ماهي نظرية أم القرى الإيرانية

محمد علي العامري
2026 / 10 / 3

الحلقة الثالثة : ماهي نظرية أم القرى الإيرانية ؟
الجذور التأسيسية لإستراتيجية الأمن القومي الإيراني
قبل شهرين كتبت مقالاً بعنوان ( العراق يمشي على حبل مشدود بين واشنطن وطهران ) تطرقت فيه لمحنة العراق بين هذين القطبين ، وكيف ساهما في تهميش الدولة العراقية ، وكيف تعمدت الولايات المتحدة بشبه إنهيار الدولة . واليوم سأتطرق إلى أخطر المشاريع التي لا تقل فداحتها وخطورتها عن المشروع الأمريكي في العراق والمنطقة .
وإبتداءً من هذه الحلقة سأبدأ بنشر دراسة تحليلية لكتاب ( مقولات في الإستراتيجية الوطنية ) الذي أخذ أسم ( نظرية أم القرى الإيرانية ) لكبير مستشاري الخميني محمد جواد لاريجاني .
عند قراءة الفكر الإستراتيجي لمعمار أو مهندس السياسة الخارجية الإيرانية ومصمم أبعادها النظرية ، محمد جواد لاريجاني ، في كتابه الآنف الذكر الذي صدر عام 1984 ، نجد أننا لسنا أمام رؤية سياسية عابرة ، بل أما عقيدة إستراتيجية متكاملة تهدف إلى إعادة تعريف مفهوم " الدولة – الأمة " ضمن الإطار الأيديولوجي العابر للحدود .
1 – المنطق النظري : التوافق بين الجغرافية السياسية والأيديولوجيا
هنا يسعى لاريجاني إلى صياغة تجمع بين متطلبات الدولة الحديثة ومصلحتها القومية ، وبين البعث الأيديولوجي عابر الحدود في هذه المعادلة :
• - الدولة المركز : تُعتبر إيران القيادة والمركز الذي تتداخل فيه سلامة الأمة الإسلامية مع سلامة النظام السياسي القائم .
• الأولوية المطلقة : تكتسب حماية " أم القرى " والحفاظ على إستقرارها ومكانتها الإقليمية أولوية تتجاوز أي مصلحة فرعية أخرى ، بإعتبار أن إنهيار المركز يعني إنهيار المشروع بأكمله .
2 – مفهوم الأبعاد الجيوسياسية والتمدد الإقليمي
وفقاً لمنطق النظرية ، فإن الأمن القومي الإيراني لا يُرسم عند حدود البلاد الجغرافية ، بل يمتد ليرسم ما يُعرف بـ " المحيط الإستراتيجي " :
• - يتحول المجال الحيوي الإقليمي إلى خطوط دفاع لحماية الدولة – المركز .
• الإستفادة من التناقضات الإقليمية والدولية لبناء أدوات نفوذ ضاغطة تضمن عدم نقل الصراع إلى داخل الحدود الإيرانية .
• السعي لتفكيك الدول التي ستكون تابعة للمركز ، وتهميش نظام الحكم فيها عن طريق تكوين كيانات سياسية مدعومة بميليشيات مسلحة ، لتكون البديل العملي عن السلطة المركزية . ( وهذا ما حصل فعلاً في العراق ولبنان ) لقد رأينا كيف يتعامل كبار المسؤولين الإيرانيين أثناء زيارتهم للعراق ، بتهميش وإهمال السلطة الرسمية ، ويُختصر التعامل أولاً مع قيادات الكيانات الفرعية والميليشيات المسلحة .
3 – الإشكالية المركزية : السيادة الوطنية أم المشروع العابر للحدود ؟
تطرح " نظرية أم القرى " إشكالية عميقة ومباشرة في علاقات إيران الإقليمية ومفهوم الدولة الوطنية :
• - على المستوى الداخلي : سخرت النظرية الموارد القومية للدولة لدعم أهداف إستراتيجية عابرة للحدود .
• على المستوى الإقليمي : أوجدت حالة دائمية من التوتر مع محيطها الإقليمي والعربي ، لأنها تنظر إلى حدود الدول المجاورة ومفهوم السيادة الوطنية عبر منظار الوصاية الأيديولوجية والمجال الحيوي للمركز ، وليس من منظار كدول مستقلة ذات سيادة .
خلاصة الحلقة : تُمثل نظرية " أم القرى " البوصلة التي وجهت السياسة الخارجية الإيرانية لعقود ، فهي المبرر الفلسفي والإستراتيجي لتقديم مصلحة النظام والدولة المركزية كأولوية قصوى ، وإستخدام النفوذ الإقليمي كأداة لحماية هذه المصلحة ، والسعي لجعل العراق ودول المنطقة كسياج وسور أمني لحماية المركز - إيران .
ملاحظة : نظرية أم القرى الإيرانية تتمحور حول إستراتيجية إيران لتحويل مركز العالم ألإسلامي من مكة التي هي أم القرى حسب ما جاء في القرآن ( وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتُنذر أم القرى ومن حولها – سورة الشورى ) ، إلى مدينة قم لتكون إيران هي المركز الإسلامي .
( في الحلقة القادمة : كيف ترجم لاريجاني نظرية " أم القرى " إلى أدوات نفوذ وهندسة التحالفات الإقليمية )
محمـد علـي العامـري
3 أكتوبر 2026