أنا المجنون

عماد أبو حطب
2026 / 8 / 24

أنا المجنون في المنفى.
لا لأنني أكلم الغائبين،
بل لأنني ما زلت
أرد على رسائلهم.
أضع كوبين على الطاولة،
ثم أتذكر
أنك لم تعودي هنا.
أفتح الباب
بسرعة لا تليق بكوني وحيد،
كأنني متأكد
أنك ستدخلين.
وحين يصفعني الصمت
ألوم الباب.
منذ رحلت
وأنا أحمل الأشياء
مسؤولية غيابك.

*****
التفاصيل تقتلني

تقتلني التفاصيل.
رائحة قهوة في مقهى غريب
تشبه قهوتك.
امرأة تضحك في الشارع
فألتفت إليها.
معطف أحمر
يمر أمامي
فيعيد إلي شتاء كاملا.
حتى يدي
تخونني أحيانا،
تمتد إلى الجانب الآخر
من السرير
ثم تعود فارغة.
الغربة ليست مدينة بعيدة.
الغربة أن تصبح التفاصيل
أقرب إليك مني.

*****
لا أحد يعرف

لا أحد يعرف
أنني حين أقول:
أنا بخير،
أكون قد كذبت على يوم كامل.
لا أحد يعرف
أنني أشتري الخبز
وأتذكر يد أمي كما قال ذاك الشاعر الشرير .
أسمع أغنية قديمة
فأرى شارعا لم يعد موجودا.
أمر بجانب طفلٍ
يتكلم بلغتي
فأشعر أنني عدت لحظة.
ثم يقول شيئًا
بلهجتي القديمة،
فأعرف أنني
ما زلت بعيدا.

******
نصف مجنون

صرت نصف مجنون.
النصف الآخر
ما زال ينتظر موافقة الحدود.
أحيانا أتحدث مع أبي
أعرف أنه مات.
لا يهم.
الموت في المنفى
ليس أقسى من المسافة.
أخبره عن المدينة،
عن البرد،
عن الناس الذين لا يعرفونني.
ثم أسأله:
هل تغير البيت؟
ولا يجيب.
فأغير الموضوع
كي لا يكتشفَ أنني أبكي.

*****
غرفتي

غرفتي تعرفني
أكثر من الناس.
تعرف عدد المرات
التي فتحت فيها الهاتف
دون أن يصلني شيء.
تعرف أنني أنام متأخرا
لأن الليل يشبه البلاد.
تعرف أنني أحيانا
أجلس على حافة السرير
وأحدق في الحائط
دون سبب.
ثم أقول:
غدا.
وكأن الغد
موظف في دائرة الهجرة
يمكن إقناعه.

****

لو كنت هنا

لو كنت هنا
لقلت لك أشياء كثيرة.
لقلت إنني تعبت.
إنني أكره أن أشرح نفسي
كل يوم.
إنني أشتاق إلى مكان
لا أستطيع العودة إليه.
وإلى أناس
لا أستطيع جمعهم.
لكنني أعرف أنك
حين ترين وجهي
ستفهمين.
لهذا ربما
لا أحتاج إلى الكلام.
تعالي فقط.
اجلسي إلى جواري.
دعينا نصمت.
فالصمت معك هو
أقرب طريق إلى الوطن.

****
أعيش بين شيئين

أعيش بين شيئين:
ما فقدته
وما أخشى فقدانه.
بين مدينة
تسكنني
ومدينة
لا تعرفني.
بين بيت
لم يعد بيتا
وغرفة
لا أستطيع تسميتها بيتا.
بين امرأة
أحببتها
وذاكرة
تصر على إعادة وهم صورتها.
أنا المجنون في المنفى.
أضحك حين ينبغي أن أبكي،
وأبكي حين لا يلاحظ أحد.
أحتفظ بمفاتيح
لأبواب لم تعد موجودة.
وأحيانا،
قبل أن أنام،
أضعها تحت الوسادة.
ليس لأنني سأعود.
فقد اخذتني النداهة
بل لأنني لا أريد
أن أعترف لنفسي
أنني لم أعد أعرف
أين يكون الرجوع.