هل ينجح اليسار السوري في بناء «كتلة تاريخية» لسورية الجديدة؟

ضيا اسكندر
2026 / 10 / 3

تتحرك الأحزاب الشيوعية واليسارية في دمشق اليوم وسط تحولات كبرى تشهدها الجغرافيا السياسية السورية، بالتزامن مع إعادة رسم ملامح المشهد الجديد في ظل سلطة الأمر الواقع التي يقودها أحمد الشرع. وفي هذا السياق، عقد ممثلون عن حزب العمل الشيوعي، والحزب الشيوعي السوري الموحد، والحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، والحزب اليساري الكردي، وحزب الإرادة الشعبية اجتماعهم الأول في 17 أيلول/سبتمبر 2026، ثم اجتماعهم الثاني في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2026.

وتعكس هذه الاجتماعات رغبة هذه القوى في تعزيز حضورها السياسي والمشاركة في رسم ملامح المرحلة المقبلة. ويبدو أن الهدف يتجه نحو بناء إطار جبهوي مرن، يتيح للقوى المدنية تنسيق مواقفها والمساهمة في النقاشات المتعلقة بالمرحلة الانتقالية والقرارات المصيرية التي تواجه البلاد.

عتب رفاقي لـ«جماعة بكداش»: التاريخ يتطلب الشراكة

إن غياب الحزب الشيوعي السوري (جناح بكداش) عن طاولة التنسيق يترك غصة وعتباً رفاقياً حاراً. ففي هذه اللحظة السورية الفارقة، حيث تُعاد صياغة ملامح البلاد وسط متغيرات عميقة، لم يعد التمسك بالتصلب العقائدي أو الاحتماء بخصوصية التمايز التاريخي ترفاً يمكن أن يخدم القضية الوطنية.

إن الانكفاء ومقاطعة جهود العمل المشترك لا يحميان بالضرورة النقاء الفكري، وقد يؤديان إلى عزل تيار عريق عن مجرى الأحداث. فالتاريخ لا ينتظر طويلاً أولئك الذين يختارون البقاء على الرصيف بينما تُرسم ملامح سورية الجديدة.

مخاطر التشرذم والحاجة إلى رص الصفوف

تهدد حالة التشتت بين القوى المدنية والسياسية بإضعاف قدرتها على التأثير في مستقبل الدولة والمجتمع السوري، في وقت تواجه فيه فكرة «سورية المدنية الديمقراطية» وجودياً داهماً؛ فسلطة الأمر الواقع الحالية تسابق الزمن لإحكام قبضتها الحديدية على مؤسسات الدولة ومفاصل القرار، ساعية إلى حصر الصلاحيات السياسية والأمنية في مركز أحادي مستبد، وفرض رؤيتها العقائدية على مجتمع سوري شديد التنوع بطبعه وأفكاره.

وتدرك الأطراف المجتمعة أن الذوبان في «حزب واحد» ليس حلاً واقعياً، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن العمل منفردة في مواجهة سلطة الأمر الواقع، يضعف قدرتها على المواجهة السياسية، ويفتح الطريق أمام مزيد من الاستئثار وتهميش القوى والمكونات التي لا تنضوي تحت رؤيتها.

المطلوب، إذاً، ليس إلغاء التعدد أو صهر القوى المختلفة في إطار واحد، وإنما تحويل الاختلاف إلى مصدر قوة، وبناء حد أدنى مشترك يتيح لهذه القوى الدفاع عن الدولة المدنية والديمقراطية، وعن حقوق المواطنين وحرياتهم، ومواجهة مشروع الهيمنة السياسية والمركزية المفرطة، ومنع إعادة إنتاج الديكتاتورية تحت أي مسمى أو راية.

نحو جبهة وطنية عريضة تتسع للجميع

إن الرهان الحقيقي لنجاح هذه المساعي يكمن في قدرة العائلة الشيوعية واليسارية على تحويل لقاءاتها إلى نواة صلبة وجاذبة تتسع لـ "كتلة تاريخية" عريضة تتجاوز الأطر الأيديولوجية الضيقة.

جبهة تفتح أبوابها أمام القوى والشخصيات الوطنية، والتكتلات الليبرالية، والتيارات المدنية، وجميع المؤمنين ببناء سورية ديمقراطية، علمانية، قوية، مزدهرة وعادلة؛ سورية تتسع لجميع أبنائها على قاعدة المواطنة المتساوية وسيادة القانون، لا سورية المُنقادة لإرادة أمير حرب أو فصيل مسلّح.

فإذا استطاعت هذه القوى أن تتجاوز خلافاتها التاريخية، وأن تنتقل من التنسيق الظرفي إلى بناء مشروع سياسي مشترك، فقد تكون قد خطت خطوة أولى نحو صياغة «كتلة تاريخية» سورية قادرة على مواجهة الاستئثار بالقرار، والدفاع عن التعددية، وفتح الطريق أمام دولة سورية جديدة تقوم على الشراكة لا الهيمنة الفئوية.

أما إذا بقيت أسيرة التشرذم والحسابات القديمة، فقد تفوّت فرصة نادرة للمشاركة في تشكيل مستقبل البلاد، في وقت يجري فيه رسم هذا المستقبل بعيداً عن قوى سياسية ومدنية واسعة لا تزال تبحث عن موقعها في سورية ما بعد الأسد.