لسان الشعب وضمير الأمة: الشاعر محمد خميس قناوي في حوار الشغف والواقع والمبادئ

عطا درغام
2026 / 8 / 21

في عالم الشعر الشعبي الذي يستمد نبه من نبض الشارع وهموم البسطاء، يتجلى صوت الشاعر محمد خميس قناوي كإحدى النبرات الصادقة التي تعبر عن واقع الناس، وتنتصر للمبادئ والشهامة وقيم الجدعنة الأصيلة. يجري الكاتب والصحفي عطا درغام هذا الحوار الأدبي الشامل مع الشاعر، ليغوص معه في بدايات شغفه بالكلمة من مدينة القصير الساحلية، ويتتبع أثر القضايا الوطنية والمجتمعية في وجدانه، مرورًا بطقوسه الإبداعية ورؤيته الفلسفية للحياة والوطن والمرأة.
المحور الأول: النشأة والمؤثرات وبداية رحلة الشعر
1. لكل شاعر نقطة بداية، من أين كانت نشأة محمد خميس قناوي وكيف أثرت بيئتك في تكوين شخصيتك؟

: كانت بدايتي في مدينة "القصير" المطلة على البحر الأحمر، وكان ذلك في سن السادسة عشرة. تميزت تلك المدينة بأجواء ساحرة تُحفز على الإبداع وتُلهم الوجدان؛ إذ كانت البيئة المحيطة بي دفعًا قويًا لإمساك القلم وسرد كل ما يجيش في خاطري ووجداني.

2. ما هو أول موقف أو شعور في حياتك جعلك تشعر أنك تريد الكتابة والتعبير عن نفسك بالكلمات؟

تعود أولى المشاهد التي أثرت فيّ إلى طفولتي، وتحديدًا في سن التاسعة أو العاشرة، حين أذاعت النشرات الإخبارية لقطة تلفزيونية لجندي صهيوني يعتدي بالضرب والركل على فتاة فلسطينية محجبة. بكيت يومها وتأثرت شديدًا بهذا المشهد، وكان هو الشرارة الأولى التي أنارت لي طريق الالتزام بالقضية والتعبير بالكلمة.

3. متى كتبت أول قصيدة في حياتك؟ وهل ما زلت تذكر الكلمات أو الموضوع الذي دارت حوله؟

كتبت أول قصيدة لي وأنا في الصف الأول الثانوي، وقد ألقاها صديق لي في الإذاعة المدرسية خلال طابور الصباح، وكانت تلك اللحظة هي البداية الحقيقية والمشجعة لمسيرتي الشعرية.

4. من هو الشخص أو الأديب الذي كان له الأثر الأكبر في تشجيعك على الاستمرار في طريق الشعر؟

في طريقي نحو تحقيق الحلم، التقيت بعدة شخصيات شجعتني وحرصت على الاستماع لقصائدي، مثل الأستاذ أيمن حلمي، والأستاذ نسيم الخطيب، والأستاذ عماد سالم، وغيرهم؛ وإن كان الأثر الأكبر الحقيقي ينبع من إصراري الذاتي وتفاعلي مع الشارع.

5. الشارع والناس هما الملهم الأول للشاعر الشعبي، كيف استلهمت روح "ابن البلد" في قصائدك؟

أنا أستوحي كل شخصية أكتب عنها من الواقع العملي؛ فالشخصيات موجودة بالفعل بيننا، وربما يوجد اختلاف نسبي في التفاصيل أو الآراء، لكن كتابتي للشعر قائمة في أساسها على طرح مشاكل الناس وحمل همومهم التائهة.

المحور الثاني: أهم القضايا المجتمعية (قصيدة الرجال والمحاولة)

6. في قصيدتك الشهيرة قلت "المحاولة عايزة رجال".. من وجهة نظرك، ما هي الصفات التي تصنع رجلاً حقيقياً في هذا الزمان؟

الذي يصنع الرجال حقًا في هذا الزمن هو التقرب إلى الله عز وجل. قد تبدو إجابة غريبة للبعض، ولكنك إذا تقربت إلى الله؛ فتح لك أبواب التوفيق وجعل لك طريقًا يسيرًا لتسلكه وتنال ما تصبو إليه.

7. وصفت الدنيا بأنها "دوامة والبشر فيها في حرب".. ما هي أكثر فكرة مجتمعية أو مشكلة تؤرقك وتريد تغييرها بشعرك؟

السعي وراء "لقمة العيش" والركض المجهد في الحياة هما الشغل الشاغل والمشكلة الأكثر إرهاقًا لغالبية الناس، وهو ما أحاول دائمًا تسليط الضوء عليه لمواساتهم والتعبير عن معاناتهم.

8. دائمًا ما تهاجم في قصائدك المظاهر الكاذبة مثل "الصوت الجعار والعضلات".. لماذا اخترت محاربة هذه المفاهيم الخاطئة؟

لأن الصوت العالي دليل صريح على ضعف الموقف، وهو السبب الأساسي في استجلاب المشاكل وجلب الأحزان. أما استعراض العضلات فهو دليل على اهتمام بالمظهر لا بالمضمون؛ فكم من قوي أهلكه غروره وهُزم، وكم من ضعيف بالحق انتصر.

9. تقول "الرجولة عرق ومبدأ وأفعال".. كيف يمكن للشاعر أن يحافظ على مبادئه وسط صعوبات الحياة المستمرة؟

المبدأ شيء ثابت لا يتغير، لأن الإنسان إذا غير مبادئه تغيرت ذاته وكل صفاته ونبل أخلاقه، ويصيبه بعد ذلك ندم شديد. أما الرجولة فهي من صناعة الأيام والمواقف الشديدة، فالمرء لا يولد بها جاهزًا، بل المواقف وحدها هي التي تصنع الرجال.

10. ما هي الرسالة الأساسية التي تريد أن يخرج بها الشاب البسيط عندما يستمع لقصائدك؟

أن يتمسك بالأخلاق الكريمة، والدين القويم، والانتصار للحق، والتحلي بالقناعة والرضا.

المحور الثالث: الوطن، الحب، والمرأة

11. الوطن في قلب كل شاعر؛ كيف يعبر محمد خميس عن حبه لبلده وأرضه بأبسط الكلمات؟

مصر هي الأم التي لا تموت، ورغم كيد الأعداء والمتربصين ستظل هي الأعلى دائمًا، ففي أرضها وفي روحها سرٌ من أسرار الخلود.

12. ماذا يعني "الحب" في قاموسك الشعري؟ وهل الحب في زماننا هذا أصبح مختلفاً عن الماضي؟

الحب في هذا الزمن أضحى أشبه بوهمٍ نعيشه لكي نستطيع التغلب على قسوة الحياة وشدائدها؛ إذ أرى أن الحب الحقيقي الخالي من المصالح بات نادرًا أو منعدمًا في وقتنا الحالي.

13. المرأة هي الأم والأخت والزوجة؛ كيف تنظر للمرأة في قصائدك وكيف كرمتها بكلماتك؟

المرأة هي نصف الرجل والسكن والوعاء الاحتضاني له، ولا يستقيم بنيان المجتمع بدون احترامها وتكريمها.

14. هل ترى أن الشاعر الشعبي ينجح أكثر في كتابة القصائد العاطفية أم القصائد التي تلمس الواقع والجدعنة؟

الشاعر عندما يكون صادقًا يلمس كلامه شغاف القلوب مباشرة، سواء كتب في العاطفة والوجدان أو كتب في واقع الحياة وقيم المروءة والجدعنة.

15. "الرجولة أن تكون حكيم وتضحك على الشيطان".. كيف تحمي الحكمة بيوتنا وعلاقاتنا الإنسانية من الفتن؟

بالتقرب الدائم إلى الله، وكثرة تشغيل القرآن الكريم وتحصين البيت به. أما عن طقوس الكتابة التي تعينني على ذلك، فهي الهدوء التام ووجود موقف إنساني حقيقي يؤثر في وجداني.

المحور الرابع: طقوس الكتابة والأجواء الإبداعية

16. متى يزورك "ديب" الشعر عادة؟ هل تفضل الكتابة في هدوء الليل أم وسط زحام النهار؟

يزورني إلهام الشعر دائمًا في أوقات الهدوء التام.

17. هل تحتاج إلى طقوس معينة لتبدأ في الكتابة (مثل فنجان قهوة، مكان محدد، أو سماع موسيقى معينة)؟

طقوسي بسيطة للغاية؛ كوبٌ من الشاي وسيغارة، مع خلوة هادئة تجمعني مع الفكرة.

18. حين يأتيك الإلهام لقصيدة جديدة، هل تكتبها دفعة واحدة أم تأخذ منك أياماً لتنقيحها وتعديلها؟

أكتب القصيدة غالبًا على فترات متقطعة، وأمنحها وقتها لكتمل وتنضج.

19. بعض الشعراء يكتبون وهم في قمة الحزن والبعض عند الفرح، ما هي الحالة النفسية التي تخرج أفضل ما عندك؟

التأثر بالمواقف الحقيقية في الواقع هو ما يخرج أفضل ما لدي، حيث يمتزج الشجن بالحرص على توجيه الرسالة.

20. كيف تتعامل مع تعليقات جمهورك وتفاعله المباشر معك، مثل إشادة القراء بعبارات مثل "سلم اللسان والوجدان"؟

أتوجه لهم ببالغ الشكر والامتنان، وأقدر دعمهم وتشجيعهم المستمر لي.

المحور الخامس: الأعمال المنشورة وتطلعات المستقبل

21. هل قمت بجمع قصائدك السابقة في ديوان مطبوع، أم تفضل نشرها مباشرة للجمهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟

لديّ 7 دواوين شعرية، كما ألقى لي أكثر من 50 قصيدة شعراء ومبدعون من مختلف أرجاء الدول العربية.

22. ما هي العوائق التي تواجه الشاعر الشعبي اليوم لإيصال صوته وأعماله إلى النور بشكل أوسع؟

تكمن المشكلة الكبرى في تراجع الجماهيرية؛ إذ لم يعد هناك جمهور قوي ومحتشد للاستماع إلى الشعر كما كان في السابق.

23. وسائل التواصل الاجتماعي منحتك منصة للتواصل، كيف ترى دور "الفيسبوك" في تقريب الشاعر من ناسي وأهله؟

لقد جعل من الحلم الذي كاد يموت حياة جديدة؛ فهو يتيح لك أن ترى نفسك نجمًا كما كنت تحلم، حتى وإن كان ذلك عبر العالم الافتراضي.

24. إذا أتيحت لك الفرصة لتوجيه رسالة شكر لجمهورك والناس التي تدعمك دائمًا، ماذا تقول لهم؟

أقول لهم: "شكرًا لكم جميعًا من القلب، وأتمنى دائمًا أن أكون عند حسن ظنكم بي."

25. ما هو حلمك الأكبر الذي تتمنى تحقيقه في عالم الشعر والأدب الشعبي خلال الفترة القادمة؟

حلمي الأكبر هو أن أُلقب بـ "شاعر العرب"، وأن أكون بحق كما أؤمن دائمًا: «الشاعر هو لسان الشعب وضمير الأمة».