|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
نورالدين حنيف
2026 / 10 / 3
حدد الفيلسوف الإنجليزي ( توماس هوبز ) ماهية الصراخ أو الصخب في غياب اللغة، و ما هذا الغياب إلّا اختفاء للمعنى، لأن الصوت عندما يمتد في صائت طويل يستدعي توقّف انسياب الجملة و توقّف موسيقاها في آن واحد، لأن الصوت الصاخب يعطّل الكلام و يلغيه مؤقّتا حتى يتوقف الصراخ.
نحتاج في هذا السياق إلى الصراخ لأنه يعبّر عن بعض المعنى أكثر من تعبير اللغة. و لكننا لا نتصوّر متناً مصُوغاً بالصراخ أو بالصخب وحده، إذ لابد للغة أن تتجلّى، و في تجلّيها قد تكون صاخبة و قد تكون هامسة.
نكاد نُجمعُ على أن الصخب حدد كثيراً من مقولاتنا و من سلوكاتنا، و حتى كتاباتنا التي ينطوي بعضها على نزوع غير مفهوم لممارسة الصخب.
لقد وُلدنا في الصخب، و كان أول تحاور لنا مع الوجود صوتا صارِخا، واحتُفِل بعقيقتنا في الصّخب، و كان ختاننا بالصخب، و تمّ تزويجُنا في الصخب، و في موتنا يكون الصخب سيد الموقف... بل كل طقوسنا الاحتفالية صاخبة.
فكيف لا تتأسى كتاباتنا بهذا الصخب، سواء في ظاهرها أو في باطنها؟ وكيف لا تستبطنه، وعياً و في لا وعيٍ منها؟ و كيف لا يخالط شغاف قلبها فيحتل منها السويداء و أكثر؟ و كيف لها و لو حاولت أن تعيَ ذاتها خارج شرطه أن تتخلّص منه الخلاص المبين؟ و هل هو النسغُ يجري في عروقها أم هو القدر الغابر في تكوينها ؟...
أسئلة شتّى، تطرح ذاتها بإلحاح شديد، و لا تهمنا الإجابات مادامت متعددة ومختلفة من منظورات أكثر تعددا و أشد اختلافا، و هي القمينة بتقديم الإجابات الشافية الكافية مادامت تصدر من تجارب جواينة لا من اطّلاعات قشورية و برّانية.
و المهم في هذا هو السؤال عن بديل الصخب، و هو بديل الهمس، الذي ينقص كتاباتنا بشكل ملفت. و يغيب عنها و هو القمين بتحويل مجرى ماء الكتابة تحويلات جذرية نافعة واعدة بالريّ و السقيا الحسنة.
قريباً من اجتهادات الناقد محمد مندور حول نظرية الهمس في الأدب، والتي تقوم على التعبير الصادق عن دواخل النفس البشرية عبر آليات الطبيعة والأساطير وأحداث التاريخ... نقول إن كتابة الهمس – من منظورنا المتواضع – هي الكتابة التي تسعى باستمرار إلى التوغل في وجدان الآخر دون ضجيج:
- عنف التفوق : كتابة الهمس تلغي من اعتبارها الآخر كمنافس ينبغي التفوق عليه، إذ لا توجد في الإبداع كتابةٌ أولمبية تروم اعتلاء قمم المنصات، و من ثمّة فكتابة التفوق هي كتابة مشروطة، و كل كتابة مشروطة يكون رصيدها من الحرية ناقصا، و الحرية هي شرط الهمس كما هي شرط الصخب. إن اقوى منافس يمكن أن اتفوق عليه في الكتابة هو ذاتي نفسها، فالعدّاء الذي يريد تحطيم الرقم القياسي الموضوعي لا يريد في الحقيقة إلا تحطيم قياس قوّته ذاتها في ذاته هو... فينا دائما شخص يركض أمامنا حتى و لو كنّا مصنّفين في العدو في الرتبات الأولى. أما أن أقيس كتاباتي بتفوّق غيري و أضعه نصب عينيّ معيارا للإبداع، فهذا ما اسميه عنف التفوّق الذي قد يؤدي بالكتابة إلى مزالق أخرى لا ترتبط بالإبداع البتّة.
الهمس هو أن أكتب خارج أي شرط من شروط العنف كيفما كان هذا العنف. و قد يقول قائل إن شرط الصراع مسألة إيجابية، أقول نعم، لكنّها نسبية. و هي لا تُفهم في سياق الصخب، فقد يكون هذا الصراع كامنا وهادئا و هامسا و ناعما أيضا. و قد يكون مع الغير و قد يكون مع الآخر، و في كلٍّ، هو صراع يقوم على الجدل الباني لفعل الكتابة لا المثبّط لانطلاقاتها الهامسة.
- حتمية الإقلاع: كتابة الهمس هي إقلاعٌ بمفهومين، الأول ديني يفيد الإقلاع عن عاداتٍ تشدّ الكتابة إلى الأرض و الحضيض و التكرار والشبه. و هذا لعمري ينتشر في أوساطنا المثقفة التي تحب أن تكرر ذواتٍ أخرى غير ذواتها الأصيلة، و أدلّ نموذج على هذا النوع هو الكتابات السارقةُ لا الكتابات المتناصّة... من هنا يفيدنا الهمس توبةً نصوحا من هذا المألوف الذي ليس لنا. و الثاني إقلاع بمعنى الانطلاق و الارتفاع معاً، في اتجاه سماوات الإدهاش. فكل كتابة ٍ هامسة هي ارتقاء بالمفردة و بالتركيب وبالمعنى و بالدلالة و بالبعد و بالرمز و غير ذلك من مكونات الإبداع، إلى الأجود و الأحسن و الأدهش. القارئ اليوم مزورٌّ كثيرا عن قراءة المتشابه و المتكرر، لأنه يريد من المبدع أن يهمس في أذنه شيئا جديداً قادرا على زوبعة كيانه المريض بالفراغ و الخواء و قادرا على أن يحدث بهمسه فيه تلك الرجّات المرجوّة و التي تعيد في المرء سؤال المساءلة و تعيد فيه رفض الماء الراكد. الهمسُ هو ذلك الحجر الصغير الذي تلقيه على صفحة النهر الراكدة فتحدث فيه دوائر صغرى تكبر و تكبر حتى نهاية مديات النهر. الكتابات الهامسة هي تلكم الحجرات الصغيرة التي في أيدينا و التي لا نعرف كيف نرمي بها، و أين نرمي بها، مع العلم أنها على ضآلة حجمها قادرة على تغيير وجه النهر.
- حتمية التغيي: من هنا تكون الكتابة الهامسة مشروع تغيير كبير، تستبطن قدرة على التأثير، و هنا أستحضر مثلا شعبيا مغربياً يقول (دُوز على الواد الهرهوري لا ادّوز على الواد السكّوتي) و معناه (مُرَّ بالوادي الصاخب و لا تمُرَّ بالوادي الهادئ) و هو مثل يفيد قوة الصمت و قوة الهمس المبطنة بالمغامرة و اختزان الخطورة. لم تكن كتابة الهمس في منظورنا بتاتا تفيد ضعفا أو تسليما أو خضوعا، إنها عكس ذلك تماما. و مادام عالم الكتابة يشبه ذلك السلم العالي و الطويل فإن الركض فيه لبلوغ الأعالي و قمم الدرجات يكون فعلاً متهوّراً لا فعلاً سالكا، لكن التريت عبر الخطو الذكي و الهامس يكون حريا بتقليب المدارج تبعا لإرادة الذات و رغبتها في الوصول. إن عمليات التغيير في مدارج السالكين في مجال الكتابة يبدأ من اعتبار المدرج الأول على بساطته و تفاهته، لأنه يعلمنا أن البدايات دروس قيّمة، و كل من يحرق البدايات بغية الوصول السريع يكون تغييره في حساسيات وجوده تغييرا مشوبا بالخطل و العطب في منهج التدرج.
و مادام هذا الماحول متناقضا و مفارقا و صادما و شرسا في الآن نفسه، فإن الكتابة الصاخبة لا تفيد في مقاومته، أو في تغييره، لأننا جربناها عبر أجيال و أجيال، و سواء تعلّق الأمر بالهمس في الكتابات الحالمة أو الهاربة أو المنزوية أو الرافضة أو المتمرّدة أو أي نوع آخر، ينبغي أن يكون رصيد الهمس فيها حاضرا لأنه أكثر تجذرا في نسغ الموضوع و أكثر تأثيرا فيه و أكثر إحراجا له .
الكتابة الهامسة ليست هي الضوء الذي نراه، إنه نتيجة لها فقط، الكتابة الهامسة هي تلكم الأسلاك الكهربائية الخفية التي لا نراها و لكن نرى أثرها. من هنا أقول لك يا صديقي الكاتب، و يا صديقتي الكاتبة : اهمس في أذني و لا تصرخ ، فلن أسمع صخبك و سأكون سامعا شديدا لهمسك.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |