|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

الشهبي أحمد
2026 / 9 / 3
في إحدى المناسبات العائلية، كان طفل صغير يجلس بين مجموعة من الكبار. كان يحاول أن يحكي شيئًا حدث له في المدرسة، لكن أحدهم قاطعه قائلًا:
— اسكت، الكبار يتكلمون.
سكت الطفل فعلًا.
بعد دقائق، أخطأ في نطق كلمة، فضحك بعض الحاضرين، فقال له والده:
— كم مرة قلت لك لا تتكلم بهذه الطريقة أمام الناس؟
ظل الطفل صامتًا بقية الجلسة.
عدت إلى البيت وأنا أفكر في ذلك المشهد. لم يكن الأمر يتعلق بطفل أخطأ في الكلام، ولا بأب أراد أن يعلمه الأدب. كان هناك شيء أكبر يحدث أمامنا، شيء نفعله كل يوم دون أن ننتبه إليه: نحن لا نربي أبناءنا فقط، بل نعيد تشكيلهم وفق الصورة التي نحملها نحن عن الإنسان الذي ينبغي أن يكونوا عليه.
نريد الطفل هادئًا لأننا لا نحب الضجيج.
نريده متفوقًا لأننا نعتقد أن التفوق هو الطريق إلى النجاح.
نريده مطيعًا لأن طاعته تمنحنا شعورًا بأننا آباء ناجحون.
نريده مؤدبًا، لكننا أحيانًا نقصد بكلمة «مؤدب» طفلًا لا يعترض، ولا يسأل، ولا يناقش، ولا يقول «لا».
ثم نكبره قليلًا ونطالبه بأن يكون صاحب شخصية.
وهنا تبدأ المفارقة.
كيف نريد منه شخصية مستقلة ونحن قضينا طفولته كلها نعاقبه كلما أظهر استقلاله؟
نقول له: «فكر بنفسك»، ثم نغضب عندما يفكر بطريقة مختلفة عنا.
نقول له: «اختر مستقبلك»، ثم نختار له التخصص الذي نريده.
نقول له: «كن صادقًا»، ثم نطلب منه أحيانًا أن يكذب على شخص جاء يبحث عنا.
نقول له: «احترم الآخرين»، ثم يسمعنا نسخر من شخص مختلف عنا.
نقول له: «لا تحكم على الناس من مظهرهم»، ثم نعلّق أمامه على ملابس الناس وأشكالهم ومستوياتهم الاجتماعية.
الطفل لا يتعلم من خطبنا الطويلة بقدر ما يتعلم من تناقضاتنا الصغيرة.
وهذا ما يجعل التربية أكثر صعوبة مما نظن.
فنحن لا نضع أبناءنا أمام كتاب أبيض ونكتب فيه ما نشاء. نحن نربيهم ونحن نحمل في داخلنا خوفنا وتجاربنا وعقدنا وأحلامنا المؤجلة.
الأب الذي عاش الفقر قد يربي ابنه على الخوف من الفقر حتى بعد أن يتغير وضعه.
والأم التي عانت من الفشل قد تجعل النجاح بالنسبة إلى ابنها شرطًا للحب والرضا.
والشخص الذي حُرم من الحرية في طفولته قد يتحول، من حيث لا يشعر، إلى شخص يخاف من حرية أبنائه.
وفي النهاية، قد يجد الأب نفسه غاضبًا من ابنه لأنه يشبهه في أشياء لم يكن الأب نفسه يحبها في شخصيته.
لكن هل المطلوب إذن أن نترك أبناءنا بلا توجيه؟
طبعًا لا.
الطفل يحتاج إلى من يقول له: هذا خطأ وهذا صواب، هذا خطر وهذا آمن، هذه مسؤولية وهذه حرية. يحتاج إلى حدود، وإلى قيم، وإلى أب وأم يستطيعان أن يقولا «لا» عندما تكون كلمة «لا» ضرورية.
لكن التربية ليست أن نمنع أبناءنا من أن يكونوا أنفسهم.
ربما التربية الحقيقية هي أن نعطيهم الجذور دون أن نحدد لهم اتجاه الفروع.
أن نمنحهم القيم دون أن نفرض عليهم نسخة واحدة من الحياة.
أن نعلمهم التفكير بدل أن نلقنهم الإجابات.
أن نسمح لهم بالسؤال حتى عندما تكون أسئلتهم مزعجة.
وأن نفهم أن اختلاف الابن عن أبيه ليس بالضرورة فشلًا في التربية.
ربما يكون نجاحًا.
لأن الأب الذي يربي ابنًا يشبهه في كل شيء قد يكون نجح في صناعة نسخة منه، لكنه لم ينجح بالضرورة في صناعة إنسان مستقل.
والأجمل في الأبوة، في رأيي، أن يأتي يوم يقف فيه ابنك أمامك، فيختلف معك في فكرة، ويختار طريقًا مختلفًا، ويملك شجاعة أن يقول لك: «أنا أرى الأمر بطريقة أخرى».
حينها لا ينبغي أن تسأل نفسك: لماذا لم يصبح مثلي؟
بل ربما تقول:
لقد نجحت في تربيته حين أصبح قادرًا على أن يكون هو، لا حين أصبح نسخة مني.
فالأبناء ليسوا فرصة ثانية لنا لنعيش الحياة التي أردناها.
إنهم حياة أخرى تمامًا.
وربما أكبر خطأ نرتكبه في تربيتهم هو أن نطلب منهم أن يحققوا أحلامنا، ثم نسمي ذلك حبًا.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |