بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 1 - لو إنتصر الإنقلابيون

زياد الزبيدي
2026 / 8 / 24

في 19 أغسطس 2026، وبعد خمسة وثلاثين عاماً بالضبط على أحداث أغسطس 1991، نشر الشاعر والكاتب الروسي إيغور كاراولوف مقالاً رأي بعنوان «كان من الأفضل لو إنتصرت لجنة الطوارئ» التي أعلنت السيطرة على الحكم. يستعيد فيه كاراولوف، الذي كان شاهداً شاباً على تلك الأيام، ذكرياته الشخصية ويطرح أطروحة مركزية: لو نجحت محاولة لجنة الدولة للطوارئ (المعروفة اختصاراً بـ«غيكاتشيب») في الحفاظ على الإتحاد السوفياتي، لكانت نتائج التاريخ مختلفة جذرياً، ولربما تجنبت شعوب الفضاء السوفياتي السابق كثيراً من المآسي اللاحقة. المقال مكتوب بأسلوب يجمع بين الشهادة الشخصية والتحليل السياسي والإستنتاج التاريخي، ويأتي في سياق نقاش روسي مستمر حول أسباب إنهيار الإتحاد السوفياتي ودلالاته.

يقدم كاراولوف شهادته من موقع من عايش الحدث مباشرة. يروي أنه في صباح 19 أغسطس 1991 توجه إلى معهد الأداب لتقديم إمتحان القبول، لكنه إستمع قبل ذلك إلى إذاعة تعلن إنتقال السلطة إلى لجنة الدولة للطوارئ. يقول: «حسناً، فكرت، وصلنا إلى الإنقلاب وإلى "خونتا" أي زمرة عسكرية خاصة بنا». ويضيف أنه وجد فكرة «الخونتا» جذابة «على الأقل من أجل التنويع: دعونا نجرب، ربما تستطيع الخونتا على الأقل فرض النظام». بعد الإمتحان توجه إلى ساحة بوشكين ثم إلى شارع تفرسكايا (غوركي أيام الإشتراكية) وساحة مانيجنايا، حيث رأى الآليات المدرعة والجنود. أدرك سريعاً أن الجنود «لا يفهمون لماذا هم هنا، ولا ينوون إطلاق النار». من تلك اللحظة، كما يروي، خاب أمله في آفاق اللجنة. ثم جاءت الأيدي المرتعشة لغينادي يانايف، والحواجز أمام البيت الأبيض (الروسي)، والإشتباك الليلي في نفق تحت بوليفار السادوفوي الدائري، وإنسحاب الجيش من موسكو في 21 أغسطس.

يحرص كاراولوف على تفكيك الصورة الشائعة عن اللجنة. يؤكد أن المحاولة لم تكن موجهة ضد ميخائيل غورباتشوف وحده بالمعنى التقليدي، وأن قادتها لم يكونوا «ماستودونات شيوعيين متصلبين»، بل أقرب معاونيه في مرحلة البيريسترويكا. يذكر أن غينادي يانايف أنتخب نائباً للرئيس بإقتراح غورباتشوف في ديسمبر 1990، وأن فالنتين بافلوف تولى رئاسة الحكومة في يناير 1991، وأن فلاديمير كريوتشكوف نفسه كان من «مرشحي البيريسترويكا». يصف هؤلاء بأنهم إستوعبوا «الثقافة السياسية الغورباتشوفية» القائمة على «التردد وعدم التفكير المسبق والتناقض بين الأقوال والأفعال». لذا يرى أن هزيمة اللجنة «كانت محددة سلفاً» لأنها كانت «ذروة الغورباتشوفية» بإمتياز، سواء أكان غورباتشوف على علم مسبق بالخطة أم لا.

يتوقف الكاتب طويلاً عند أسلوب غورباتشوف في التعامل مع الأزمات. يشير إلى أنه في السنوات الأخيرة من حكمه لم يتردد في اللجوء إلى القوة، حتى أطلق عليه بعض الديمقراطيين المتحمسين لقب «ميخائيل الدموي». لكن هذه العمليات جرت بطريقة «الهجوم ثم التراجع» أو «خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الوراء»، مع إلقاء اللوم دائماً على المنفذين، خاصة الأجهزة الأمنية. يذكر أمثلة: فض التظاهرة في تبليسي في أبريل 1989 (نحو عشرين قتيلاً)، و«يناير الأسود» في باكو 1990 (أكثر من مئة ضحية)، وإقتحام مركز التلفزيون في فيلنيوس في يناير 1991. النتيجة، حسب تحليله، كانت مزدوجة: توحيد الحركات القومية وتعزيز ثقتها، وإصابة الأجهزة الأمنية باللامبالاة. تعلم القادة تدريجياً أنه إذا صدر أمر بفرض النظام، فالأفضل عدم الحماس، لأن القيادة ستتراجع ويبقى المنفذ هو الضحية. وهكذا خرج الجيش إلى شوارع موسكو وهو محمل بهذه الروح، فكانت «الضحايا العشوائية المقدسة» وعددهم ثلاثة (يوسوف وكومار وكريتشفسكي) كافية لإنهاء وجود القوات في المدينة.

يرفض كاراولوف الحجة القائلة إن محاولة فرض النظام هي التي وجهت الضربة القاضية للإتحاد. يقول إن الحقائق تناقض ذلك: جمهوريات البلطيق الثلاث وجورجيا كانت مصممة على الإنفصال قبل 19 أغسطس، وأوكرانيا أظهرت أنها لن توقع المعاهدة الإتحادية الجديدة. أما إتفاق بيلافيجا في ديسمبر 1991 فقد فرض الأمر الواقع على كازاخستان وجمهوريات آسيا الوسطى التي لم تكن تنوي الإستقلال حينها. يرى أن المفارقة التراجيدية كانت أن الإرادة السياسية موجودة، لكن حامليها لم يكونوا حماة الدولة، بل أولئك الذين كانوا يختبرونها حتى التمزق، وفي مقدمتهم بوريس يلتسين وأنصاره. يصف يلتسين بأن «قبضته على السلطة كانت حديدية»، كما أثبت بعد عامين، لكنه وجه هذه الرغبة نحو تفكيك الهياكل الإتحادية لا نحو الإستيلاء عليها.

ينتقل الكاتب إلى ما بعد الإنهيار. يقول إن كثيرين إعتقدوا آنذاك أن شيئاً خطيراً لن يحدث، وأن الجمهوريات المستقلة ستعيش بود كأوروبا، وأن رابطة الدول المستقلة ستحفظ شكلاً من الوحدة، وأن «القطارات تسير والطائرات تطير» والعلاقات الشخصية والمهنية ستبقى. في الوقت نفسه كانت سلطات كل جمهورية تقنع سكانها بأنهم «سيتخلصون من المتطفلين ويعيشون بشكل أفضل». لكن بعد خمسة وثلاثين عاماً، يرى كاراولوف الصورة مختلفة تماماً: «لم يجلب تفكك الدولة العظيمة الموحدة إزدهاراً لأحد. أصبح السبب الأول لكل مشكلة وكل مأساة في الفضاء ما بعد السوفياتي». ويؤكد أن التأثير السلبي لم يضعف مع الزمن، بل إزداد. يذكر الفقر والنسيان للتاريخ المشترك والتمييز ضد الأقليات و«فاشية الأنظمة السياسية» وسفك الدماء، ويصل إلى القول إن الصراع الروسي-الأوكراني الحالي «ما كان ليحدث أبداً لو لم تفشل لجنة الطوارئ».

يختتم كاراولوف بمقارنة مع الصين. يشير إلى أن السلطات الصينية في 1989 حافظت على «غريزة الدولة» عندما قمعت إحتجاجات ميدان تيانانمن، مما ضمن للصين عقوداً من التطور المطرد. يقول إن الإتحاد السوفياتي كان قادراً على التراجع عن حافة الهاوية والبقاء بلداً موحداً بسوق يضم ثلاثمئة مليون نسمة، «لا تتنازع فيها الشعوب على الأرض ولا على التاريخ». ويضيف: «لم يكن شيء محتوماً. كان يكفي أن يظهر قادة قادرون على إظهار الإرادة والمضي حتى النهاية». ويخلص إلى درس عام: «لا يجوز تحت أي ذريعة نبيلة ظاهرياً أو شعار نبيل ظاهرياً مساعدة قوى تدمير الدولة. على العكس، يجب دائماً الوقوف إلى جانب النظام. الهدم سهل، وإصلاح ما تهدم أصعب بكثير».

*****
هوامش

▪️الخونتا (Junta) هي حكومة عسكرية أو مجموعة من الضباط تستولي على السلطة بالقوة بعد انقلاب، وغالباً ما تحكم بشكل استبدادي دون انتخابات.
المصطلح أصله إسباني ويعني «لجنة» أو «مجلس»، ويُستخدم تاريخياً لوصف أنظمة مثل تلك في أمريكا اللاتينية التي حكمت تشيلي بعد الإنقلاب الفاسي 1973.

▪️ماستودونات Mastodons
كناية سياسية روسية تعني «الشيوخ المتصلبين» أو «الديناصورات السياسية» القديمة الجامدة التي عفا عليها الزمن، مستوحاة من حيوان الماستودون المنقرض الضخم.

▪️إتفاق بيلافيجا (8 ديسمبر 1991) هو الإتفاق الذي وقّعه قادة روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا في غابة بيلافيجا، وأعلنوا فيه تدمير الإتحاد السوفياتي. بذلك وضعوا نهاية رسمية للإتحاد السوفياتي، رغم إعتراض بعض الجمهوريات الأخرى.

▪️ نبذة عن المؤلف
إيغور كاراولوف، من مواليد 11 فبراير 1966 في موسكو. تخرج من كلية الجغرافيا في جامعة موسكو الحكومية (تخصص جيوكيمياء المناظر الطبيعية وجغرافيا التربة، 1983-1988). شاعر ومترجم وكاتب رأي روسي. أصدر عدة دواوين شعرية، منها «تغيير الجهد» (2003) و«بائعو التوابل» (2006) و«إصرار الهوسي» (2010) و«نهاية الليل» (2017) و«آو-آو» (2018) و«عيد القديس فالنتين» (2021) و«جانبي من التاريخ» (2022) و«الكلمات الرئيسية» (2024)، بالإضافة إلى مجموعة مقالات «سن القرن الصعب» (2020). فاز بجائزة غريغوريف الشعرية (2011) وفاز في مسابقة فولوشين (2017). عمل كاتباً عمودياً في صحيفة «إزفستيا» بين 2012 و2016، ويكتب في منابر مختلفة. منذ 2022 شارك في فعاليات شعرية داعمة للعملية العسكرية الخاصة، ويُصنف أحياناً ضمن «شعراء الزاي». متزوج وله طفلان.

▪️ ملاحظات على النص
المقال يجمع بين الشهادة الشخصية الحية والتحليل السياسي التاريخي. يتجنب كاراولوف التبرير الأيديولوجي الصريح للشيوعية، ويركز بدلاً من ذلك على «غريزة الدولة» والحفاظ على الوحدة كقيمة عملية. يستخدم أمثلة ملموسة (تبليسي، باكو، فيلنيوس، تيانانمن، بيلافيجا) لبناء حجته، ويربط بين فشل 1991 والمآسي اللاحقة، بما فيها الصراع الحالي. الأسلوب سردي هادئ في البداية ثم يتحول إلى إستنتاجي حاد في النهاية. النص يمثل صوتاً روسياً معاصراً يعيد قراءة أغسطس 1991 لا كـ«إنتصار للديمقراطية» فحسب، بل كبداية لسلسلة من الكوارث الجيوسياسية والإجتماعية التي ما زالت تتفاعل حتى اليوم.