قصة الولايات المتحدة (27) – الحرب الباردة

محمد زكريا توفيق
2021 / 4 / 27

الحرب الباردة

الولايات المتحدة كانت أقوى دولة على وجه الأرض في عام 1945. مصانعها تنتج نصف انتاج العالم من السلع. لديها أكبر سلاح طيران وأكبر بحرية في العالم. الدولة الوحيدة في ذلك الوقت التي كان لديها قنابل ذرية.

بعد الولايات المتحدة، يأتي الاتحاد السوفيتي. الجنود السوفييت هم سادة كل أوروبا حتى منتصف ألمانيا. بعد طرد جنود هتلر، قاموا بمساعدة الشيوعيين على قلب الحكومات غير الشيوعية بلد تلو الأخرى.

في عام 1946، زعيم بريطانيا في زمن الحرب، ونستون تشرشل، تحدث عن "الستار الحديدي" في أوروبا، الذي يفصل هذه الدول الشيوعية شرق أوروبا عن بلدان الغرب غير الشيوعية.

حارب الأمريكان والروس هتلر ألمانيا معاً كحلفاء. لكن الصداقة بينهما استمرت بالكاد اثناء الحرب. كان ستالين، الديكتاتور الروسي، يعرف أن العديد من الأميركيين يكرهون شيوعية السوفييت وطريقتهم في الحياة.

لكنه كان يخشى من أن تسقط الولايات المتحدة قنابلها الذرية على بلده في أية لحظة. الرئيس الأمريكي الجديد ترومان، كان موضع الشبهات ولا يمكن الوثوق به. وزي ما ضرب اليابان، يمكن فعل نفس الشيء معنا.

وكان ترومان يرى أن أفعال ستالين في أوروبا الشرقية، تدل على أنه يحاول نشر الشيوعية في العالم كله. لذلك، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لم تكن هناك ثقة متبادلة بينهما. ثم بدأت الناس تتحدث عما عرف بالحرب الباردة. لم يكن بينهما حرب، لكنهما لم يكنا على وفاق أيضا، بل في شجار ومناكفة دائمة.

قرر ترومان استخدام القوة والمال الأمريكي، لمحاصرة واحتواء النفوذ السوفيتي، حتى يمنع الشيوعية من الانتشار والتمدد. في عام 1947، أرسل المال والإمدادات لمساعدة حكومة اليونان، للتغلب على المد الشيوعي أثناء الحرب الباردة.

منذ ذلك الوقت، أصبحت الشيوعية هدفا رئيسيا للولايات المتحدة في التعامل مع بقية دول العالم. ولأن ترومان هو الذي بدأ هذه السياسة، أصبحت تعرف بمبدأ ترومان.

تقسيم ألمانيا

عندما انتهى القتال في أوروبا في الربيع عام 1945، قامت أربع جيوش من الدول المتحالفة الرئيسية، باحتلال أربعة مناطق من ألمانيا. هذه الدول هي الولايات المتحدة، الاتحاد السوفيتي، بريطانيا وفرنسا. كل دولة، كانت تحتل منطقة بصفة مؤقتة. وبعد أن يتفق الحلفاء على التفاصيل، سوف يتركون هذه المناطق لكي تحكم بحكومة ألمانية واحدة. على أمل أن تكون هذه الحكومة صديقة لدول الحلفاء.

هذه ما كان يخشاه ستالين. لقد عانى الاتحاد السوفيتي من الألمان أكثر من أي دولة أخرى. ألمانيا الصديقة لستالين، هي ألمانيا التي يسيطر عليها الشيوعيون، لا الحلفاء. لكن، لم يكن هذا مقبولا بأي حال من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. لذلك، لم يحدث أي تقدم يذكر بخصوص هذا الموضوع، عن طريق المفاوضات بين الدول المنتصرة الأربع.

بحلول عام 1946، لم يكن هناك بالفعل ألمانيا موحدة، بل اثنتان. واحدة شيوعية تسيطر عليها روسيا في منطقتها شرق البلاد، وأخرى غير شيوعية في غرب البلاد.

في عمق المنطقة الروسية، كانت تقع مدينة برلين. وبرلين كانت هي عاصمة ألمانيا القديمة. لذلك، تم تقسيم برلين أيضا بين الحلفاء إلى أربعة قطاعات. لربط القطاعات الغربية من برلين مع العالم الخارجي، لم يكن لدى الروس مانع من السماح للبضائع والناس، بالمرور خلال منطقتهم من ألمانيا.

كان انتعاش أوروبا من الحرب العالمية الثانية بطيئا. بحلول صيف عام 1947، كان قد مر عامان منذ انتهاء الحرب. لا يزال الملايين بدون عمل، بدون مساكن لائقة، أو طعام كاف.

في فرنسا وإيطاليا، الأحزاب الشيوعية نالت الكثير من التأييد بسبب وعودها بإصلاحات تجعل الأمور أفضل والحياة أسهل. هذا أقلق الرئيس الأمريكي ترومان.

في صيف عام 1947، قدمت حكومة ترومان خطة لمساعدة شعوب أوروبا، لكي تجعل الشيوعية أقل بهجة وجاذبية لهم. كانت الخطة هي مشروع مارشال، على اسم الجنرال جورج مارشال، وزير الخارجية في ذلك الوقت.

كان لدى الولايات المتحدة الكثير من كل شيء تحتاجه أوروبا في عام 1947. الغذاء والوقود والمواد الخام والماكينات. المشكلة كانت أن أوروبا فقيرة جداً، لا تقدر على شراء شيء وسداد ثمنه. مشروع مارشال أتاح لهم الفرصة للحصول على ما يحتاجونه.

مشروع مارشال قد عرض المساعدة على الاتحاد السوفيتي أيضا. لكن، كما وصفته صحيفة سوفيتية، بأنه "خطة للتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى". لذلك، رفض ستالين أن يكون له أية علاقة بمشروع مارشال، كما أنه عمل على عدم قبول المشروع من أية دولة داخل الستار الحديدي.

لكن الملايين من الدولارات، في صورة مواد غذائية أمريكية، مواد خام، ماكينات وآلات، بدأت تصب في الدول الغربية الأوروبية. كانت مثل إعطاء شخص يحتضر نقل دم. بحلول الوقت الذي انتهت فيه خطة مارشال في عام 1952، كانت أوروبا الغربية مرة أخرى على قدميها وفي بداية طريقها للازدهار.

في نفس الوقت، كان يجري اختبار الاحتواء في آسيا أيضا. كانت التجربة تجري في كوريا. قبل الحرب العالمية الثانية، كانت كوريا تحت الحكم الياباني. عندما استسلمت اليابان عام 1945، كان شمال كوريا محتلا من قبل القوات السوفيتية، والجنوب من قبل الامريكان. الخط الفاصل بين المنطقتين، هو خط عرض 38.

في عام 1948، انتهى احتلال كوريا. ترك الجيش السوفيتي وراءه حكومة شيوعية في الشمال، والأميركيون قاموا بتشكيل حكومة صديقة في الجنوب. كل حكومة ادعت أنه من حقها حكم كوريا كلها. في يونيو 1950، قرر الكوريون الشماليون تسوية المسألة بالقوة. عبر جنودهم خط عرض 38، مع غزو واسع النطاق لكوريا الجنوبية.

أرسل الرئيس ترومان جنودا أمريكيين وطائرات حربية من اليابان، للقتال دفاعا عن كوريا الجنوبية. ثم أقنع منظمة الأمم المتحدة، التي أخذت مكان عصبة الأمم قبل الحرب، بتأييده.

أرسلت 16 دولة، قوات للدفاع عن كوريا الجنوبية، تحت علم الأمم المتحدة. لكن الحرب هناك، كانت حربا أمريكية. 9 جنود من كل 10 تابعين للأمم المتحدة، كانوا أمريكان. كما أن رئيس القوات، كان الجنرال دوجلاس ماك آرثر.

في البداية، تقدمت الجيوش الشيوعية بسهولة. لكن بعد ثلاثة أشهر من القتال العنيف، دفعهم الأمريكان إلى خط عرض 38 ثانية، ثم توغلوا داخل كوريا الشمالية. لم يكن الهدف في ذلك الوقت، هو مجرد حماية كوريا الجنوبية، بل محاولة لتوحيد كوريا، تحت حكومة حليفة للولايات المتحدة.

كوريا لديها حدود طويلة مع الصين. قبل ذلك بسنة واحدة، الشيوعيون بقيادة ماوتسي تونج، قاموا بعد نضال طويل بحكم الصين وطرد تشيانج كايشيك إلى فرموزا (تايوان).

الأمريكان كانوا إلى جانب كايشيك في مقاومته للشيوعية، وكانوا في عام 1950، لا يزالون يعترفون به رئيسا رسميا للصين. ماو كان يخشى، لو توحدت كوريا تحت نفوذ الأمريكان، فقد يشجع هذا كايشيك استخدام كوريا كقاعدة لمهاجمة الصين.

حذر ماو الأميركيين من الاقتراب من حدود الصين. عندما تم تجاهل تحذيره، أرسل آلاف الجنود الصينيين لمساعدة شمال كوريا. فقام الصينيون بوقف تقدم الاميركيين. ثم بدأت حرب جديدة أشرس في كوريا. لأنها كانت في الواقع بين الولايات المتحدة والصين.

الحرب الكورية استمرت عامين ونصف. انتهت أخيرا في يوليو 1953، بسبب وفاة ستالين، الذي كان يشجع الصينيين على مواصلة القتال. سبب آخر، هو تهديد الرئيس الأمريكي الجديد أيزنهاور باستخدام الأسلحة الذرية، إذا لم توقع الصين على اتفاق لوقف النار.

وقف إطلاق النار، ترك كوريا منقسمة بخط عرض 38. كوري واحد من كل عشرة، كان قد قتل. ملايين من الناس أصبحوا مشردين. ومع هذا، ادعى كلا الجانبين أنهما قد فازا بنوع ما من النصر. قال الصينيون أنهم قد أثبتوا أن لا أحد يحتاج أن يخاف من مقاومة الامريكان.

قال الأمريكان، انهم أظهروا للشيوعيين في كل مكان أنه لا فائدة من محاولة نشر الشيوعية بالقوة. أكثر من 33 ألف أمريكي قد قتل في حرب كوريا، 100 ألف جريح. احتواء الشيوعية في آسيا كان باهظ التكلفة. لكن الأمريكان شعروا أنهم قد نجحوا في ذلك.

الجسر الجوي إلى برلين

بحلول عام 1948، كان الحلفاء الغربيون حريصين على إعادة البناء الاقتصادي الألماني. بدون الانتاج الصناعي الألماني والاستهلاك الألماني، وجدت الدول الأوربية الأخرى صعوبة في إحياء اقتصادها هي الأخرى. لكن قبل حل هذه المشكلة، شيء ما كان لا بد من القيام به، وهو النقود الألمانية.

في عام 1948، كانت قيمة العملة النقدية الألمانية تساوي لا شيء. عامل مصنع عادي كان يحصل على أجر بين 75 و100 مارك في الأسبوع. سيجارة واحدة، كان ثمنها 25 مارك. يعني أجر العامل في أسبوع كان يساوي ثلاث أو أربع سجاير.

في يونيو 1948، بدأ الحلفاء الغربيون يجمعون العملات القديمة، ويستبدلونها بعملات جديدة. مما أغضب الروس بشدة. مولوتوف، وزير خارجية ستالين، كان يهاجم الخطط الغربية لإعادة بناء الصناعة الألمانية.
هو الآن يشتكي من أن مخطط تغيير العملة، كان بهدف تحويل ألمانيا الغربية إلى قاعدة نفوذ للإمبريالية الأمريكية في أوروبا.

في 24 يونيو 1948، بعد أيام قليلة من بدء استخدام العملة الجديدة، أوقف الروس حركة المرور بين ألمانيا الغربية وبرلين الغربية. كنوع من الضغط على الحلفاء الغربيين لتغيير سياساتهم الاقتصادية حيال ألمانيا. لكن سرعان ما أصبحوا أكثر طموحا. فقاموا بسد جميع الطرق وخطوط السكك الحديدية وقنوات الري، بين برلين والمناطق الغربية من ألمانيا.

هدفهم الآن هو جعل من المستحيل على الحلفاء الغربيين تزويد اثنين مليون شخص يعيشون في برلين الغربية، بالغذاء والوقود. كان الهدف هذه المرة، هو إجبار الحلفاء الغربيين على ترك برلين الغربية للروس.

شعر قادة الولايات المتحدة وبريطانيا، أنهم لا يمكن أن تقبلوا الهزيمة بهذه الطريقة. لذلك قرروا إرسال كل ما تحتاجه برلين عن طريق الجو. فبدأت أساطيل الطائرات الأمريكية والبريطانية تطير إلى برلين الغربية وهي محملة بالإمدادات.

هذا "الجسر الجوي"، استمر لمدة عام تقريباً. كانت هناك أيام، عدد مرات هبوط الطائرات تصل إلى 14 ألف مرة. 2 مليون طن من الامدادات تم شحنها، بما فيها 5 آلاف طن فحم.

بحلول نهاية عام 1948، كان الروس يعرفون أنهم قد هزموا. في فبراير عام 1949، بدأت المحادثات السرية مع ستالين، انتهت بوقف الحصار.

حصار برلين أنهى كل أمل في وحدة ألمانيا تحت حكومة واحدة. في عام 1949، انضمت مناطق القوى الغربية لكي تكون جمهورية ألمانيا الاتحادية، أو ألمانيا الغربية. فرد ستالين بتحويل المنطقة الروسية إلى جمهورية ألمانيا الديمقراطية، أو ألمانيا الشرقية.

ولادة حلف شمال الأطلسي

في السنوات التي تلت عام 1945، بدت الحكومات غير الشيوعية في أوروبا الغربية تشعر بالقلق من تكدس الجيوش الروسية الضخمة وتجمعها خلف أسوار الأسلاك الشائكة لدول الستار الحديدي. لقد كانوا يخشون أن يأمر ستالين جنوده بغزوها. في فبراير 1948، ازدادت مخاوفهم. بدعم روسي لحكومة شيوعية سيطرت على تشيكوسلوفاكيا. بعد ذلك، قام ستالين، في يونيو، بحصار برلين من جديد.

هذه الأحداث أقنعت الرئيس ترومان بأن أوروبا الغربية تحتاج إلى أكثر من مجرد معونة اقتصادية. في عام 1949، دعا معظم دولها للانضمام إلى الولايات المتحدة، لإنشاء منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو). وهو تحالف دول وافقت على دعم بعضها البعض ضد التهديدات الروسية، وإقامة قوات مسلحة مشتركة للقيام بذلك.

تم التوقيع على معاهدة شمال الأطلسي في واشنطن في أبريل 1949. في سبتمبر من نفس العام، علم الأمريكان أن الروس يمكنهم أيضا صنع القنبلة الذرية. هذا أقنع الكونجرس بالموافقة على تخصيص ملايين الدولارات، لتجهيز القوات المسلحة لحلف الناتو. في عام 1951، أصبح الجنرال الأمريكي ايزنهاور، أحد جنرالات الحرب العالمية الثانية، هو القائد العام لحلف الناتو. وسرعان ما عاد آلاف الجنود الأمريكيون إلى أوروبا مرة ثانية.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية