسل
- الرغبة في النوم .

- المصيبة الكبري أن الخرافة والهذيان والعبط جاءت بكل تبجح وبلغت حداً من الهلاوس بإنساب حال بيلوجية وفيزيائية وطبية إلى تأثير الحسد والسحر ضاربة عرض الحائط بالعلم والطب ومؤسسة ومجذرة للخرافة والهذيان لتخلق عقول ونفوس هشة تجتاحها الخوف والتشوه .

علاج الحسد .
لتتجذر الخرافة والوهم أكثر فلابد من طرح أساليب علاج وتجنب الحسد والسحر ليؤكد أمين الفتوى أن العلاج من السحر والحسد يأتي بكثرة ذكر الله والحفاظ على الأذكار التي منها أذكار الصباح وأذكار المساء والرقية الشرعية وقراءة القرآن الكريم , مشيرًا إلى اللجوء إلى الله والافتقار إليه وقوله تعالى «واستعينوا بالصبر والصلاة».
الرقية الشرعية وتكون كالتالي:
- قراءة سورة البقرة على الأقل كل ثلاثة أيام مرة.
- قراءة الفاتحة وآية الكرسي والمعوذات صباحا ومساء والآيات الواردة فيها ذكر السحر والحسد.
- قراءة الفاتحة سبع مرات وآية الكرسي ثلاث مرات والمعوذات ثلاث مرات على كوب ماء ثم يشرب كاملا ، وتكرار هذا ثلاث مرات في اليوم في الصباح وبعد العصر وليلا .
- قراءة الفاتحة سبع مرات وآية الكرسي ثلاث مرات والمعوذات ثلاث مرات على زيت الزيتون ويمسح به الجسد كاملا ما عدا أسفل القدمين صباحًا ومساء.
- قراءة الفاتحة سبع مرات وآية الكرسي ثلاث مرات والمعوذات ثلاث مرات على ماء بارد من الثلاجة، ويخلط معه أوراق السدر ويغتسل منه، ويكرر الأمر ثلاث مرات في اليوم، ولمدة أسبوع أو أكثر حتى تزول الأعراض .
- قراءة الفاتحة سبع مرات وآية الكرسي ثلاث مرات والمعوذات ثلاث مرات على عسل طبيعي ويؤكل منه باستمرار، وهذا كله يمكن عمله بنفسك ولا تحتاج الذهاب إلى قارئ للرقية الا عند الضرورة القصوى .

-دعونا هنا نسأل فى هذا الهراء والتناقض , فهل ذكر الله والحفاظ على الأذكار والرقية الشرعية وقراءة القرآن الكريم ستحول من وقوع الحسد والسحر أي بمعني أدق هل تلك الأذكار والرقية الشرعية ستمنع مشيئة وأقدار الإله التي دونها لكل كتاب فيتراجع عما قدره ؟! يضاف لذلك هل تلك القراءات والأذكار ستحول حتما من دفع الضرر والأذي وماذا إذا لم تفلح !

- لنا أن نتوقف أمام فتوي دار الإفتاء المصرية وما ستجلبه من شيوع الخرافة وحضور لجيوش الدجالين والمشعودين الذين يتعاملون مع أعراض الحسد والسحر وعلاجه , فلا يسأل أحد ولا يستنكر من وجود هؤلاء المشعوذين وحضورهم لدرجة أن بعض القنوات الفضائية تعلن عن حضور الشيخ فلان المُعالج للحسد والسحر !

الأبعاد النفسية لنشوء وقبول فكرة الحسد .
لماذا وجدت فكرة الحسد كل هذا الإعتقاد والحضور فى ذهنية مليار ونصف مسلم بالرغم أنه لا يوجد أى دلائل عقلية وعلمية ومنطقية عليها .. أعزي هذا لعدة أسباب :
- هناك عقول جاهلة بالسببية فهي عاجزة بجهلها عن إدراك الظروف الموضوعية التى أنتجت الحدث لتعزي الحدث إلى الحاسد وعينه لتريح نفسها من مشقة البحث والتدقيق .
- هناك عقول ترفض الإعتراف بأخطائها والتي أنتجت الحدث لتعلق ضعفها وهشاشتها على شماعة الحاسد فتريح نفسها أو قل تخدرها .
- هناك عقول تمتلك قدر عال من النرجسية وتضخم الذات فهي محل الإهتمام والأنظار نظرا لأنها ذات قيمة وحضور مما جلب إهتمام وحسد الحاسد .
- تنسجم فكرة الحسد والحساد مع ثقافة المؤامرة لتغذيها وترسخها فهناك من يتآمر علينا بحسده لتعضد فكرة أننا محل إهتمام ومحور لهذه الحياة والكون بينما قيمتنا ضئيلة لا تعني أحد .

- إن الإيمان بالحسد والسحر يخلق عقول ونفسيات هشة تعيش وهم الفوبيا والخوف مما يشلها عن الحركة والحراك والإبداع لتحاول أن تعتزل وتواري ملكاتها وقدراتها خشية الضرر والأذي من عين الحاسد , ومن هنا تدرك لماذا نحن متخلفون كما تدرك سر تقدم الغرب فشعوبه لا تقيم أى وزن للحسد والحساد لتواجه مشاكلها بكل موضوعية ومصداقية وشفافية .

- دمتم بخير .
لا تحرر ولا تقدم قبل أن نتحرر من ثقافتنا القميئة .

حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية