فيلم «رُقية» حكاية غامضة تتقاطع فيها الذاكرة مع العنف والتطرف

محمد عبيدو
2026 / 10 / 4

اختير الفيلم الجزائري "رُقية" (ROQIA) للمخرج "يانيس قوسيم" لتمثيل الجزائر في سباق جوائز الأوسكار في دورتها التاسعة والتسعين، ضمن فئة "أفضل فيلم روائي دولي"، في خطوة تضع تجربة سينمائية جزائرية تنتمي إلى نوع الرعب النفسي أمام أنظار الجمهور السينمائي العالمي.
ويستند الفيلم إلى حكاية غامضة تتقاطع فيها الذاكرة مع العنف والتطرف والخوف، من خلال سرد يتحرك بين فترتين زمنيتين. ففي أوائل تسعينيات القرن الماضي، يفقد "أحمد" ذاكرته إثر حادث سيارة مروّع، ويعود إلى قريته بوجه مغطى بالضمادات، فلا يتعرف إلى زوجته وأطفاله، بينما يثير مظهره الرعب لدى ابنه الأصغر. وفي الحاضر، يظهر راقٍ مسن يعاني مرض ألزهايمر، فيما يخشى تلميذه أن يؤدي تدهور حالته إلى إطلاق شر قديم.
وتدور أحداث "رُقية" في أجواء مرتبطة بسنوات "العشرية السوداء" في الجزائر، حيث يستعين المخرج بعناصر الرعب النفسي والتلبس وطرد الأرواح بوصفها أدوات فنية للاقتراب من آثار العنف والذاكرة الجماعية. ويؤكد قوسيم أنه لم يختر الرعب بهدف الترفيه، وإنما باعتباره وسيلة لمواجهة الماضي القريب وفهم ما حدث وعدم نسيانه. ويتميز الفيلم بسرد غير خطي ينتقل بين الماضي والحاضر، وشخصيات غامضة وأحداث متداخلة، الأمر الذي يجعل المشاهدة قائمة على بناء الأسئلة أكثر من تقديم إجابات مباشرة. كما يعتمد قوسيم على لغة بصرية مقتصدة، تقوم على الكاميرا المحمولة واللقطات القريبة والإضاءة المحدودة والحوار المختصر، مع حضور محدود للمؤثرات البصرية، مقابل توظيف المكياج والأصوات لبناء الإحساس بالخوف.
وكان "رُقية" قد عُرض للمرة الأولى عالميًا في "أسبوع النقاد" ضمن الدورة الثانية والثمانين لمهرجان البندقية السينمائي عام 2025، قبل أن يواصل جولته في عدد من المهرجانات الدولية. ووفق المعلومات الواردة في المادة، حصل الفيلم على جوائز، من بينها الجائزة الكبرى للفيلم الطويل في مهرجان الجزائر الدولي للسينما، كما نال يانيس قوسيم جائزة أفضل مخرج في مهرجان تسالونيكي السينمائي الدولي.
ويجمع الفيلم نخبة من الممثلين الجزائريين، بينهم علي ناموس، أكرم دجغيم، مصطفى جادجام، هناء منصور، ليديا هاني وعبد الكريم دراجي. وهو إنتاج مشترك بين الجزائر وفرنسا وقطر والسعودية، من إنتاج فارس لادجيمي عن شركة "سوبرنوفا فيلمز"، فيما تولت شركة "ألفا فايوليت" الفرنسية حقوق التوزيع الدولي.
ولا يقدم "رُقية" الرعب بوصفه مجرد وسيلة لإخافة المشاهد، بل يحاول تحويله إلى لغة للتعامل مع ذاكرة جماعية مؤلمة. فالتلبس، في البناء الرمزي للفيلم، يصبح مرتبطًا بفقدان الإنسان لذاته واستسلامه لأفكار الانتقام والكراهية وإقصاء الآخر. وتلتقي القصتان الرئيسيتان عند سؤال الذاكرة: ماذا يحدث عندما يفقد الإنسان ذاكرته؟ وماذا يحدث عندما يحاول مجتمع كامل أن يتجاوز ذاكرة العنف دون مواجهتها؟
الفيلم يظل مثيرًا للتفكير في الطريقة التي يمزج بها بين الرعب والتاريخ والذاكرة. ويأتي اختيار "رُقية" لتمثيل الجزائر في الأوسكار ليمنح الفيلم مسارًا جديدًا في رحلته الدولية، وليسلط الضوء في الوقت نفسه على محاولة السينما الجزائرية توظيف الأنواع السينمائية، ومنها الرعب، في معالجة موضوعات تاريخية واجتماعية شديدة الحساسية. وبذلك، لا يدخل "رُقية" سباق الأوسكار باعتباره فيلم رعب فحسب، وإنما بوصفه تجربة سينمائية تستعيد فترة من الذاكرة الجزائرية عبر عالم من الغموض والخوف، وتطرح سؤالًا مركزيًا: هل يمكن للإنسان أن يتجاوز ماضيه إذا فقد ذاكرته، أم أن ما لم يُواجه يعود دائمًا بأشكال أخرى؟
عرض في اليوم الأخير من لقاءات بجاية السينمائية