ذروة الاغتراب

بلقيس خالد
2026 / 9 / 2

بقلم الشاعرة عقيلة العمراني

يقدم نص "طعم مفتاح صدئ" للأديبة بلقيس خالد اشتغالاً عميقاً على ذاكرة الجرح التاريخي والانزياح الوجودي لجيل وريث للشتات والخوف.
النص ليس مجرد بوح عاطفي، بل هو رصد سردي-شاعري متكامل لبنية الصراع الإنساني والزمني،
حيث تتداخل الذاكرة الفردية بالمعاناة الجماعية ضمن قالب سريالي مشحون بالدلالات.
جماليات الصورة الشعرية والانزياح:
تتوسل الشاعرة بصور فنية مركبة تنقذ النص من تقريرية المباشرة، وتتجلى أبرز هذه الجماليات في النقاط التالية:
مفارقة الحواس: تحويل "المفتاح" (رمز العودة والملكية والأمل) إلى عنصر مادي ذي "طعم صدئ" يُستساغ بالفم، مما يدمج الألم المادي بالمرارة النفسية الداخلية.
أنسنة الأشياء: منح الأوراق الصفراء القدرة على "التنحنح" والكلام ومراجعة الماضي، في إسقاط نقدي حاد على ترهل الخطابات والأرشيفات التي تعيد اجترار الصراعات.
المشهدية السريالية: تصوير الموتى وهم يضجرون من تشاجر الأحياء ويطلبون الموت مرة أخرى، وهو توظيف عبثي يعكس استنزاف الماضي في معارك وهمية لا تنتهي.
الثيمة الكبرى والبعد الوجودي:
ينحت النص هويته البنيوية من خلال ثنائية "البابين"؛ غرفة الماضي التي أكل العنكبوت ستائرها، وغرفة المستقبل التي لم تصلها الشمس بعد.
هذا التعليق الموضعي يحبس الجيل المعني في حالة "عطالة تاريخية"، مصوراً اغترابه بأدق عبارة وأوجعها: "كخطأ مطبعي في كتاب الزمن".
هنا يتجلى ذروة الاغتراب؛ إذ يقف الجيل المعاصر على العتبة، عاجزاً عن العودة للوراء أو التقدم للأمام، محاصراً بطنين الصراعات واتهامات تتقاذفها الأطراف .
نجحت بلقيس خالد في توظيف لغة "سهلة ممتنعة" تخلو من التقعر البلاغي،
لتخدم كثافة الدلالة وعمق الشعور بالضياع بين أجيال تتنازع على تركةٍ تحولت إلى رماد، بينما يقف الجيل الجديد معلقاً بلا هُوية زمنية واضحة.

طعمُ مفتاحٍ صدئٍ

بلقيس خالد

نحنُ الجيلُ
الذي ولدَ وفي فمهِ
طعمُ مفتاحٍ صدئٍ..
كبرنا ونحنُ نتعلمُ كيف
نفتحُ الباب دون أن يصدر صوتاً.
نحنُ الذين عبرنا
من ليلٍ طويلٍ
إلى صبحٍ لا ندري ماذا نسميه
تركنا خلفنا أحذيتنا..
كي لا يسمع الخوف خطواتنا.
لكنهم..
ما زالوا يتشاجرون
عند باب الزمن القديم
هذا يرفعُ ورقةً..
وذاك يرفعُ قصيدةً..
تخرجُ من الأدراج أوراقٌ صفرٌ،
تتنحنحُ قبل أن تتكلم،
وتقول: رويدكم..
رويدكم،
لقد كنتم جميعاً تبتسمون للصورة.
تصمتُ الأوراق قليلاً،
ثم تبدأ في التقليب بنفسها..
صفحةً وراء صفحةٍ،
كأن الماضي يحاول
أن يجد شاهداً على براءتهِ.
ننظرُ إليهم...
فنرى زمناً ميتاً
يُجرُّ من قدميهِ إلى منتصف الساحة،
ليقتتل عليهِ أبناءُ الذين نجوا منهُ.
حتى الموتى..
فتحوا قبورهم،
أخرجوا منها أسئلةً قديمةً
ثم تشاجروا:
هذا كان لنا.
- بل لنا.
خرج الموتى من قبورهم مضجورين:
اتركونا..
اتركونا نموت مرةً واحدةً..
لكنهم لم يسمعوا..
فالطنين أعلى من صوت التراب.
طنينٌ هنا..
طنينٌ هناك..
واتهاماتٌ تطير كذبابٍ
يحاولُ عضَّ وجه الزمن.
نحنُ..
جيلٌ بين بابين:
خلفنا غرفةٌ أكل العنكبوت ستائرها
وأمامنا غرفةٌ لم تصلها الشمس بعد..
لا ندخلُ هذه،
ولا نجرؤُ على فتح تلك،
نقفُ في العتبةِ..
كأننا خطأٌ مطبعيٌّ في كتاب الزمن.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن