التنابز بين المدن العراقية !!

عامر موسى الشيخ
2026 / 10 / 3

كنت إلى وقت قريب ، أصاب بالضجر والانزعاج ، والعصبية والانفعال ، المؤدية إلى حماسة مفرطة تقودني إلى تجاوز أطواق التأدّب اللفظي لمواجهة أي حملة تحاول النيل من مدينتي " السماوة " مثلا ، أو إحدى المدن العراقية الأخرى ، وكنت ومثلي كثير ، ينشطون بالدفاع عن مدنهم ، مواجهين حملات التندر والسخرية التي صار اسمها " تنمر" عن طريق النشر العام ، والرد بالتعليقات على المنشورات الرائجة ، محاولين تبرأة المدن ، وأهاليها مما يلحق بهم من أوصاف وأحكام و أوصام ، تريد النيل منهم ، والتنكيل بهم ، وإثارة الضحك عليهم!.
نعم ، كنت هكذا ، حتى وقعت عيني على كتاب " كتاب البلدان " لمؤلفه : أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، توفي ( 255هـ - 869 م ) ، الصادر عن دار الشؤون الثقافية ببغداد ( 2024) ، تحقيق : الأستاذ الدكتور صالح أحمد العلي ، لينهي عندي هذا الكتاب ، الوعي الزائف بمسألة مواجهة الموجات الساخرة ، والتي لا تُغني ولا تُسمن ، ولا تُفقر ولا تمحو، ولا تؤثر في أي شيء. وهكذا بدا لي الأمر ، وأنا أتصفح فصول هذا الكتاب القيّم ، إذ نقل صاحبنا و سجل ودوّن قبل حوالي( 1193) سنة من الآن موجات التندر اللفظي التي تبدو وكأنها شائعة وأصيلة بين أبناء المدن العراقية سابقا ، وهم يحاولون السخرية من مدن بعضهم البعض ؛ من خلال البحث في أنماط عيش الآخر، وتحويلها إلى سبّة وحطّ ومسخرة!!.
يقول أبو عمرو في فصل من فصول الكتاب ، عما كان يجري على الألسن من معارك كلامية ساخرة بين أهالي البصرة وأهالي بغداد مثلا ، وأن لا ننسى بأنّ الجاحظ بصريّ المولد والنشأة ، يقول : " ثم العجب من أهل بغداد وميلهم معهم ، وعيبهم إيانا في استعمال السماد في أرضنا ولنخلنا : ونحن نراهم يُسّمدون بقولهم بعذرة اليابسة صرفاً ، فاذا طلع وصار له ورق ذروا عليه من ذلك العذرة اليابسة حتى يسكن في خلال ذلك الورق ".
يسجل الجاحظ هنا تعجب البصري من تعجب أهالي بغداد في استعمال البصري لنوع السماد في الزراعة ، وهي إشارة تكشف عن وعي لدى البغدادي بنوع السماد المستعمل بالبصرة والذي أصله فضلات الحيوانات ( السرجين) ، ليسجل البغدادي قرفه من البصري وزرعه وأكله!!.
إلا أنّ الجاحظ يعود ليُشكل على طريقة التسميد لدى أهالي بغداد لبقولياتهم ، التي تُسّمد من " العذرة الياسبة " وهي أجلكم الله فضلات الإنسان المتيبسة !! الذي سوف يُذر – يُرش – على البقوليات !!.
يستكمل الجاحظ حديثه عن طريقة بناء البغدادي لبيته وكيف أنّ مواد البناء مجمعة من الأزبال !! يقول أبو عمرو " وإذا أراد احدهم أن يبني داراً فيجيء إلى مزبلة : فيضرب منها لبناً : فإن كانت داره مطمئنة ذات قعر ، حشا من تلك المزبلة التي لو وجدها أصحاب السماد عندنا لباعوها بالأموال النفيسة ، ثم يسجرون تنانيرهم (بالكساحات) التي فيها من كل شيء {..} وتمتلئ ركايا دورهم عذرة فلا يصيبون لها مكانا فيحفرون لذلك في بيوتهم أبار حتى ربما حفر أحدهم في مجلسه ، وفي أنبل موضع من داره ، فليس يبقى لمن كان كذلك أن يعيب البصريين ".
وهنا يصل أبو عمر إلى ذروة التندر –التنمر- والسخرية والنيل والتنكيل إذ لم يترك شيء له علاقة بالنجاسة إلا وأدخله في دار البغدادي !! ويشير إلى بطر البغدادي عن طريق وصف مخلفاته البيتية ( الزبالة ) بأنها نفسية عند أهل البصرة !! ، ويمكن للقارئ الفطن الحصيف أن يتصور بقية المشهد الذي وصفه الجاحظ عما تضم تلك البيوت !!.
يؤكد لنا الجاحظ (رحمه الله ) بأننا أبناء تلك الأقوام الغابرة ، وليس بالضرورة أن نكون أبناء بالنسب ، بقدر ما نكون أبناء الأنساق المتوارثة ، والثقافة المتأصلة في جسد اللغة اللفظي عند العراقيين ، الذي يعكس عنفا وتعاليا وترفعا عن الآخر القريب ، وما أن ينتبه هذا العراقي إلى أنماط الآخر المختلف عنه ، حتى تنفجر بذاءة اللغة على لسانه محاولا النيل منه !!.
ولكن ما الذي جرى؟ هل اختفت بغداد من الوجود ؟ وهل ضاعت البصرة ؟ لقد اختفى أهل السماد ، وأهل العذرة ، وبقت هذه المدن صامدة وأصيلة وفاعلة في تاريخ الثقافة الإنسانية .
الآن نعود إلى حملات العصر الحديث التي غالبا ما يكون مكانها التواصل الاجتماعي ، ماذا أثرت ؟ ونسأل هل اختفت السماوة ؟ هل اختفت المدن الأخرى مثل الكوت الديوانية ؟ هل اختفى الدليم بوصفهم عرقا تعرضوا إلى تنكيل وسخرية تحت رعاية النظام المباد ، وكذا ينجر الأمر على أبناء كوردستان ؟ ما الذي جرى ، في الحقيقة لم يحدث شيء ، إذن فليقولوا ويتندروا ومن ثم ليذهب الجميع إلى النوم ، ليصبحوا على غد آخر سيجدون بأن بيتوهم على حالها وطعامهم على وضعه ولم يتغير شيء !!.
عيشوا بسلام