|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
سعد محمد مهدي غلام
2026 / 10 / 3
"أَوقفني في التِّيهِ، وقالَ لي:
اِقعُدْ في ثُقبِ الإِبرةِ، لا تبرحْ،
فإِذا دخلَ الخيطُ في الإِبرةِ،
لا تُمسِكهُ..."
النفَّري
أَقعيتُ، وسطَ ثُقبِ الإِبرةِ،
شِمالي: قبوٌ،
يميني: هُوَّةٌ...
شمعُ لِساني، رُضابٌ ساخِنٌ،
نفضتُ فؤادي عنِّي،
فتسوَّمكَ فوقَ عُشبِ الوصيدِ النَّاشِفِ.
نهستْ مخالِبُ شاهينٍ ذهبيٍّ،
طائِرُ عقلي المعتزلِ ،
درزتُ الحُروفَ،
حتَّى أَندرستْ هويَّتي...
لازمني حُلْمٌ شاحِبٌ،
رأَيتُ بومةً باغتها النُّورُ،
ترمُقُني،
كثديٍ مُمتلئٍ بكرزٍ مطبوخٍ،صارت
إذ صقلتُ خُشونةَ الوحدةِ الجارِحةِ،
بمِلحِ الصَّدى الباهِتِ،
اِنخمشَ صدأُ النِّسيانِ،
أَصفرَ كوَجْهِ مسلولٍ،
تعكِسُهُ مِرآةُ العُزلةِ...
فتحتُ صدري،
حشرتُهُ قُربَ الشَّمعةِ الزَّرقاءِ،
الواجِمةِ، المُطفأَةِ، في الرُّكنِ البارِدِ
خُذي عيني، وهمِّلي صُورتَكِ،
اِقتبِسي شفتي، وأَغفِلي قُبلتكِ...
ــ ومضةٌ لامِعةٌ في العَتْمَةِ،
ــ صُورةُ نجمةٍ، على طستِ نُحاسٍ،
: معشوقتي...
قمرٌ أَسودُ، في مِرآةِ الصُّبحِ،
مولاتي...
ثٌقبُ الإِبرةِ: قارِسٌ، ناصِعٌ،
لا رمادَ في صقعِهِ،
لا شُروقٌ، ولا غُروبٌ،
اِرتداني الحُزنُ اللَّزِجُ،
عرَّشتُ كالشَّبحِ،
ثُقبُ الإِبرةِ: نارٌ،
تتميَّزُ كثلجٍ أَسودَ، حارِقٍ
لصيقٌ بي حُزني، كسيرتي،
لسانُ الغيبِ*، نسمُ هبَّةٍ،
بلَّلتني بالتَّبلبُلِ،
فزِعتْ سُنونواتُ الدَّمعِ،
تقطَّرتْ للكأْسِ،
فيضُ وشمٍ، وَجْهُها...
سمِعتُ لسانَ الغيبِ يُناديني،
أَشربْ عصارةَ بُستانِكِ،
ليفرحَكَ الفرجُ...
كأَنَّهُ يقرأُني،
قالَ: لا وصالَ، يا صاحِبَ، لمنْ لا قلبَ، ولا عقلَ له ...
ولكِنَّكَ، ستُصيبُ نشوةَ العِناقِ،
لو ثمِلتَ...
مناقيرُ الرِّيحِ، تلتقِطُ سنابِلَ جسدي،
كغيمةٍ، تُندِفُها أَنفاسُ الشَّوقِ،
تبدَّدْتُ سرابًا سمتيًّا،
وراءَ أُفُقِ الحدثِ،
سبخَ جسدي؛
ذرٌّ، هشيمُ فَرَاشاتٍ،
مُحترِقةٍ،
مغسولةٍ بشغفِ شمعةِ صدري الخاوي،
تنهَّدتْ في الأَرجاءِ،
وحشةُ زفراتِ قُرنفُلةٍ بنفسجيَّةٍ،
زكِمتْ، فتجعَّدتْ، كطحالِبَ يابِسةٍ،
فوقَ بُركةٍ راكِدةٍ...
دخلتُ النَّومَ،
موجوعًا،
تغُصُّ رِئتي بدُخانِ الغيابِ
ثُقبُ الإِبرةِ،
صير بابِ الهُوَ،
المُكوثُ هُناكَ: اِمتِحانٌ،
لحاقُ العقلِ: مِحنةٌ،
القبضُ على القلبِ: مِحنةٌ...
طالما كُنتُ في ثُقبِ الإِبرةِ،
في ثُقبِ الإِبرةِ،
يلِجُ اللَّيْلُ النَّهارَ،
ويلبسُ النَّهارُ اللَّيلَ...
وثبتُ، من نفسي لنفسٍ بنفسي،
لأَمسكَ أَذيالَ حِجابِ الطَّيفِ،
اِكتسيتُ بضبابٍ مالِحٍ،
سمِعتُ لسانَ الغيبِ يقولُ:
للتَّوِّ، وصلتَ، يا صاحِبَ، لجلوةِ الثَّملِ،
فتمتَّعْ، يا صاحِبَ، بالوِصالِ،
هُنا، لا تهاويمَ غُباشٍ...
*لسانُ الغيبِ:
لقبٌ يُطلقُ على حافِظِ شيرازي (وهو شمس الدين محمد حافظ الشيرازي الملقب بخواجه حافظ الشيرازي والشهير بلسان الغيب وهو من أشهر الشعراء الغنائيين في إيران .ولد ومات في شيراز . لقب بحافظ لحفظه القرآن بقراءاته الأربع عشرة. ذكره معظم المؤرخين وعرف بميوله الصوفية .كتب أشعاره بالفارسية والعربية وقد تُرجمت أشعاره إلى لغات متعددة )
، ويُستخدمُ هُنا بمعنًى صوفيٍّ ومعجميٍّ