|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
كاظم حسن سعيد
2026 / 9 / 3
تقتضي الدراسة الأدبية المعاصرة إعادة النظر في كيفية تشكل المعنى وتحوله عبر الزمن. لم يعد المفهوم البلاغي المعقد يقتصر على ملاحظة ذوقية أو انطباع نقد فردي، بل تحوّل، بفضل السرديات الكمية والأنساق الحوسبية، إلى مسار بيانات قابل للقياس والتتبع الإحصائي عبر عقود وقرون. يستفيد هذا المنهج بشكل أساسي من دراسة تطور المجاز ونمو المفردات واختفائها عبر الزمان، محولاً النص الأدبي من مدونة مغلقة إلى بيئة ديناميكية متغيرة.
. تتبع تطور المجاز كمياً
تعتمد السرديات الكمية في رصد حركة الاستعارة وتطور المجاز على تقنيات الذكاء الاصطناعي والمعالجة اللغوية للحاسوب، وعلى رأسها نموذج التضمين الكلمي؛ حيث تُترجم كل كلمة إلى متجه رياضي في مجال متعدد الأبعاد يُحدد معناها بناءً على درجة مجاورتها واقترانها بالكلمات الأخرى.
قياس الانزياح الدلالي: يُقاس التحول في المعنى عبر المسافة الرياضية بين الكلمة وسياقات اقترانها عبر العقود. فعندما تبدأ كلمة ذات مدلول مادي حسّي (مثل: العمى، الجسد، الظلال) بالظهور الإحصائي المتكرر بجانب كلمات تجريدية (مثل: الإيديولوجيا، النص، الزمان)، ترصد الخوارزميات لحظة التوليد المجازي والانزياح الاستعاري بدقة إحصائية متناهية.
موت المجاز وتحوله إلى حقيقة: تستطيع البرمجيات رصد اللحظة التي يفقد فيها المجاز شحنته الجمالية البكر وينزل إلى مستوى الاستعمال اليومي الرتيب (وهو ما يُعرف في اللسانيات المعرفية بالـ "مجازات الميتة" أو المجانسة الدلالية). ويحدث هذا حين يتساوى التوزيع الإحصائي لاقتران الكلمة بالمعنى المجازي مع اقترانها بالمعنى الأصلي، مما يعني أن الاستعارة تكلست وتحولت إلى استهلاك لغوي قارّ وتسمية اصطلاحية مباشرة.
نماذج تطبيقية لموت المجاز وتحوله إلى حقيقة
في السرديات الكمية واللسانيات الحاسوبية، يُقاس تغير "الجيرة الدلالية" للكلمة عبر العقود والقرون لرصد كيفية تحول المجاز إلى حقيقة اصطلاحية تُسجَّل في المعاجم بوصفها المعنى المباشر:
النموذج التكنولوجي ("فأرة الحواسيب"):
الأصل (مجاز استعاري): عندما اخترع "دوجلاس إنجلبارت" أداة التحكم في الحاسوب عام 1965، أطلق عليها الاسم استناداً إلى مجاز بصري (جسم صغير يخرج منه سلك يشبه ذيل الفأر). في البداية، كان الذهن يستحضر صورة الحيوان ليقاررب المعنى.
التحول كمياً وتداولياً: مع المليارات من الاستخدامات الإحصائية، انقطعت الصلة الدلالية بين الأداة والحيوان. واليوم، عند استخدام الكلمة في سياق تقني، يتجه الوعي حقيقة ومباشرة إلى الأداة الإلكترونية دون المرور بالصورة الذهنية للقارض، مما يعني تحول المجاز إلى حقيقة اصطلاحية صلبة.
النموذج المعرفي ("أرجل الطاولة" و"عنق الزجاجة"):
الأصل (مجاز تشخيصي): إسقاط أعضاء الجسد البشري على الجمادات (طاولة لها أرجل، زجاجة لها عنق، نهر له مصب).
التحول: في الاستعمال اليومي والمعاجم الحديثة، زالت الصفة الشعرية عن هذه التراكيب، وأصبحت هي التسمية الحقيقية والمباشرة لهذه الأجزاء، حيث استُهلك المجاز تماماً واستقر كحقيقة لغوية.
. دينامية المفردات: ولادة الألفاظ وانقراضها
تتعامل اللغويات الكمية مع المعجم الأدبي والثقافي باعتباره "منظومة بيئية لغوية" تخضع لقوانين النمو والتنافس والتكيف والانقراض.
معدل الولادة والنمو: تتتبع الخوارزميات ظهور "الكلمات الوليدة" أو المفردات التراثية التي يُعاد بعثها بدلالات جديدة. ويُحسب منحنى نمو المفردة بناءً على معدل التكرار والاتساع الانتخابي بين الأنواع الأدبية المختلفة (شعر، رواية، نقد). فالكلمة التي تنمو داخل حقل أدبي واحد تفقد زخمها أسرع من الكلمة التي تخترق أشكالاً سردية وتعبيرية متعددة.
الضمور والموت التدريجي: ترصد البيانات الإحصائية تراجع المفردات عبر منحنيات تُظهر تضاؤل استخدامها حتى تبدو شبيهة بالكائنات المنقرضة. وغالباً ما يرتبط اختفاء الكلمة بأحد سببين:
الزوال المادي: انقراض المسمى نفسه أو التبدل الكامل للواقع الثقافي والاجتماعي المولد له.
المنافسة اللغوية: ظهور مفردة أو مجاز أحدث وأكثر كفاءة في التعبير عن المعنى نفسه، مما يزاحم الكلمة القديمة ويطردها نحو الهامش المعجمي.
. القيمة المضافة للناقد الأدبي
لا تهدف هذه الأرقام والرسوم البيانية إلى استبدال الذائقة الأدبية، بل إلى رفدها بجهد تجريبي واقعي داعم:
تحديد البصمة التاريخية للصورة الأدبية: كشف كيفية انزياح صور أثيلية مثل (الليل، البحر، الرحلة) من مجاز طبيعي مادي في العصور القديمة إلى مجاز نفسي ووجودي في الأدب الحديث والمعاصر، مع تعزيز ذلك بالدليل الرقمي.
رسم خريطة الحساسية الجمالية للأجيال: تحديد الكلمات والمجازات التي شكلت "الموضة الأسلوبية" أو المعجم الأثير لجيل شعري أو سردي معين، ومتابعة لحظة أفول ذلك المعجم مع صعود حساسية جمالية جديدة.
أبرز الركائز التأسيسية: فرانكو موريتي ومختبر ستانفورد
يُعد الناقد الإيطالي فرانكو موريتي من أبرز واضعي اللبنات الأولى لهذا الاتجاه؛ إذ أحدث تحولاً معرفياً في النقد الأدبي بنقله من التأويل النصي الضيق والمنغلق إلى التحليل الإحصائي والسرديات الكمية.
السيرة والمسار الأكاديمي
ولد موريتي في روما عام 1950 في بيئة ثقافية (وهو شقيق المخرج السينمائي ناني موريتي). درس الأدب في جامعة روما وتأثر بالشكلانية الروسية والنقد الماركسي. درّس في عدة جامعات كبرى كجامعة كولومبيا، إلا أن محطته الأبرز كانت في جامعة ستانفورد، حيث أسس عام 2010 "مختبر ستانفورد الأدبي"، الذي صار المركز العالمي الأول لتطبيقات الإنسانيات الرقمية.
أبرز مؤلفاته ومشاريعه النقدية
علامات أُخذت كقرائن (1983): دراسة سوسيولوجية وشكلية للأنواع الأدبية كشفت اهتمامه المبكر بتركيب الأشكال الأدبية ضمن التحولات الثقافية.
أطلس الرواية الأوروبية ١٨٠٠–١٩٠٠ (1998): بدأ فيه قطيعته مع النقد التقليدي عبر استخدام خرائط الجغرافيا الأدبية لتتبع انتشار الروايات مكانياً وديموغرافياً.
رسوم بيانية، خرائط، أشجار (2005): البيان الأساسي لمنهجه، حيث استعار أدوات من ثلاثة علوم: الرسوم البيانية من الاقتصاد، الخرائط من الجغرافيا، والأشجار التطورية من الأحياء الدارونية لمتابعة ولادة وموت الأشكال الأدبية.
القراءة البعيدة (2013): تجميع لصياغته الفكرية الحاسمة لمفهوم "القراءة البعيدة". يرى الكتاب أن التركيز على بضع مئات من الروايات الخالدة (القانون الأدبي) يعطي صورة مجزأة ومزيفة عن التاريخ الأدبي، وأن فهم الأدب يتطلب مسح "الـ 99% المنسية" عبر البرمجيات والخوارزميات.
المرتكزات الفكرية لمنهجه
الداروينية الأدبية: ينظر موريتي للأنواع الأدبية ككائنات حية تخضع لقوانين التطور والانتخاب؛ فالتكنيك السردي يستمر أو ينقرض بناءً على قدرته على التكيف مع التحولات القرائية والاجتماعية.
مختبر الأدب: تحويل العمل النقدي من تأمل فردي يعتمد على انطباعات الناقد في عزلة مكتبته، إلى عمل جماعي تضامني يجمع الناقد الأدبي، ومبرمج الحاسوب، وأخصائي الإحصاء لقراءة آلاف النصوص كمجموعات بيانات شاسعة.
الصياد
٣ سبتمبر
٢٠٢٦
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |