نقض مفهوم فلسفة التاريخ لدى هيجل

هيبت بافي حلبجة
2019 / 8 / 9

نقض فلسفة التاريخ لدى هيجل
هيبت بافي حلبجة
بعد ما أنتقدناه في مفهومين جوهريين ، نقض مفهوم الإغتراب ( حلقة خاصة ) ، ونقض مفهوم الفلسفة الطبيعية ( حلقة خاصة ) ، ها نحن نحاول أن ننتقضه في مفهومه لفلسفة التاريخ من خلال مؤلفاته الأساسية ، محاضرات في فلسفة التاريخ ( العقل في التاريخ ، والعالم الشرقي ) ، ظاهريات الروح ، علم المنطق ، مبادىء فلسفة الحق ، تلك المؤلفات التي تمثل النسق الفكري ، المنظومة الفعلية ، لتطور العقل الهيجلي نفسه ، من خلال محتوى التناقض والوحدة ، ومن خلال دلالات ومدلولات الحركة التناقضية الداخلية في المقولات تحديدأ ، ومن خلال مفهوم الوعي المطلق ، ومن خلال المعرفة الكلية المرتبطة تحديدأ بالوعي المطلق والمتجاوزة له من حيث درجتها ، من حيث طبيعتها ، ومن حيث غايتها .
وإلى ذلك ، ولكي تتضح جوهر المقصود بالفلسفة التاريخية لدى هيجل ( 1770 ـ 1831 ) لامناص من التركيز على النقاط التالية :
أولأ : إن هيجل يعتمد على مفهوم التصور ، وتحديدأ التصور الذاتي أو الدمج البنيوي مابين التصور والذات ، فهو من التصوريين الذاتيين وليس من التصوريين الموضوعيين ، ومن هنا هو يؤكد على إن العقل هو الذي يحكم التاريخ ، وفي الحقيقة ، من الأصوب القول إن الوعي المطلق هو الذي يحكم التاريخ .
ثانيأ : إن مفهوم العقل ، أو العقل الكلي ، أو الروح ، أو الروح المطلقة ، هي من تجليات الوعي المطلق ، وهي محكومة ومنضبطة من قبل هذا الوعي ، لإن الفكر الهيجلي برمته لايصمد ولايستقيم خارج مفهومه ومحتواه ، وهنا يتراءى لنا مفهوم الوحدة ومضمون الصوفية الغربية سواء لدى هيجل أو حتى ـ ولو من بعيد ـ لدى شيلينج ( وحدة الروح والطبيعة ) .
ثالثأ : إن الفكر الهيجلي يتخطى في مؤلفه ( الروح المسيحية ومصيرها ) الأبعاد الناسوتية لسيدنا المسيح كنبي ( عليه السلام ) ويتماثل مع الأبعاد اللاهوتية للسيد المسيح كإله ، كرب ( له كل المجد والصلوات ) ، فهيجل ينطلق من الوعي الكلي المسيحي وتحديداٌ من الجذور في الوعي الكلي المسيحي واليهودي ، ينطلق من محتوى مفهوم الخطيئة والفداء ، ينطلق من موضوع الإغتراب في دورة الكمال التاريخي ، لذلك فإن الوعي المطلق في المرحلة الأولى يتجدد في لقائه مع نفسه في المرحلة الثالثة .
رابعأ :إن هيجل لايكترث إطلاقاٌ بمحتوى الأحداث في التاريخ ، أو بما يجري فعليأ على أرضية الوقائعية ، وحينما يقسم التاريخ إلى ثلاثة أقسام فهو لايعني فاعلية التقسيم ، وهذه الأقسام هي ، التاريخ الأصلي ، التاريخ النظري ، والتاريخ الفلسفي ، الأول هو مادة وموضوع المشاهدة والتجريب ، والثاني مادة وموضوع الدراسة والمقارنة ، والثالث هو مادة وموضوع الفلسفة الكاملة والمعرفة الكلية ، وهو التاريخ الحقيقي ( وهو التاريخ الهيجلي المدرك ) لإنه مرتبط بمفهوم ومحتوى الوعي المطلق ، ومن هنا تحديداٌ لاينبغي أن ندرك أو نسعى إلى إدراك التاريخ وكإنه شيء مستقل وخاص بنفسه ، بل بالعكس ينبغي أن نعيه ضمن سياق وتناسق المنظومة الفكرية ، التي حسبها ، وكإن الوعي المطلق هو الذي يحدد أو يجبر الفاعلية الكامنة في الأحداث ، وفي تنقل حالاتها ، أن تبدو على تلك الشاكلية وأن تتصرف وفقاٌ لمعايير معدة بشكل مسبق .
خامساٌ : إن جوهر الوعي لدى هيجل هو الحرية ، وهذا الجوهر لاينكشف على حقيقته التأصيلية إلا من خلال التاريخ ، فمفهوم الحرية هو المفصل التأسيسي مابين الوعي والتاريخ ، وفي الفعل إن الثلاثة تتوازى تطابقياٌ فيما بينها في درجة الصيرورة وحتى السيرورة ، لذلك قسم هيجل الوعي إلى درجات وأقسام محددة ، فلقد بدأ بالوعي الحسي ( كدرجة بدائية ) ثم الوعي بالذات ثم الوعي بالعقل وأخيراٌ الوعي من خلال المعرفة المطلقة ( كدرجة سامية بالمطلق ) ، وكذلك رأى التاريخ في بنياده في محتوى الحضارات ، إبتداءاٌ بالحضارات الشرقية القديمة ( الحضارة الصينية والهندية والفارسية والمصرية ) ، ثم حضارة اليونانية والرومانية ، وأخيراٌ الحضارة الجرمانية ، ففي تلك الحضارات الأربعة الأولى كان الحاكم هو الإله ، هو الحاكم الأوحد ، هو القانون ، فكان هو الوحيد الذي يتمتع بالحرية في حين إن الآخرين جميعاٌ كانوا عبيداٌ ، أما في الحضارتين الأخريتين فلقد كان الشعبين اليوناني والروماني يتمتعان بالحرية إلى جانب الحاكم ، في حين إن الشعوب الآخرى كانوا أو مازالوا عبيدأ ، أما في الحضارة الجرمانية فلقد بلغت الحرية أوجها وسموها التمايزي المطلق ، والذي يتوازى ، على الأرجح ، مع الدرجة الأخيرة من تقدم الوعي ، أي الوعي المرتبط بالمعرفة المطلقة .
والآن يمكننا أن ندرك ، بصورة واضحة ، العلاقة الحميمية مابين هذا التثليث ( الوعي المطلق ، التاريخ ، الحركة التناقضية ) ، تلك الحركة التي مأواها ومرجعها القانون الديالكتيكي : الإثبات ، النفي ، ونفي النفي ، الذي بفضل الحركة التناقضية الكامنة فيه ومفهوم الصيرورة تتطور المقولة الأولى إلى الثانية ، والثانية إلى الثالثة ، وهكذا حتى نبلغ المقولة المطلقة ، حيث سيطرة الوعي المطلق على المعرفة المطلقة ، والسؤال الجوهري هنا ماهو الدور والموقع الأصلي للتاريخ ، أي ماذا نستنتج مما سبق :
أولاٌ في كل هذه المراحل ، أي منذ البدايات الأزلية إلى النهايات الأبدية ( الأزل والأبد كلمتان كورديتان ) يجاري التاريخ ، كأحداث وكحركة سلوكية ، كل هذه التطورات لإن الوعي المطلق هو الذي يتحكم به .
ثانياٌ إن محتوى الحركة التناقضية وكذلك مضمون القانون الديالكتيكي ، الإثبات ، النفي ، ونفي النفي هما خارج دائرة التاريخ ، أو بالأصح والأدق إن التاريخ هو خارج هاتين الدائرتين .
ثالثاٌ إن التاريخ ، ومهما كانت طبيعة أحداثه ونوعية تفاعلاته الحسية والمباشرة ، فهو منقاد بالضرورة نحو جهة معينة من كلية الأحداث ، أي لا إعتبار فيه لا للجزئيات ولا للأشخاص ، وحتى محتوى كلية الإحداث ينصب بالضرورة في مضمون العلاقة مابين الوعي المطلق والحركة التناقضية .
رابعاٌ رغم كل هذا وذاك فإن التاريخ هو الذي يكشف عن ثلاثة قضايا أساسية ، الأولى هو الذي يضفي المفهوم الأصيل والأصلي لكافة مكونات الفكر الهيجلي الداخلة في هذا المجال ، سواء فيما يخص الوعي والحركة والمقولة والإغتراب والتناقض ، الثانية هو الذي يكشف العلاقة الحقيقية مابين الوعي المطلق والحركة التناقضية اللتان هما عاجزتان عن إظهار أنفسهما كظاهرة حيوية ، فبدون التاريخ سيكون مصير تلك العلاقة مجهولاٌ ، الثالثة هو الذي أعلن عن سقوط الوعي المطلق في إشكالية الإغتراب وهو الذي سيعلن عن تجاوزه لهذه الإشكالية .
من الواضح إن مفهوم التاريخ بهذا الشكل منقوض من زوايا عديدة :
الزاوية الأولى : عند رؤية هيجل لمحتوى الحضارات ، الحضارات الشرقية ( الصينية والهندية والفارسية ....) والحضارتين اليونانية والرومانية ، ثم الحضارة الجرمانية ، وربطها بمفهوم الوعي ودرجة تطوره ، أمر يدعو إلى الإندهاش ، ولايستقيم لا أصلاٌ ولا تأصيلاٌ ولا حتى بالتبعية ، فهل توقفت الحضارات عند الجرمانية ، وهل بلغنا ،عملياٌ وفكرياٌ ، نهاية التاريخ ، وهل توقف التاريخ عندها ، وهل ، أصلاٌ ، يستطيع التاريخ أن يتوقف من تلقاء ذاته دون أن يحكمه الوعي ، هذا من ناحية أولى ، و من ناحية ثانية هل رؤيته ومفهومه حول تلك الحضارات هي صائبة بذاك الشكل ، ومن ناحية ثالثة هل هي تستطيع أن تصدق مع نفسها بالفعل وتصدق مع الوعي بالضرورة .
الزاوية الثانية : إن التاريخ ، لدى هيجل ، هو في حقيقته محاكاة لما يجري في علاقة الوعي بالحركة التناقضية وبالمقولات ، ولو وجدت الحركة التناقضية في محتوى التاريخ وأحداثه لأنقلبت الموازين والشروحات ليس في إطروحاته فقط إنما في تطور فكره الخاص به هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى لأستقل الموضوع عن الذات تماماٌ ولأنتهى مفهوم الوحدة لديه ولأصبح هو والوعي والذات والمقولات ، وبالتالي الروح والعقل عراة في صحراء بدون غطاء من منظومة نسقية أو أي غطاء فكري .
الزاوية الثالثة : في علاقة الثلاثية ( التاريخ والصيرورة والحرية ) لايمكن أن تكون صادقة وأمينة إلا إذا تحقق شرط الضرورة في التناسق مابين الثلاثة ، أي شرط الضرورة الموضوعية ، أي إحتواء التاريخ للصيرورة وكذلك للحرية ، وبالتالي ، وفقط عند تحقق هذه الفكرة ، تتحول الثلاثية ( التاريخ والصيرورة والحرية ) إلى أجمل نسق فكري متكامل ، متواحد ، متآلف ، لكن لدى هيجل العكس هو المطبق كما رأينا .
الزاوية الرابعة : في إشكالية التاريخ لم يميز هيجل مابين وعي الضرورة وضرورة الوعي ، ولإنه لم يميز مابين الذات والموضوع ، وقفز إلى محتوى الإندماج غير البنيوي مابينهما في وحدة صوفية غربية ، فألتبست لديه الإشكالية أكثر ، فأضطر ، وهو يصبو إلى ذلك ،إلى فرضية الوعي المطلق وغرس وعي الضرورة فيها ، وبالتالي أضطر إلى ألغاء محتوى الموضوع لمصلحة مفهوم الذات ، وهكذا تحول التاريخ إلى كهف لاصيرورة فيه ولاحرية من ناحية المحمول الفلسفي ، وهكذا تحولت محتوى المادة نفسها إلى شيء لاينبس .
الزاوية الخامسة : وأخيراٌ من زاوية القانون الديالكتيكي ( الإثبات ، النفي ، نفي النفي ) وعلاقته بالتاريخ ، ولإنه خارج التاريخ ، فلقد أمسى قانوناٌ نظرياٌ صرفاٌ ، يحول المقولات إلى مقولات أخرى بطريقة تعسفية ، وفقاٌ لرؤية مريدة مرغوبة فيها مسبقاٌ ، وتوشك المقولات أن تكون رمزية ، بل تكاد أن تكون جافة تماماٌ كمفهوم الوجود العام لديه . وإلى اللقاء في الحلقة الرابعة والسبعين .

سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي
حوار مع أحمد بهاء الدين شعبان الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري، حول افاق اليسار في مصر والعالم العربي