هل يحتاج العراق إلى عقد سياسي جديد؟

سعد عزت السعدي
2026 / 9 / 2

منذ عام 2003، دخل العراق مرحلة سياسية جديدة استندت إلى دستور دائم ومؤسسات منتخبة، إلا أن التجربة السياسية واجهت تحديات متراكمة حالت دون تحقيق الاستقرار المنشود. فعلى الرغم من إجراء انتخابات دورية وتداول الحكومات، بقيت أزمات تشكيل السلطة، والانقسام السياسي، والفساد، وضعف الخدمات، وتراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة حاضرة بقوة. وفي ظل هذه المعطيات، يبرز سؤال جوهري: هل يحتاج العراق إلى عقد سياسي جديد، أم أن المشكلة تكمن في عدم تطبيق العقد القائم؟
يقصد بالعقد السياسي مجموعة المبادئ والقواعد التي تنظم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتحدد أسس توزيع السلطة والحقوق والواجبات. ولا يعني بالضرورة كتابة دستور جديد، بل قد يشمل إعادة صياغة التفاهمات السياسية التي تقوم عليها إدارة الدولة بما ينسجم مع المتغيرات الداخلية والإقليمية.
يرى المؤيدون لفكرة العقد السياسي الجديد أن النموذج الذي تشكل بعد عام 2003 لم يعد قادراً على الاستجابة لمتطلبات المرحلة الحالية. فقد اعتمد النظام السياسي على مبدأ التوافق بين القوى السياسية لضمان المشاركة، إلا أن هذا المبدأ تحول مع مرور الوقت إلى آلية لتقاسم النفوذ والمناصب، الأمر الذي أضعف فعالية مؤسسات الدولة، وأدى إلى تأخير تشكيل الحكومات، وتعطيل القرارات الإصلاحية، وتراجع مبدأ الكفاءة في إدارة المناصب العامة.
كما أن الاحتجاجات الشعبية التي شهدها العراق خلال السنوات الماضية كشفت عن فجوة متزايدة بين المواطن والطبقة السياسية. فقد طالبت شرائح واسعة بإصلاحات حقيقية، ومكافحة الفساد، وتحسين الخدمات، وتوفير فرص العمل، وهو ما يعكس وجود أزمة ثقة تتجاوز الخلافات الحزبية إلى طبيعة النظام السياسي نفسه. ومن هذا المنطلق، يرى البعض أن العراق بحاجة إلى عقد سياسي جديد يعيد تعريف أولويات الدولة، ويضع مفهوم المواطنة فوق الانتماءات الفرعية، ويعزز مبدأ سيادة القانون.
في المقابل، يذهب رأي آخر إلى أن المشكلة لا تكمن في غياب عقد سياسي جديد، وإنما في ضعف الالتزام بتطبيق الدستور والقوانين النافذة. فالدستور العراقي يتضمن مبادئ مهمة تتعلق بالفصل بين السلطات، وحماية الحقوق والحريات، وضمان استقلال القضاء، واللامركزية الإدارية. غير أن العديد من هذه المبادئ لم تُطبق بصورة كاملة، سواء بسبب الخلافات السياسية أو ضعف الإرادة الإصلاحية. وبالتالي، فإن استبدال العقد الحالي بآخر جديد لن يحقق النتائج المرجوة إذا استمرت الممارسات السياسية ذاتها.
ومن زاوية أخرى، فإن أي حديث عن عقد سياسي جديد ينبغي أن يكون شاملاً، ولا يقتصر على القوى السياسية التقليدية، بل يشمل الأكاديميين، ومنظمات المجتمع المدني، والشباب، والنقابات، والقطاع الخاص، وممثلي المحافظات المختلفة. فالعقد السياسي الناجح لا يُفرض من الأعلى، وإنما يُبنى على توافق وطني واسع يراعي التنوع الاجتماعي والثقافي في العراق، ويحافظ في الوقت نفسه على وحدة الدولة وسيادتها.
كما ينبغي أن يركز أي مشروع إصلاحي على مجموعة من الأولويات، أبرزها ترسيخ مبدأ المواطنة، وإصلاح النظام الانتخابي، وتعزيز استقلال المؤسسات الرقابية والقضائية، ومكافحة الفساد، وتحقيق العدالة في توزيع الثروات، وتطوير الإدارة العامة وفق معايير الكفاءة والشفافية. فهذه الإصلاحات قد تكون أكثر تأثيراً من مجرد تغيير النصوص إذا اقترنت بإرادة سياسية حقيقية.
ولا يمكن إغفال البعد الإقليمي والدولي في هذه المسألة، إذ يتأثر العراق بمحيطه السياسي والأمني والاقتصادي. لذلك فإن نجاح أي عقد سياسي جديد يتطلب تعزيز استقلال القرار الوطني، وبناء سياسة خارجية متوازنة تقوم على حماية المصالح العراقية وتجنب الانخراط في صراعات المحاور الإقليمية.
ومن جانب اخر، لا يتعلق السؤال الحقيقي بما إذا كان العراق يحتاج إلى عقد سياسي جديد فحسب، وإنما بما إذا كانت القوى السياسية والمجتمع يمتلكان الإرادة اللازمة لإحداث تغيير حقيقي في أسلوب إدارة الدولة. فالعقد السياسي، مهما كانت صياغته، لن يحقق أهدافه إذا غابت ثقافة احترام القانون والمساءلة والشفافية. لذلك، فإن نجاح أي مشروع سياسي مستقبلي يتوقف على بناء مؤسسات قوية، وتعزيز ثقة المواطن بالدولة، وإعلاء المصلحة الوطنية فوق المصالح الفئوية، بما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقراراً وقدرة على تحقيق التنمية وترسيخ دولة القانون.