منطقة وسطى د. علاء العبادي

مقداد مسعود
2026 / 9 / 2

منطقة وسطى
د. علاء العبادي
تستوقفنا في نص "ضباب" لحظةُ كتابةٍ تسبح في منطقة وسطى بين الحلم واليقظة، بين الرؤيا المجسدة وانكشاف وهمها، إذ يقدّم النص مشهداً درامياً مكثفاً يبدأ بانتظار يفتقد الصبر، ثم بضباب يحوّل الزجاج إلى جدار مرعب، قبل أن تنخرق هذه الصورة بظهور راحتين تمسحان الزجاج ووجه صبي رثيث الحال، لكنّ المفاجأة تتمثل في سقوط الواجهة الزجاجية مع الصبي، ليطرح السؤال المحوري الذي يهزّ النص: هل أسقط الصبي الزجاج أم أُسقط من فوهة ضباب عتيّ؟ ثم ينقلب النص على نفسه في خاتمة صادمة، حيث ينفي الراوي كل ما سبق، مؤكداً أنه لم يجلس خلف واجهة زجاجية، ولم يرَ ضباباً ولا صبياً، مما يفتح الباب أمام تأويلات متعددة حول ماهية التجربة الأدبية ذاتها. إنّ هذا البناء السردي المفارق، الذي ينهض على خلق مشهد متكامل ثم نفيه في خاتمة مفاجئة، يحيلنا إلى لعبة حداثية متقنة حيث يتجاوز النص فكرة الحكاية إلى التساؤل عن طبيعة الرؤية والتمثيل، إذ يصبح الضباب هنا استعارة للوعي المشوش، بل ربما للكتابة نفسها التي تبني عوالمها ثم تمحوها بضربة واحدة. واللافت أن النص يختار للضباب صفة "العِتيّ" مرتين، مما يمنحه طابعاً وجودياً قديماً يتعلق بحالة مستحكمة من الغموض والالتباس، بينما يأتي فعل المسح من جهة الصبي ليكشف مؤقتاً، لكن الكشف هنا ليس خلاصاً، بل كارثة تسقط الواجهة وتدمر إمكانية الرؤية الآمنة، وكأن النص يشير إلى أن محاولة إزالة الغموض قد تؤدي إلى سقوط الرائي في قلب الشظايا. ثم يأتي النفي الختامي ليفتح النص على تساؤل حول كيفية تشكل الصور في وعينا من مخزون ثقافي وبصري غائر، وبالتالي فإن "الضباب" هنا ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل هو حالة كتابية تعكس أزمة التمثيل واليقين، حيث تتحطم الثنائيات التقليدية بين الحقيقة والوهم، و بين الذات والعالم. ولعلّ ما يمنح النص قوته الإيحائية أنه لا يقدم إجابة حاسمة عن الفاعل الحقيقي في سقوط الزجاج، بل يترك السؤال معلقاً بين فعل الصبي وفعل قوة خارجية، مما يضاعف إحساس القارئ بالارتباك الذي يبدو مقصوداً، وكأن النص يحاكي في شكله ومضمونه حالة الضباب التي يصعب فيها تثبيت المسؤوليات وتحديد الجهات. وبهذا، يمكن قراءة الضباب كمتن صغير يحمل همّاً نقدياً كبيراً، وهو أن الكتابة رحلة في منطقة عتمة، حيث كل محاولة للرؤية تنطوي على خطر، وكل يقين قد يتبدّد في لحظة.

(*)

ضبابٌ ثخين
مقداد مسعود
انتظارُكَ يفتقدُ فضيلةَ الصبر. ثمةَ مسحة ٌ ملتبسة ٌ كالغبش
حين تتأمل ساعتكَ اليدوية.
أنا جالسٌ خلفَ واجهة ٍ زجاجية ٍ ضبابٌ ثخين جعل الزجاج
جداراً مرعباً.
فجأةً انفتحت مدوّرات ٌ بِلا ضبابٍ في الزجاج. راحتان تمسحان الزجاجَ. وجهُ صبي يبتسمُ، رثُ العافيةِ والثيابِ.
ثم...........................................
مَن كان يزيلُ
الضبابَ
أسَقطَ واجهةَ
الزجاجِ
وسقطَ
فوق
شظاياها.
أسقطَ الصبيُ الزجاجْ!!
أم أسقطوهُ
مِن فوّهةٍ
في ضباب ٍ عتي؟
.................................................
خلفَ ستائِر هذا الضّبابِ الثخين. أنا ما جلستُ
خلفَ واجهةٍ زجاجية ٍ.
ما رأيتُ ضباباً ولا صبياً يمسحُ واجهة ً زجاجية ً
في ضحى الثلاثاءِ أو ربما في مساءِ الخميس

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن