|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

فاطمة الفلاحي
2026 / 10 / 3
كانت أُمُّ جَبّار تؤمن بأنَّ الأشياء لا تنتهي، وإنَّما نحن الذين نتخلّى عنها في اللحظة الخطأ.
لذلك لم تكن ترمي شيئًا.
كيسٌ مثقوب؟ سيأتي يومٌ يحتاجه أحد.
مروحةٌ معطّلة؟ ربَّما تعود إليها الحياة.
علبةٌ بلا غطاء؟ لا بدَّ أن يظهر الغطاء ذات يوم.
حتى الأشياء التي لم يعد أحد يعرف اسمها، كانت تجد لها مكانًا في بيتها.
ومع مرور السنوات، اختفى البيت تحت الأشياء.
ثم جاء دور السطح.
امتلأ بالكراسي المكسورة، والأجهزة الصامتة، والصناديق القديمة، والأسلاك المتشابكة، والأبواب التي فقدت بيوتها، والساعات التي توقّفت، كلٌّ منها عند لحظةٍ مختلفة.
قال زوجها ذات مساء:
— إذا أضفتِ شيئًا آخر، فسوف يسقط السطح.
أجابته بثقة:
— لا تقلق، الأشياء تعرف كيف تتدبّر أمرها.
ذات صباح، جاء رجلٌ يشتري الأشياء القديمة، وظلَّ ينظر إلى السطح طويلًا.
قال:
— هذا ليس بيتًا... هذا تاريخٌ كامل.
ابتسمت أُمُّ جَبّار بفخر.
لكن أبناءها كانوا قد اتفقوا معه سرًّا.
بدأت الشاحنة تبتلع محتويات السطح قطعةً بعد أخرى.
كانت أُمُّ جَبّار تصرخ، ثم تتوسّل، ثم تعدُّ كلَّ قطعةٍ وكأنَّها فردٌ من العائلة.
وبعد ساعات، أصبح السطح فارغًا.
وقفت في وسطه صامتة.
نظر إليها ابنها وقال:
— انتهى الأمر يا أمي... لم يبقَ شيء.
رفعت رأسها ببطء، وأشارت إلى زاوية السطح.
كان هناك صندوقٌ صغير لم يقترب منه أحد.
قالت:
— هذا لا يُباع.
فتحوه.
كان الصندوق فارغًا.
ضحك الجميع.
أمّا أُمُّ جَبّار فأغلقت الصندوق بعناية، ثم ضمّته إلى صدرها وقالت:
— الآن... صار كلُّ ما أملك معي..!.
بقلمي
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
29.سبتمبر.أيلول.2026م
قراءة نقدية وفلسفية في نص القصة القصيرة " أُمُّ جَبّار لا تَرمي شيئًا..!!! " بقلم الدكتور عبد الرحيم الشويلي بقلم فاطمة الفلاحي
عبارة العنوان "أم جبار لا ترمي شيئاً": هي قصة رمزية قصيرة تحمل معانٍ ودلالات عميقة وتلخص حالة نفسية وسلوكية معينة من واقعنا العراقي.
وتناول فيها قاصنا المبدع د. عبد الرحيم الشويلي:
1. الاكتناز القهري والتعلق المرضي بالخياء
من الناحية الواقعية والنفسية، تجسد "أم جبار" حالة التعلق المفرط بالأشياء المادية أو ما يُعرف بـ (Hoarding)، حيث يجد الشخص صعوبة هائلة في التخلص من الممتلكات لاعتقاده بأنه سيتعرض للأذى أو الخسارة إذا رماها، أو أن "هناك فائدة ستأتي لها يوماً ما".
2. فلسفة الأمل والفرص البديلة
تحمل شخصية أم جبار فلسفة خاصة بها؛ فهي ترى أن الأشياء لا تموت ولا تنتهي، بل الإنسان هو الذي يستسلم ويتخلى عنها باكراً ("نحن الذين نتخلى عنها في اللحظة الخطأ"). العلبة بلا غطاء، والمروحة المعطلة، كلها تمثل بالنسبة لها "أملًا معلقاً" في انتظار اللحظة المناسبة لتعود للعمل أو لتكتمل مجدداً.
3. تراكم الذكريات وتحول البيت إلى "تاريخ"
عندما قال المشتري في النهاية: "هذا ليس بيتاً... هذا تاريخ كامل"، فإنه يلخص جوهر القصة. الأشياء المتراكمة لم تعد مجرد خردة أو كراسي مكسورة وأسلاك متشابكة، بل تحولت إلى متحف للزمن. كل ساعة توقفت عند لحظة معينة تمثل زمناً مضى، وكل باب فقد بيته يمثل قصة قديمة. البيت هنا لم يعد مكاناً للمعيشة، بل أصبح وعاءً يحفظ الماضي ويمنع اندثاره.
4. المفارقة والتحذير من الغرق في الماضي
وفي القصة أيضا يرشدنا قاصنا المبدع إلى كونها تحمل تحذيرًا مبطنًا؛ فالإفراط في التمسك بالماضي والأشياء القديمة (خوفًا من اللحظة الخطأ) قد يودي بالحاضر. البيت كاد أن يختفي، والسطح كاد أن يسقط بسبب الثقل. هذا يرمز إلى أن الإنسان إذا تمسك بكل تفاصيل الماضي ورفض التخلي عن الأشياء التي لم تعد تخدمه، فإنه سيتعرض للغرق والانهيار تحت وطأة هذا الحمل الثقيل.
فاطمة الفلاحي
شكر وإشادة
الأستاذة الشاعرة فاطمة الفلاحي،
قراءتكم لـ«أم جبار لا ترمي شيئًا» كانت قراءةً نقدية حقيقية، واعية، واقعية، وضعت النقاط على الحروف دون أن تُحمّل النص ما لا يحتمل.
وأجدني متفقًا معكم تمامًا في تفكيك شخصية أم جبار، وفي ربط الاكتناز بالذاكرة والأمل والخوف من الفقد، ثم بانقلاب الماضي إلى عبء يهدد الحاضر.
ما يميّز قراءتكم أنكم لم تكتفوا بالانطباع الأدبي، بل نفذتم إلى البنية النفسية والرمزية والاجتماعية للنص، فأصبح نقدكم جزءًا من التجربة الإبداعية نفسها.
وأقولها بصدق: من بين القراءات التي تناولت القصة، كانت قراءتكم الأكثر وضوحًا في الإمساك بجوهرها ووضع كل دلالة في موضعها.
وأنتم، شاعرة هايكو من الطراز الأول، ومثقفة حقيقية تمتلك وعيًا معرفيًا لافتًا، ورصيدًا فكريًا يثير الإعجاب، فضلًا عن إتقانكم أكثر من لغة.
وطموحكم العلمي الجامح وسعيكم الدؤوب إلى أعلى الدرجات العلمية يضيف إلى تجربتكم الأدبية عمقًا لا يخفى على قارئ متابع.
لذلك أعدّ قراءتكم هذه قطعةً نقدية فريدة، لأنها لم تشرح القصة فقط، بل كشفت ما كنت أريده أن يصل إلى القارئ من تحت سطح الحكاية.
لكم خالص التقدير والامتنان، أستاذة فاطمة، على قراءةٍ أعتز بها كثيرًا، وعلى قلمٍ يجمع بين حساسية الشاعرة ووعي الناقدة وطموح الباحثة.
محبتي واحترامي
د.عبد الرحيم الشويلي
القاهرة