شارلي ايبدو : حرية التعبير أم حرية التدمير

المهدي بوتمزين
2020 / 11 / 4

تعود من جديد جدلية العلاقة بين الدين و الدولة أو حدود القوانين السماوية في الشؤون السياسية و القانونية في البلاد, لاسيما الغربية منها ؛ التي فصلت منذ قرون و أحجمت دور الكنيسة في السياسة . فالإشكالية الاَنية المطروحة تحاول المزاوجة بين حرية التعبير كحق قانوني من جهة و احترام الأخر من جهة ثانية . ولمَّا كان الفرد ضعيف القدرة على التحليل و الفهم العميق و شيئا قابلا للتحريك و التهييج, حيث سلَّم نفسه للدعاية و البروباغندا و الغوغائية و تأثير الجماهير, كان لزاما أن يكون فاعلا و ضحية في الاَن ذاته و يسارع بطيشه إلى اقتراف أفعال مشينة تمس كينونة الأخر و حقه المحفوظ في الكرامة و تأمين قيمته و قيمه العلوية .
إن حرية التعبير ليست حقا يدور في فلك الإطلاقية و يضرب في الأفاق البعيدة و الأكوان المتعددة , بل له مرتكزات يقوم عليها و أبعاد لا يتعداها , و لو إدعينا خلاف ذلك لوجدنا أنفسنا في عوالم المهاترات و الملاسنات اللامتناهية , فيغدو السب و القذف و الباطل حرية للتعبير , فكان لمجموع القواعد القانونية الدور الهام في تحديد الشروط و الأركان بما يضمن حق الفرد في التعبير عن الرأي و واجبه في الإحترام .
الدولة الفرنسية تضمن حرية التعبير و حرية الدين لكنها تشهد المثنوية التي توجد التهكم و الإهانة التي تستهدف اليوم كل مقومات و رموز الدين الإسلامي, في الوقت الذي تعد فيه الجالية المسلمة مكونا رئيسا و محوريا في النسيج الوطني و عاملا لتعدد الثقافات و الهويات و الأديان . إن فرنسا تعاني من ازدواجية في المعايير و سكيزوفرينيا في تقدير المواقف و اتخاذ القرارات, و العامل الأساسي في هذه العلل هو خضوعها للوبي اليهودي الصهيوني و عقيدتها الإستعمارية الإمبريالية التي تركن للتشيؤ حيث تجعل من الإنسان المختلف شيئا يمكن استغلاله و الإستهزاء منه . يمكن اعتبار فرنسا من الدول الأوروبية الأقل احتراما للإختلاف و الأكثر عنصرية, و الموئل في ذلك هو مكانتها التاريخية كقوة استعمارية و الدور الذي لعبته في إعادة رسم خارطة العالم العربي و إقامة دولة قومية لليهود على حساب الدولة العربية الإسلامية الفلسطينية .
لقد كان من نتائج ازدواجية الرؤية الفرنسية لحرية التعبير التجني على المسلمين في مقابل حظر أية إساءة موجهة لليهود أو الأشخاص ذوي النفوذ الكبير في البلد . ففي إحدى السوابق تم طرد رسام كاريكاتوري في صحيفة شارلي ايبدو قام برسم نجل الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي, و الإستهزاء من اعتناقه للديانة اليهودية حتى يتمكن من الزواج بفتاة يهودية تنتمي لعائلة ثرية . وفي حادث مماثل تعرَّض المفكر الفرنسي روجيه غارودي لحملة شعواء و اعتداءات سافرة, بعد أن شكك فقط في عدد ضحايا الهولوكوست و اعتبر أن الرقم أقل من ما تم التصريح به . فالحقيقة أن فرنسا ترزخ تحت سطوة اللوبيات الصهيونية التي استطاعت أن تجوس في كل الدهاليز و الدواليب خاصة الحقل الإعلامي الذي تتحكم في السواد الأعظم منه عالميا .
صحيفة شارلي ايبدو جعلت من فرنسا تياترو حقيقي لأحداث تراجيدية كانت في غنى غدق عنها , ذهب ضحيتها أبرياء كما كان الأمر في أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي شهدتها أميركا و التي تطرح تساؤلات جمة حول عجز أو تواطئ الأجهزة الإستخباراتية في البلد .
صحيح أن أعضاء صحيفة شارلي يساريون راديكاليون أناركيون يؤمنون بقيم تختلف عن تلك التي يعتقد بها غيرهم من المسلمين و اليهود و باقي الملل و الأديان و الطوائف و الحركات الدينية و السياسية , لكن الصحيفة تبالغ في ممارسة حقها في التعبير تماما كمن ينزع ملابسه في الشارع العام و يمارس الجنس مع صديقته و هما يظنان أنهما يمتلكان الحق المطلق في العلاقات الجنسية . أكثر من هذا الأمر يمنع على الأفراد في العديد من الدول الأوروبية و ربما كل الولايات الأميركية السكر العلني و حمل قنينات الخمر في الشارع ضمانا للأمن العام و حماية للأفراد الأخرين لاسيما الأطفال منهم . فالشرط المسبق الذي وجب فرضه في هذا السياق هو احترام مشاعر المسلمين و دينهم و عدم التعرض إلى الرسول محمد صل الله عليه و سلم الذي بُعث رحمة للعالمين .
في الوقت الذي تكأكأ فيه العالم الغربي – أقصد دول الشر الغربية- لمنع قيام أي نهضة فكرية أو إقتصادية أو علمية إسلامية , و بعد دخول العالم الإسلامي في مرحلة جديدة وسمها الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش بعبارة معنا أو ضدنا ,أي أن الأنظمة العربية إما أن تتماهى مع الأوامر و القرارات و الأطروحات الأميركية الإسرائلية المجحفة و الظالمة ضد المسلمين, أو أن تكون في محور المقاومة للمشروع الأميريكي المدمر للمنطقة و الذي دفع ثمنه صدام حسين و معمر القذافي و حركات و شخصيات إسلامية عديدة . هكذا دخلنا لمرحلة فقد فيها العالم العربي و معه الإسلامي أعضاء و عوامل المناعة و المواجهة فأضحى يتكيف مع حرارة غرف التجارب حتى فقد القدرة على الخروج منها كالضفدع المبلود و المبهوت .
بمفهوم المخالفة لو كان العالم العربي اليوم يتمتع بقيادات باسلة و مستقلة لكان للجامعة العربية و مختلف المجاميع الإسلامية الكلمة الأقوى في مواجهة الإهانات و الهجمات المتوالية التي تستهدف الدين الإسلامي و المسلمين في العديد من البقاع لاسيما الإيغور و الروهينغا , لكن خنوعهم أمام هذه القضايا التي عمرت لسنيين طوال حال دون أن يأبه بهم إذا ما تم ازدراء دينهم مرة أخرى . و أقول أن رسم النبي( ص) هو امتداد للحرب على الإسلام و أن العقبة الأخيرة أمام المشروع المعادي للإسلام هي الشعوب فقط . فأرقى و أسمى ردود الفعل هي التي قامت بها الشعوب المسلمة لمقاطعة المنتجات الفرنسية لكن هذه الحملة الحضارية قوبلت باعتقالات و اعتداءات باشرتها الأجهزة الوطنية في العديد من الدول العربية لكبح هذه الحملة و ثني المواطنين عن الإستمرار فيها ليس دفاعا عن الاقتصاد الوطني بل للدفاع عن الموقف و الحذاء و حتى القمامة الفرنسية , فألم نقل أن العدو الأول للشعوب العربية هي قياداتها و ليست فرنسا ؟
إن ديمومة هذه الأحداث المأساوية المفتلعة و المدبرة التي يراد بها دفع فئة من المسلمين الغير مؤهلين فكريا و غير محصنين ضد الدعاية الزائفة حيث يكونون هدفا سهلا للتغرير بهم و دفعهم إلى ارتكاب جرائم باسم الدين , و الغاية الكبرى الترويج أمام الرأي العام أن المسلمين همجيين و متخلفين لا بتورعون في اجتراح أفضع الجرائم تحت يافطة الإسلام . هكذا إذن صنعت أجهزة الأمن صورة مشينة عن المسلمين في المخيال الشعبي الغربي, ما سيساهم إذا ما استمرت هذه العملية الدعائية المزيفة في الحد من نفوذ المسلمين في سائر مجالات الحياة في الدول الغربية التي يعيشون فيها .
إن الأنظمة الغربية نفسها تخلق إحساسا عاما بعدم الأمن للحفاظ على الأمن القومي للبلد , فحالة اللأمن قناة رصينة للإستتباب الأمن , عطفا على أن المنتخبين الرئاسيين يجعلون من شعار حماية البلد ضد خطر الإسلام و التطرف ورقة انتخابية مهمة . إنها نفس الأحداث التي تكررت مرات عدة حيث يعقب رسم الرسول محمد (ص) و ازدراء الدين الإسلامي هجمات و عنفا لم تستفد الاستخبارات الفرنسية من تجاربه منذ سنة 2006 أو أنها استفادت منه في تحييد المسلمين عن المشهد الإيجابي داخل فرنسا التي يشغل فيها العرب و المسلمون مناصب هامة في البحث العلمي و الطب و الهندسة و الإعلاميات و غيرها.
الأمر الذي يجب أن تدركه فرنسا أن حرية التعبير لا يجب أن تنال من الأديان , و هي نفسها التي حظرت الصحيفة عام 1970 بعد تهكمها على الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول . فهل يعتبر ديغول أفضل من الرسول محمد (ص) ؟ و في المقابل فإن هذه العناصر التي تقتل الأبرياء كما حدث مؤخرا في العاصمة النمساوية فيينا , تخدم الأجندات و المشاريع المعادية للإسلام فقط . إن رد الفعل على هذه الجديلة ليمثل عنفا غير مبررا و قتلا غير مشروعا لا سند و لا مبرر له لأنه يقابل الإساءة بالقتل , فتكون الجريمة الثانية أقبح من الأولى .
فمهما كان الدافع وراء استمرار صحيفة شارلي ايبدو في التهكم على الدين الإسلامي سواء اكان المسوغ حرية تعبير كما درجت على ذلك في خطها التحريري أو خدمة اللوبي الصهيوني و المشاريع المعادية للإسلام إو عملا استخباراتيا خصوصا أننا نستغرب من طريقة تعامل الأجهزة الإستخباراتية الفرنسية مع الحادث سنة 2015 حيث تم الهجوم على مقر الصحيفة و خلف الحادث مقتل 12 شخصا و جرح أخرين , و تبني العملية تنظيم القاعدة في جزيرة العرب , حيث تملك المخابرات سوابق سالفة لم تستفد منها , و كانت تملك خيارات عديدة منها عمليات استباقية كزرع العملاء داخل الصحيفة نفسها و بين العناصر التي ارتكبت الهجوم , و عمليات متزامنة مع الرسم تتمثل في حماية مقر الصحيفة بواسطة عملاء سريين يطوقون المكان المحتمل , و عمليات بعدية من خلال منع الصحيفة من الإستمرار في عملها المخالف لحرية التعبير . لكن يبدو أن الدولة الفرنسية لا تريد الرضوخ لما تسميهم الأصوليون الإسلاميون .
لقد حققت الصحيفة عقب نشرها الصور الكاريكاتورية المسيئة للرسول (ص) شهرة واسعة و سمقت أرقام أسهمها و اكتتابها و في المقابل انخفضت مكانة المسلمين في الداخل الغربي فغدوا بعبعا مخيفا وجب التخلص منه . إن الصحيفة يمكنها تحقيق المبيعات و الشهرة لا بازدراء الدين و لكن بالعمل الجاد , و أتمنى أن تغير من خطها التحريري التهكمي الراديكالي المتطرف و أن تسير على خطى فن شارلي شابلن بلا عنصرية أو ازدراء .

نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني