في ذكرى ثورة الفاتح من سبتمبر

محمد بن زكري
2026 / 9 / 1

نعم .. لقد كانت ثورة ، بمعايير البرجوازية الصغيرة ، بما هي شكل تنظيمي (تغييري) من أشكال تمظهر رؤى ومصالح وتناقضات قواها الاجتماعية ، من صغار الضباط العسكريين ، والبيروقراط ، والمثقفين الليبراليين ، وجماعات الإسلام السياسي (الإخوان المسلمين تحديدا) الناشطين تحت الأرض ، والمثقفين التقدميين من شتى ألوان تيار اليسار غير المؤطر سياسيا كتنظيم طليعي ؛ فبالتوازي مع سلبياتها الكثيرة التي لا يمكن التغاضي عنها أو التغطية عليها ، استطاعت إنجاز الكثير من المشروعات التنموية الهامة جدا في شتى المجالات ، وأن تحقق الكثير من المكاسب للأغلبية من الشعب الليبي . وكانت أو كادت أن تكون - لفترة وجيزة خاطفة منتصف السبعينات - مرشحة للتحول إلى ثورة اجتماعية (واعدة) ، تطبيقا متذبذبا انتقائيا - بين الاشتراكية العلمية والاشتراكية الخيالية - للفصلين الأول والثاني (سلطة الشعب ، والاشتراكية) من الكتاب الأخضر لمعمر القذافي ، هو تطبيق أقرب إلى الطوباوية والتجريبية منه إلى استيعاب الجدلية التاريخية لحركة الواقع المتحول .
لكنها نتيجة لظروفها الموضوعية والذاتية ، وككل ثورات البرجوازية الصغيرة ، توقفت في المنطقة الرمادية ، كنصف ثورة ؛ موزعة بين تطلع غائم إلى المستقبل بأفق تقدمي ، وحنين أيديولوجي غيبي محكوم بثقافة قروسطية ماضوية تشدها إلى ماضٍ محافظ رجعي . وهو ما يتطلب قراءة تحليلية نقدية لمراحل تطور تجربة (ثورة) الفاتح من سبتمبر .
ولذا فإنها سرعان ما انتكست انتكاسة حادة (ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا) ، في خط بياني سالب ، تكرس نهجا رسميا خلال العشرية الأخيرة من حكم معمر القذافي ، تحت تأثير بروبغندا الليبرالية الجديدة ، التي تبناها النظام تدريجيا ، بقيادة سيف الإسلام القذافي ، بالتحالف البراجماتي مع الكومبرادور والإخوان المسلمين ، حتى انتهت بهم - أو انتهوا بها - إلى (ثورة مضادة) ، تفعيلا لمشروع ليبيا الغد النيوليبرالي ؛ فأنجبت سفاحاً - بعملية قيصرية - مولودها المسخ في17 فبراير 2011 ، توجهاً إلى رسملة الاقتصاد والخصخصة وبيع أصول الدولة الليبية لأصحاب الملايين المنهوبة سطْواً على المال العام ، وإحكام قبضة الكومبرادور والإسلاميين على مفاصل الدولة وحركة المجتمع : تمكينا لقوانين السوق ، ونهبا للثروة الوطنية العامة ، وإفقارا منظما للطبقة الوسطى ، وتجويعا للأغلبية الصامتة المقموعة ، انتهاءً إلى وضع ليبيا تحت شروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي .

وهنا ، والتزاما بالموضوعية التامة ، لابد لنا من القول بأن أحداث التاريخ ، ليست من صنع المؤامرة ، كما أنها لا تقع بمحض الصدفة . بل هي محصلة تقاطع وتكامل وتكاتف عوامل عديدة : فكرية واجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية ، والتقاء مصالح قوى فاعلة محلية ودولية ، في ظروف مواتية من مسار حركة التاريخ .

و بهذا المنظور الموضوعي البحت ، فإن الحدث التاريخي يوم الفاتح من سبتمبر 1969، لم يكن مؤامرة مدبرة في الخارج ، وقادها معمر القذافي في الداخل ، كما يتقول عليه الموتورون من الإخوان المسلمين وأنصار الملكية السنوسية وأعداء التغيير ، بل كان محصلة لنضوج ظروفه كحركة ثورية (أو ثوروية) ، مما بدا - في حينه - جليا في الالتفاف الجماهيري الواسع حولها .
وبالمثل فإن الحدث التاريخي يوم 17 فبراير 2011 ، لم يكن مؤامرة مخططا لها مسبقا ، كما يبدو من الوهلة الأولى لانطلاقها في بنغازي ، حيث كان الإسلاميون بمختلف جماعاتهم في طليعتها ، أو هو مجرد صدفة بحتة في سياق ما سمي وقتها ثورة الربيع العربي ، التي بدأت من تونس في شكل تظاهرات احتجاجية تطالب برحيل الرئيس زين العابدين بن علي ، إثر حادثة حرق البوعزيزي لنفسه في ميدان عام ؛ بل كان محصلة تراكم مظالم اقتصادية ومعيشية وحقوقية ، طالت أغلب الطبقات والفئات والجماعات الاجتماعية في ليبيا ، وأضرت ضررا جسيما بالطبقة الوسطى ؛ جراء أخذ النظام بوصفة صندوق النقد الدولي ، لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني ، وتبني فكر النيوليبرالية في ما سمي بمشروع ليبيا الغد ، كما سلفت الإشارة ، ومن ثم الأخذ بسياسات اقتصادية ونقدية أدت إلى إفقار الأغلبية وحرمانها من ثروة بلادها ، وتسارع وتيرة الانقسام الطبقي الحاد ، مع انتشار ملحوظ للفساد المالي والمحسوبية في إدارة الدولة ، زائدا أخطاء مغامرات سياسات التطلع إلى لعب دور الدولة العظمى .. إقليميا و دوليا !

ومن ثَم ، نستطيع القول بكل الارتياح ، كما سبق لنا الانتهاء إلى القول في مقالات سابقة ، إنه كان ﻻ بد لثورة الفاتح من سبتمبر 1969أن تقع ، كما كان تاليا ﻻبد لانتفاضة 17 فبراير 2011 أن تقع .
أما ما حدث من تطورات طارئة ﻻحقا في الحالتين ، فتلك مسألة أخرى محكومة في مساراتها العامة وتغيراتها الآنية ونتائجها النهائية مستمرة التفاعل ، بمدى قوة حضور وفاعلية اللاعبين على الساحتين الداخلية والخارجية ، في صراع المصالح الذي لا زال محتدما فوق الأرض الليبية ، يعصف عصفا عنيفا بشعب كامل بات أفقر شعب في أغنى دولة ، مقارنةً بين قلة عدد السكان وضخامة حجم وتنوع الموارد الطبيعية للبلاد .