ثلاث حركات سينمائية. د. علاء العبادي

مقداد مسعود
2026 / 10 / 3

ثلاث حركات سينمائية في (خطبة ُ عصفور)
د. علاء العبادي
(خطبة ُ عصفورٍ) هذا نص لا يُقرأ، هذا نصٌ يرى ومقداد مسعود ابن البصرة المولود عام 1954 والبادئ النشر منتصف السبعينات في بيت كانت الكتب فيه أكثر من الأثاث.
هو متخصص بهذا النوع من القصيدة الومضة التي تقول تاريخا في 11 سطراً.
عنوان النص(خطبة ُ عصفورٍ) ساخر وجاد معاً. العصفور في المخيال يزقزق، لا يخطب. والخطبة فعل سلطة وجمهور. أن تضع العصفور على الأسلاك ليخطب، فأنت تضع الشاعر نفسه، المثقف الهش، فوق بنية حديثة باردة قابلة للسقوط. الأسلاك ليست غصناً. هي حداثة معلقة: مدينة وكهرباء وحدود.
يبني مقداد مسعود نصهً على ثلاث حركات سينمائية:
الحركة الأولى: عصفورٌ يدعو الصحراء إلى الأعشاب والعميان إلى النور. هذه دعوة مستحيلة، نبوية، قرآنية النبرة، تُذكر بقوله ِ تعالى (يخرجهم من الظلمات إلى النور) هذا هو الحلم الطوباي العراقي القديم.
الحركة الثانية: اغتاظت منه الرشاشة. هذه الجملة وحدها درس في السخرية. بتحويل الرشاشة إلى كائن يغتاظ ويسعل، يحقرها الشاعر. سعلت سعلتها النارية. العنف ليس بطولة، هو مرض صدري، سعال قبيح.
الحركة الثالثة: سقط طفل فوق الوردة البيضاء صارت حمراء
. هنا يتكشف كل شيء. النص لا يقول استشهد، يقول سقط. والسقوط فوق وردة بيضاء يحول الوردة البيضاء إلى دم دون أن يذكر كلمة دم. الوردة هي العراق، هي البراءة، هي الكفن الأبيض. اللون الأحمر ليس زينة، هو ثمن. ثم تأتي الخاتمة / الرافعة التي ترفع النص من سياسي مباشر إلى شعري خالص
: أستروحها الأعمى
فرأى الدنيا
ثوباً أخضر
بثقوب سوداء.
وهذه الخاتمة عبقرية لأن الشاعر يرتكب انزياحاً حسياً
مزدوجاً. الأعمى لا يشم عادة ليرى، لكنه هنا (يستروح)
فعل نادر وجميل. يشم الرائحة بعمق الروح. وما يراه ليس نوراً كما وعدهُ العصفور في البداية. ما يراه الأعمى هو الواقع بعد الدم: ثوب أخضر بثقوب سوداء.
الثقوب السوداء هي ثقوب الرصاص. هي السواد في الثوب.
هي الخيبة في الحلم. العميان لم يروا النور، رأوا الحقيقة.
وهذه هي قسوة مقداد الذي يعطيك معجزةً مجانية ً
(خطبة ُ عصفور) نص بصري بامتياز، يصلح أن يُلقى في دقيقة وأن يبقى في الذاكرة لسنوات. هو خطبة عصفور فعلا، قصيرة، على سلك عار. ويمكن أن تقتلك عليها رشاشة، لكن رائحتها ستجعل الأعمى يرى.




خطبة ُ عصفورٍ
مقداد مسعود
على الأسلاكِ يخطبُ عصفورْ
يدعو الصحراءَ
إلى الأعشابْ
والعميان إلى النورْ
اغتاظت منه ُ الرشاشة ْ
سعلتْ سعلتها النارية ْ
سقطَ طفلٌ
فوق الوردة البيضاءْ
صارت حمراءْ
أستروحها الأعمى
فرأى الدنيا
ثوباً أخضر
بثقوب سوداء.