ألمانيا- عِداء استعماري تاريخي، من بيسمارك إلى ميركل

الطاهر المعز
2021 / 7 / 23

ألمانيا، عَدُوّ الشعب الفلسطيني

نَشَرْتُ يوم 11 تموز/يوليو 2021) مقالاً بعنوان "ألمانيا 1931-2021، ما الذي تغير" مع عنوان فَرْعي: "ألمانيا من النازية إلى الصهيونية"، ووصلتني على البريد الخاص بعض التّعليقات، اعتبرْتُ بعضها "غير لائق"، ولكني فَضّلْتُ التّريُّث، لكي لا تكون الإجابة في شكل ردّفعل، بل في شكل عودة إلى موضوع الدّعم الألماني القوي للحركة الصهيونية، ثم للكيان الصهيوني، ما يدفعني للتفكير الرّصين ومراجعة التاريخ ودور الحركة المسيحية البروتستانتية الألمانية في استيطان فلسطين، ودعم الحركة الصهيونية، وما قد يساعد بعض الأصدقاء والصديقات على مزيد التفكير وتعميق دراسة موضوع العلاقة العضوية بين الإمبريالية والصهيونية، بدَلَ تبادُل الشّتائم والإتهامات...
بمناسبة زيارة الرئيس الألماني لفلسطين المحتلة، يوم الإربعاء 30 حزيران/يوليو 2021، وهي أول زيارة يقوم بها خارج أوروبا، ليلتقي برئيس الوزراء الصهيوني الجديد الذي يفتخر، خلال تصريحات عَلَنِيّة، بقتل الكثير من الفلسطينيين والعرب، أجرت صحيفة "هآرتس" الصهيونية، حديثًا معه، تضمّن تأكيدًا للموقف الألماني المناصر للإحتلال والمُعادي للشعب الفلسطيني وللشعوب العربية، ولئن كان منصب الرئيس شَرَفِيًّا في ألمانيا، ونادرًا ما تَذْكُرُهُ وسائل الإعلام، فإنه عندما يُدْلِي بتصريح، لا يخرج موقفه عن الوفاق بين كافة الأحزاب السياسية المُمَثّلَة في البرلمان الإتحادي.
صَرّحَ الرئيس الألماني للصحيفة الصهيونية: "تعتبر ألمانيا أن المحكمة الجنائية الدولية، لا تمتلك صلاحية التحقيق مع إسرائيل"، بشأن الإنتهاكات أو الجرائم في الأراضي المحتلة سنة 1967، أي في جزء من فلسطين، وذلك تعقيبًا على قرار المحكمة الجنائية الدّولية (آذار/مارس 2021) "فتح تحقيق في جرائم حرب، ارْتُكِبَتْ في الأراضي الفلسطينية المحتلة" (سنة 1967)، منذ 13 حزيران/يونيو 2014، وليس قبلها، وكانت سلطة أوسلو قد طلبت، سنة 2018، من المحكمة الجنائية الدّولية، النّظَر في "جرائم إسرائيلية بشأن قضايا الاستيطان والأسرى، والعدوان على غزة، وانتهاكات مسيرة العودة وكسر الحصار"، واستنكر الرئيس الألماني هذا القرار، تضامنًا مع الكيان الصهيوني، كما اعتبر "إن مخاوف إسرائيل بشأن التهديد الإيراني مبررة... (وإن) ألمانيا وإسرائيل تشتركان في هدف استراتيجي مشترك، يتلخص في وجوب مَنْع إيران من امتلاك أسلحة نووية، مع تقييد برنامج إيران الصاروخي الذي يُهدّد المنطقة"، متناسيًا أن الولايات المتحدة هي الدّولة الوحيدة التي استخدمت الأسلحة النووية، وأن ألمانيا (وريثة النّازية) تمتلك الأسلحة النووية، وتبيع الكيان الصهيوني، بأسعار مدعومة من أموال الشعب الألماني، غواصات قادرة على حمل أسلحة نووية، معتبرًا "إن إسرائيل دولة ديمقراطية (هل يُبرر ذلك امتلاك السّلاح النّوَوِي؟)، خلافًا لإيران"، بحسب برقية صادرة عن وكالة الصحافة الفرنسية أ.ف.ب يوم 01 تموز/يوليو 2021.

عداء تاريخي للفلسطينيين وعلاقات تاريخية مع كيان الإحتلال:
هناك أخطاء شائعة مفادها أن ألمانيا ليست دولة استعمارية (خلافًا لفرنسا أو بريطانيا)، وهذا خطأ تاريخي، إذ كانت لألمانيا، قبل الحرب العالمية الأولى، مستعمرات استيطانية عديدة في المحيط الهادئ والهندي وفي إفريقيا (التوغو وبورندي والكامرون...)، وارتكب جيشها مجازر فظيعة، في إفريقيا الإستوائية (نامبيبيا) وفي إفريقيا الشرقية (طنجنيقا بتنزانيا حاليا) وفي إقيانوسيا، ودعمت الإستعمار الإستيطاني ليهود أوروبا في فلسطين، قبل وبعد الحربيْن العالميتَيْن الأولى والثانية.
أقام المسيحيون البروتستانتينيون المتطرفون الألمانيون ما لا يقل عن خمس مُستعمرات استيطانية، على أُسُسٍ عقائدية، في فلسطين، منذ الثّلث الأخير من القرن التاسع عشر، بترخيص (تحت التّهديد أحيانًا) من الإحتلال العثماني، وبدعم سياسي ومالي وعسكري من حكومة ألمانيا، التي أرسلت سفُنًا حربية دفاعًا عن حوالي ألْفَيْن من المُستوطنين الألمانيين في مناسبتيْن، بنهاية القرن التاسع عشر (1878) وبداية القرن العشرين، خلال ثورة الفلاحين الفلسطينيين ضد الإستعمار الإستيطاني البروتستانتي والصهيوني، وضد شركة استيطانية أسّسها مصرف ألماني للإستيلاء على الأراضي المعروضة للبيع من قِبَل الإقطاعيين العرب والأتراك، الذي يسكنون بيروت أو إستنبول، بالتوازي مع المصرف الصهيوني الذي أصبح يُشار إليه "مصرف لئومي" حاليا.
أما في ظل حكم النّازيّين، قبل الحرب العالمية الثانية، فقد وقّعت منظمات الحركة الصهيونية اتفاقية مع حكومة ألمانيا (النّازية) لتيْسير نقل ثروات اليهود الذين يغادرون ألمانيا للإستقرار بفلسطين (التي كانت تستعمرها بريطانيا)، وسمحت هذه الإتفاقية بهجرة حوالي خمسين ألف ألماني يهودي إلى فلسطين، وبتحويل ما يزيد عن أربعين مليون دولارا (بقيمتها آنذاك)، خلال ست سنوات، وقع إنفاق المبلغ لتعزيز الإستعمار الإستيطاني الصهيوني بفلسطين، وأشادت الصّحف النازية، منذ سنة 1934، ب"إنجازات المستوطنين اليهود الألمانيين في فلسطين"، الذين يستخدمون تجهيزات وآلات فلاحية مُستَوْرَدَة من ألمانيا، وكذلك أسلحة ألمانية "للدفاع عن المستوطنات من هجمات الفلسطينيين العرب"، وزار العديد من مُمثِّلي ومن رُمُوز الحكومة النازية الألمانية هذه المُستوطنات، بين سنتَيْ 1934 و 1939، قبل انطلاق الحرب العالمية الثانية، من بينهم "أدولف إيخمان" (الذي اختطفه وحاكَمَهُ الصهاينة فيما بعد) و"هيربرت هاغن"، سنة 1937...
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وتأسيس ألمانيا الإتحادية (الغربية) بإشراف أمريكي، وضغط أمريكا على الحُلفاء لإلغاء الدّيون الألمانية، تواصلت السياسات الإستعمارية الألمانية، مع تعزيز الدّعم الإقتصادي والسياسي والعسكري المُقدّم للكيان الصهيوني، بدل تسديد تعويضات لشعوب اضطهدها النّازيون واحتلّوا وخرّبوا بُلدانها، في أوروبا، كاليونان ويوغسلافيا والإتحاد السوفييتي، وفي شمال إفريقيا، مصر أو ليبيا والمغرب العربي بكامله، وتعزّزَ هذا الدّعم بالتوازي مع نشر وتشجيع العداء للشعب الفلسطيني، خصوصًا بعد استهداف منظمة "أيلول الأسود" الرياضيين الصهاينة (أولمياد مونيخ 1972)، الذي استغلّته حكومة ألمانيا للتنديد بالمقاومة الفلسطينية، ولِحَظْر أي جمعية فلسطينية بألمانيا (بما فيها الإتحاد العام لطلبة فلسطين) وجمعيات التضامن مع الشعب الفلسطيني، ونظّمت الشرطة الإتحادية عمليات مداهمة وترحيل جماعي للفلسطينيين وللعرب من ألمانيا...

من ألمانيا الغربية إلى ألمانيا الموحّدة، نفس الإيديولوجيا والممارسات الإستعمارية:
وقع تبادل السُّفراء والإعلان عن تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين ألمانيا (الغربية) والكيان الصهيوني، يوم 12 أيار/مايو سنة 1965، في الذكرى السابعة عشر للنكبة، لكن ألمانيا تُسدّد لدولة الإحتلال مبالغ مالية بقيمة فاقت ثمانين مليار دولارا، خلال عِقْدَيْن ونَيّف، أو حوالي 3,5 مليار دولارا سنويا، في المتوسّط، منذ لقاء المستشار الألماني "كونراد إيدنهاور"، الموْصُوف ب"الصهيوني الكاثوليكي" مع رئيس حكومة الإحتلال الصهيوني "دفيد بن غوريون"، سنة 1952، بعنوان تعويضات عن ضحايا النّازية من المواطنين الألمانيين والأوروبيين، قبل تأسيس كيان الإحتلال، على أراضي فلسطين وليس على أراضي ألمانيا، وتصدير الأسلحة الحديثة بأسعار تَفْضِيلِيّة، منها غواصات قادرة على حمل رؤوس نووية، وزوارق حربية سريعة، بأقل من سعر التكلفة، وتُعتبر ألمانيا أكبر شريك تجاري أوروبي، وثاني شريك تجاري عالمي للكيان الصهيوني بعد الولايات المتحدة، وتُقدّر قيمة مُعدّل الصادرات السنوية الألمانية للكيان (دون احتساب الأسلحة) بنحو 2,5 مليار دولارا سنويا، فضلاً عن التعاون الكبير في مجالات البُحُوث والعلوم، والدَّعم السياسي والدبلوماسي غير المحدود، وتجاهل الجرائم الصهيونية (والبريطانية) ضدّ الشعب الفلسطيني، منذ حوالي قَرْن، وأشادت المستشارة أنغيلا ميركل بهذا "الدّعم غير المحدود وبالتزام ألمانيا بدعْم وضمان أمْن إسرائيل ومستقبلِها"، أثناء استقبال رئيس الكيان في الثاني عشر من أيار/مايو 2015، بمناسبة أسبوع الاحتفال بالذكرى الخمسين للعلاقات الدبلوماسية بين الدّولتَيْن.
اتّفقت الأغلبية الساحقة في مجلس النواب الألماني مع الحكومة، خلال صيف 2019، على تصنيف حركة المقاطعة "بي دي إس، حركة مُعادِيَة للسّامية"، ما يُؤَدِّي إلى تحجير نشاطها، وحَظْر التّبَرُّع لها، والتّعاون معها، بينما تتسامح أجهزة الدّولة مع اليمين المتطرف، وتتقاعس الشرطة في كَشْف جرائمه، فيما يحجم جهاز القضاء عن إدانة مُرتكبي الجرائم العنصرية بحق اللاجئين والمهاجرين، وأماكن عبادة المسلمين ومحلاتهم الخاصّة، ودعا عدد من الباحثين والمثقفين إلى معارضة القرار والتراجع عنه، لأنه يُناقض مبدأ حرية التّعْبِير، وحرّية نقد سياسة دولة أجنبية، بحسب موقع المجلة الأسبوعية "دير شبيغل" (وقع الإطلاع يوم الإربعاء السابع من آب/أغسطس 2019)، وفي بداية آب/أغسطس 2019، أعلن أحد رؤساء الكنيسة الإنجيلية بألمانيا، الأسقف هانز يورغن أبرومايت، "إن ألمانيا تتماهى أكثر من اللزوم مع إسرائيل، على حساب الفلسطينيين..."، وفاق الدّعم الألماني للكيان الصهيوني، أحيانًا، الدّعم الذي تُقدّمُهُ الولايات المتحدة، وأعلنت المستشارة "أنغيلا ميركل"، بوضوح، منذ سنة 2008: "إن أمن إسرائيل جُزْءٌ من المصالح العُلْيا لألمانيا" التي يُشارك جيشها في أيّ عُدْوان عسكري أمريكي وأطلسي...
عندما كثّفَ الجيش الصهيوني العدوان على الشعب الفلسطيني، منتصف أيار/مايو 2021، في ذكرى النّكبة، أدانت المستشارة "أنغيلا ميركل" يوم 17 أيار/مايو 2021 الإحتجاجات التي نظّمتها القوى الديمقراطية بألمانيا، على ضُعْفِها، واعتبرتها "جزءًا من انتشار مظاهر الكراهية ومعاداة السامية" واعتبر وزير الدّاخلية التظاهر ضد بعض سياسات الكيان الصهيوني (وليس ضد الكيان بحدّ ذاته) بمثابة "الإعتداء على ألمانيا التي تشترك في القيم مع إسرائيل"، مُكرِّرًا وناسِخًا نفس العبارات التي وَرَدَتْ في تصريح السفير الصهيوني، خلال نفس اليوم، 17 أيار/مايو 2021، ونسج معظم الوزراء (الخارجية والحرب والقضاء والتعليم والثقافة...) على منواله، ما يجعل من نظام الحُكم بألمانيا، كيفما كان إسم الحزب أو اللّون السياسي للإئتلاف الحاكم، حليفًا ثابتًا للكيان الصهيوني، وعدوًّا ثابتا للشعب الفلسطيني وللشعوب العربية وللشّعُوب المُضْطَهَدَة، فقد دعمت جميع الأحزاب المُمثّلَة في البرلمان، وتبنّتْ في أيار/مايو 2019، قانونًا يعتبر "حركة المقاطعة وكل من يُشكّكُ في حق إسرائيل في الوجود، معاديا للسامية"، وبذلك كان نواب ألمانيا أكثر صهيونية من النواب الأمريكيين.
في المُقابل، تخصّص الحكومة الألمانية مبلغ 15 مليون دولارا "للمجتمعات اليهودية" بألمانيا، ومعظمها منظمات صهيونية تتخفى بالديانة اليهودية، وارتفع المبلغ، منذ سنة 2019، فأصبحت الحكومة الألمانية تُخصّص مبلغ 26 مليون دولارا لنفس المنظمات، أو "المُجتمعات اليهودية" كما تُسمِّيها الحكومة الألمانية.

بيغاسوس والتجسس الصهيوني بألمانيا:
رغم شبه الإجماع الحاصل داخل المؤسسات والنقابات الألمانية لتأييد الحركة الصهيونية والكيان الصهيوني، ومعاداة الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، لم يقع استثناؤها من التّجسس الأمريكي (وكالة الأمن القومي)، ومن التّجسّس والتّخريب الصهيوني، فقد ذكر موقع "دويتشه فيللّه" (الإذاعة والتلفزيون العمومي) أن برنامج التجسس الصهيوني "بيغاسوس" استهدف، في ألمانيا، الصديقة الثابتة لكيان الإحتلال، صحافيين وباحثين أكاديميين وحقوقيين (المدافعين عن حقوق المهاجرين واللاجئين) كما استهدف أطفالهم وعائلاتهم، والعديد ممن ينتقدون عُنف الدّولة والشرطة والمناضلين ضد الفساد وضد أطروحات اليمين المتطرف، وغيرهم، مع التّذكير بالتعاون الوثيق بين ألمانيا والكيان الصهيوني في مجالات التقنيات الدقيقة والمتطورة، والإستخبارات وصناعة الأسلحة المتطورة...
ندّدت اتحادات الصحافة الألمانية بعمليات التجسس وطالبت بالكشف عن تفاصيل استخدام برنامج "بيغاسوس" الذي طورته شركة صهيونية ( إن إس أُو )، "للتجسس على صحفيين ألمان، وبتفعيل قوانين أكثر صرامة ضد استخدام وتوريد هذا النوع من برامج المراقبة، وبالتحقيق في الأمر واتخاذ تدابير احترازية..." وفق تصريح رئيس "رابطة الصحفيين الألمان" ( DJV ) يوم الإثنين 19 تموز/يوليو 2021...
أما الحكومة الألمانية فإنها تجاهلت الأمر، كما تجاهلت تجسُّسَ وكالة الأمن القومي الأمريكية، قبل سنوات، على المُستشارة "أنغيلا ميركل"، لأن التحالف الألماني الصّهيوني أهمُّ بكثير من حُرّيّة الصحافي أو الباحث الألماني.
يمكن التّأكيد أن عداء المنظومة السياسية والإعلامية الألمانية للشعوب الواقعة تحت الإستعمار والإضطهاد، وكذلك دعم الإستعمار الإستيطاني الصهيوني، مُتواصل، بل متصاعد، منذ توحيد ألمانيا على يد المستشار "أوتو فون بيسمارك" (1870/1871)، كما خلال فترة الحكم النازي، من 1933 إلى 1945، وكذلك خلال فترة الوصاية الأمريكية، بعد الحرب العالمية الثانية، وإلى غاية اليوم، بعد ابتلاع ألمانيا الغربية لألمانيا الشرقية، سنة 1990، بذريعة إعادة توحيد ألمانيا...

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية