نبض الوجدان وشرع الموسيقى: حوار مع روح الشعر الكلاسيكي والشاعر خالد كرومل

عطا درغام
2026 / 8 / 22

في هذا الإبحار الفكري والإنساني الشفيف، نلتقي مع الشاعر خالد كرومل؛ صوتٌ يستحضر أصالته من معين التراث العربي الخالد، ويعزف قصيدته في سكينةٍ وابتعادٍ عن صخب الحياة، لتخرج كلماته رقيقةً نابعةً من أعماق الوجدان. يرسم الشاعر ببنوده العمودية وإيقاعاته الهادئة لوحاتٍ وجدانية تحمل صرخات الإنسان وقضاياه، مؤمنًا بأن الشعر حقيقةٌ تتدفق من القلب لتصل مباشرةً إلى قلب المتلقي.
المحور الأول: البناء الفني واللغوي
1. ما المعايير التي تعتمد عليها في اختيار الألفاظ الرقيقة والابتعاد عن الصخب اللفظي في قصائدك الكلاسيكية؟
أعتمد بالأساس على الألفاظ الرقيقة النابعة من أعماق الوجدان؛ فعندما أكتب الشعر الكلاسيكي أحرص على الاعتزال بعيدًا عن الصخب، حيث يكون الفكر الذهني متفرغًا وسبِيًا في محراب القصيدة، وكأنه يعيش اللحظة الشعرية بكل حواسه مع كل مفردةٍ يخطها القلم.

2. كيف توازن في نظمك العمودي بين الحفاظ على صرامة الوزن والقافية وبين مرونة الفكرة المعاصرة؟

من أجمل الكتابات الأدبية هو الشعر العمودي الذي يستند إلى بحور الأصالة كالبحر الكامل. القصيدة في جوهرها فكرة، وبنت هذه الفكرة هي الكلمة والإبداع. وتكمن عظمتنا في لغتنا العربية التي تمتلك أثرى وثراء معجمي في العالم؛ لذا فإن صياغة التوازن والقافية تتطلب وقتًا وجهدًا جبارين لتنقية المفردة المناسبة في مكانها الدقيق. وقد أغير وأبدل بعض المفردات مرارًا وتكرارًا عند إعادة القراءة حتى أستقر على الكلمة الأكثر ملاءمةً وتناغمًا.

3. ما الدور الذي تلعبه الموسيقى الداخلية في قصائدك لتعويض غياب الإيقاعات الصاخبة؟

الموسيقى بالنسبة للنص هي بمثابة الماء الذي تحيا عليه نبتة الكلمة؛ كلما سرى الانسياب في الجذور، نمت المفردة وازدهرت. وكلما كانت الموسيقى هادئة، روت النبتة بلطف فتخرج القصيدة في أبهى حلةٍ وبهاء. وأنا شخصيًّا لا أميل إطلاقًا إلى الموسيقى الصاخبة.

4. إلى أي مدى تتأثر لغتك الشعرية بالقاموس التراثي العربي، وكيف توظفه لخدمة النص الحديث؟

تتأثر لغتي الشعرية تأثرًا وثيقًا بالقاموس التراثي العربي لأنني أحب التراث القديم وأجلّ الشعراء الجهابذة الذين سبقونا، فنحن نسير على دربهم. لكن مع معطيات العصر قد يؤدي إهمالنا للغتنا إلى قتل أجمل المفردات العربية الفصحى. لذلك، عندما أشرع في كتابة بيتي الأول أكون متأثرًا بأسلافي من أساطين الكلمة، مع تطويعها للواقع المعاش.

5. كيف يتشكل البناء الهيكلي للقصيدة عندك من البيت الأول وحتى بيت الختام؟

يتشكل البناء الهيكلي للقصيدة لدي كقصةٍ حية؛ تبدأ وتولد كطفلٍ وليد، ثم تنمو وتمر بمراحل الصبي، ثم الشاب، ثم الرجل السوي، وصولًا إلى مرحلة الشيخوخة والنضج الكامل، وهنا تتجلى الضربة الأخيرة والقفزة الحاسمة في ختام القصيدة.

المحور الثاني: التحليل النقدي والتجربة الذاتية

6. في قصيدتك "أنا الشاعر"، كيف تبرز الهوية الذاتية للشاعر وعلاقته بوعيه الفني؟

في قصيدة "أنا الشاعر"، يتحدث الشاعر عن ذاته؛ يتنفس عبر حروفٍ تخرج من شغاف وجدانه وبكل مفردةٍ يستشعرها. إنه يجرد نفسه من كل زيفٍ، ويكتب وكأنه يعيش في عالمٍ لا يوجد فيه سواه. وعندما تتجلى الحقيقة على السطور، يشعر حينها أنه أعطى وسكب كل ما في وجدانه للكلمة لكي تبصر النور.

7. ما الأدوات النقدية التي تطبقها على نصوصك قبل خروجها للنشر في الصحف والمواقع الثقافية؟

أعرض نصوصي بانتظام على خبراء متمرسين في علوم اللغة العربية والنحو والشعر، وأستقبل كل نقدٍ بناء بصدرٍ رحبٍ ورغبةٍ في التجويد.

8. كيف تقيم المسافة الفاصلة بين ذاتك الحقيقية والذات الشاعرة داخل النص؟

في الحياة اليومية، أنا إنسانٌ طبيعي جدًّا، وفي الحوارات العادية أتقبل الأخطاء اللغوية بصعوبةٍ وأدرك ما يقصده الآخرون دون أن يعبروا عنه بدقة. أما على صعيد الذات الشاعرة، فأنا حادٌ صارم؛ لا أقبل الأخطاء اللغوية إطلاقًا، وتثير حفيظتي أخطاء الكثيرين ممن يكتبون ويُدّعون نظم الشعر الفصيح بينما نصوصهم مشحونةٌ بمفرداتٍ عامية، أو العكس.

9. ما التحولات الفنية التي طرأت على تجربتك الشعرية بين بداياتك والنصوص الحالية؟

عندما أطالع كتاباتي الأولى أبتسم ضاحكًا من نفسي؛ فقد كنت كما أسلفت كطفلٍ لا يجيد حتى الوقوف على قدميه، أما الآن فالكتابة أصبحت كالشاب القوي الذي يخوض غمار الحياة بثبات.

10. كيف تتعامل مع القراءات النقدية التي تتناول قصائدك، وهل تدفعك لتغيير بعض أدواتك؟

نعم، هناك من ينقدني بنيةٍ صادقة، وقراءاتهم تدفعني في بعض الأحيان لتطوير أدواتي وتغييرها نحو الأفضل.

المحور الثالث: القضايا الإنسانية والاجتماعية

11. تناولت في قصيدة "صرخة أم" أبعاداً إنسانية عميقة؛ كيف تولد الفكرة الاجتماعية وتحولها إلى عمل شعري؟

كثيرًا ما نشاهد واقعًا قاسيًا أمامنا فلا نستطيع التعبير عنه إلا بتلك المشاعر الحساسة المرهفة؛ وعندما تخرج الكلمة صادقةً من القلب، فإنها تصل مباشرةً إلى قلوب الآخرين.

12. ما وراء طرح قضية البر في قصيدتك "رداء البر" من منظور فني يتجاوز الوعظ المباشر؟

قصيدة "رداء البر" تنبع من واقعٍ حي نعيشه؛ إنها صياغةٌ لنصيحةٍ وحكمةٍ نستلهمها ممن سبقونا ومن دروس الحياة المباشرة.

13. كيف يعبر شعرك عن قضايا الإنسان المعاصر وتطلعاته الإنسانية المشتركة؟

يعبر شعري عن هذه القضايا بتجريد المشاعر الإنسانية من الماديات، والتركيز على العاطفة الصادقة التي تجعل المتلقي يتأثر بالنص وجدانيًّا.

14. ما الحدود الفاصلة في نصوصك بين معالجة الظواهر الاجتماعية وبين السقوط في المباشرة التقريرية؟

الحد الفاصل هو صياغة القضية في قالبٍ موسيقي هادئ وصورٍ متدرجة النمو، مما يبعد النص عن التقريرية ويجعله لوحةً فنية.

15. كيف تشخص الواقع الثقافي والاجتماعي العربي الحالي من خلال استعاراتك وقصائدك؟

نرى الآن بعض المجتمعات لا تولي اهتمامًا حقيقيًّا بالثقافة، وخاصةً الشعر والشعراء، بل تجعلهم على هامش اهتماماتها. تقدم بعض الجهات جوائز عينية لتتظاهر بالاهتمام، لكن الجميع يدرك أن المادة والمال هما المحرك الأساسي للأمور في هذا الزمن، ولا شيء سواهما.

المحور الرابع: المشاركات الأدبية والحضور الثقافي

16. ما الذي تمثله لك المشاركة والترشح للجوائز العربية مثل "جائزة كنز الجيل" في مسيرتك؟

منصة "كنز الجيل" هي منصةٌ رائعة تسعى بكل جهدها لتقديم إنسانٍ مثقف وجيلٍ واعد، وتحافظ بصدقٍ على أصالة اللغة العربية.

17. كيف ترى دور النشر الإلكتروني في الصحف والمواقع الثقافية في إيصال صوتك للجمهور العربي؟

النشر الإلكتروني يمثل جسرًا حيويًّا لنقل الحرف الصادق وتخطي الحدود الجغرافية لإيصال صوت الشاعر إلى كل قارئٍ شغوف.

18. ما تقييمك لواقع الصالونات والملتقيات الأدبية المعاصرة وتأثيرها على حركة الشعر؟

أرى أن معظم الصالونات الأدبية المعاصرة أصبحت مجرد تضييعٍ للوقت ولا تقدم فائدةً حقيقية للمشهد الشعري.

19. كيف يسهم الاحتكاك بالثقافات والمدارس الشعرية المختلفة في تطوير أدواتك الأدبية؟

يسهم من خلال صقل المفردة واختبار متانة اللغة الفصحى أمام التيارات الفكرية المختلفة دون المساومة على أصالة البناء العمودي.

20. ما الذي تحتاجه الجوائز الأدبية الحالية لتقدم دعماً حقيقياً للشعر العمودي الفصيح؟

الدعم الحقيقي والفعلي للشاعر يكون بمراعاة ظروفه الاجتماعية، وتقديم الدعم المادي والمعنوي المباشر عندما نكتشف الموهبة، وذلك لنتمكن من إخراج جيلٍ جديد يحمل الراية.

المحور الخامس: الرؤية المستقبلية وفلسفة الإبداع

21. ما المشروع الشعري أو الديوان القادم الذي تعكف على إعداده وتطويره حالياً؟

أعمل حاليًّا على تجميع ونظم قصائد وجدانية وإنسانية تُعنى بالواقع وتستنهض القيم الأصيلة، مع الحرص على أعلى مستويات التجويد اللغوي.

22. كيف ترى مستقبل الشعر العربي الكلاسيكي في ظل تصاعد الفنون الرقمية والذكاء الاصطناعي؟

في ظل وجود الذكاء الاصطناعي، هناك من يستعمله ويستعين به في صياغة القصيدة، لكن الذكاء الاصطناعي يفتقد للحاسة الإنسانية والمشاعر الصادقة بالحرف كما نكتبها نحن، وفي معظم الأحيان تكون كتابته خاطئة وتفتقر للروح.

23. ما الإضافة الفنية التي تطمح إلى تقديمها للمكتبة الشعرية العربية ولم تنجزها بعد؟

الإضافة التي أطمح إليها تتلخص في اختيار شعراء مميزين من كل بلدٍ عربي معروفين بكتاباتهم الأصيلة، ليكون لهم ديوانٌ موحد يسمى "ديوان العرب"، تستخرج منه نسخةٌ جديدة كل عام. ومن جهتي، فإنني أفوضكم بالعمل على هذه المبادرة.
24. كيف تحدد وظيفة الشاعر في تفكيك قضايا العصر وإعادة صياغتها جمالياً؟
وظيفة الشاعر هي غرس الصدق واللمسة الإنسانية؛ فعندما ألقيت بعض قصائدي، وخاصةً تلك التي تناولت الأم، كانت العيون تدمع تأثرًا، ولا تزال هذه القصائد تترك أثرًا بالغًا وعميقًا في وجدان المتلقي.
25. ما الأثر الإبداعي المستدام الذي تسعى إلى تركه في وجدان المتلقي العربي؟
أسعى لترك كلمةٍ خادمة للحق، تنبع من القلب لتستقر في الأفئدة، وتذكر الأجيال القادمة بعظمة لغتهم العربية وبأصالة الشعر العمودي.